|
|
طرقات على باب الغزالي: محاكمة العقل السائل
طلال كبده
الحوار المتمدن-العدد: 8780 - 2026 / 7 / 28 - 11:04
المحور:
الادب والفن
الشخصيات: أبو حامد (الغزالي): رجل في الخمسين من عمره، يرتدي عباءة صوفية بسيطة، ملامحه متعبة من السهر والتفكير، تظهر عليه أمارات الزهد، يمثل "عقل الشك واليقين التاريخي". د. ساهر: مفكر ومؤثر رقمي معاصر في الأربعين من عمره، أنيق جداً، حاد الذكاء، يرتدي بذرة حديثة بلا ربطة عنق، يحمل جهازاً لوحياً متطوراً، ويمثل "حداثة السيولة والنسبية المطلقة". صوت الوعر (صوت غيبي/خلفي): يمثل صدى الخوارزميات والضجيج الخارجي. الديكور والمشهد: المسرح مقسم درامياً بإضاءة هندسية. في العمق: صومعة قديمة (رباط خلوة) في نيسابور أو دمشق. رفوف خشبية متآكلة تحمل مخطوطات وصحائف صفراء مبعثرة، محبرة ريشة، وسجادة صلاة بسيطة. في المقدمة: جدار زجاجي شفاف يفصل هذه الصومعة عن العالم الخارجي، وخلف الجدار تومض إضاءات زرقاء وبيضاء سريعة تمثل تدفق البيانات وشاشات البورصة ومنصات التواصل. يدخل (د. ساهر) مخترقاً الجدار الزجاجي وكأنه يعبر فجوة زمنية، حاملاً جهازه اللوحي الذي يضيء وجهه بنور بارد. المشهد الأول: اقتحام العزلة (يُفتح الستار على "أبو حامد" وهو يجلس على الأرض، يكتب بريشته ببطء شديد، يتوقف، يمسح جبهته، ينظر إلى الفراغ بكآبة وجودية. يُسمع صوت طرقات معدنية حادة ومتسارعة على الباب الخشبي لصومعته. لا يجيب. تتكرر الطرقات بعنف أكبر، حتى ينفتح الباب ويدخل د. ساهر). أبو حامد: (دون أن يلتفت، يظل ممسكاً بريشته) لو كان الطارق يملك فكرة، لانتظر أن تولد على الورق قبل أن يكسر الباب. من أنت حتى تطرق خلوة رجل مات عن العالم منذ قرون؟ د. ساهر: (يمشي بزهو في الصومعة، يتأمل المخطوطات بفضول بارد) أنا الطارق الذي لا يملك وقتاً للانتظار يا أبا حامد. أنا ابن العصر الذي ألغى المسافات وهدم الصوامع. جئت إليك من وراء جدار الزمن، ليس حباً في خلوتك، بل محاكمةً لكتابك "منقذ" الذي لم يعد ينقذ أحداً في زمننا. أبو حامد: (يضع الريشة بوقار، يلتفت ببطء وينظر في عيني ساهر) الإنقاذ ليس بضاعة تُعرض في الأسواق ليشتريها المارة يا هذا. من كان يغرق في بحر الشك، يدرك أن طوق النجاة يصنع بدموع السهر وعزلة العقل، لا بضجيج العابرين. ماذا دهاك ودها عصرك حتى تأتي محاكماً؟ د. ساهر: (يرفع جهازه اللوحي، تظهر شاشة مضيئة تعكس رسوماً بيانية في فضاء المسرح) عصري يا سيدي فكك "المطلق" الذي قضيت عمرك تبحث عنه. أنت هربت من بغداد، تركت منابر المدرسة النظامية، وتوسدت تراب الشام بحثاً عن "يقين صلب". ونحن اليوم نعيش في "السيولة الكاملة". لا وجود ليقين واحد، كل شيء نسبي، كل شيء عابر، وكل فكرة هي مجرد "وجهة نظر" تنتهي بانتهاء مدة صلاحيتها الرقمية. جئت لأقول لك: إن تعبك القديم كان عبثاً! أبو حامد: (يبتسم ابتسامة حزينة، ينهض متكئاً على عصا خشبية) السيولة؟ تسمونها سيولة وأراها مستنقعاً! عندما يفقد الإنسان الثابت الذي يستند إليه، لا يصبح حراً كما تتوهم، بل يصبح ريشة في مهب أهوائه. الشك الذي عشته أنا، كان هدم الخرافة لبناء الحقيقة، كان قلقاً مقدساً يقود إلى نور العقل. أما سيولتكم هذه، فهي "عدمية مغلفة بالرفاهية". أنتم تشكون في كل شيء، ليس بحثاً عن الحق، بل هرباً من مسؤولية الالتزام به! المشهد الثاني: تسليع العقل د. ساهر: (يضحك بسخرية، ويتحرك ب ديناميكية حول أبو حامد) مسؤولية؟ الحق؟ هذه كلمات كبرى ماتت مع العصر الكلاسيكي! في عالمنا، القيمة تُقاس بـ "المنفعة" و"الانتشار". كتابك "تهافت الفلاسفة" استغرق منك شهوراً من التفكير، بينما اليوم، منشور واحد مدته خمس عشرة ثانية على منصاتنا يمكن أن يغير قناعات مليون شاب! نحن لا نحتاج للمجلدات لكي نصنع وعياً، نحن نحتاج لـ "الومضة" السريعة. أبو حامد: (يتقدم نحو الجدار الزجاجي، ينظر للأضواء الومّاضة في الخارج بأسى الفيلسوف) الومضة تعمي الأبصار ولا تضيء طريقاً يا ساهر. إنها تصدم العين وتترك العقل في ظلام دامس. أنتم لم تغيروا قناعات الشباب، بل أفرغتم عقولهم من القدرة على الصبر. المعرفة مخاض، وعذاب، وصعود شاق للجبل. أما الومضة التي تتبجح بها، فهي "برغر فكري" سريع الهضم، يشعر الآكل بالشبع وهو يموت بسوء التغذية. لقد حوّلتم الإنسان من كائن يبحث عن الحكمة، إلى مستهلك يبحث عن الإثارة! د. ساهر: (يضغط على جهازه، يتغير لون الإضاءة في الخارج إلى الأحمر) وما العيب في ذلك؟ الإثارة هي محرك السوق. الثقافة اليوم منتج، والمنتج يجب أن يُباع. أنت تدافع عن نخبوية متعالية ماتت وعفّت عليها القرون. انظر إليّ.. أنا أملك ملايين المتابعين، كلمتي مسموعة في القارات الخمس بلحظة واحدة، بينما أنت قضيت عشر سنوات تائهاً بين دمشق والقدس ومكة، لا يسمع بك إلا بضعة طلاب علم! أبو حامد: (يلتفت بحدة، وتكتسب نبرته قوة درامية طاحنة) أنا تركتُ طلاب العلم حين رأيتُ الوعظ يتحول إلى تجارة وجاه! هربتُ من بغداد حين شعرتُ أن "الأنا" تتضخم في داخلي على حساب "الحق". أما أنت.. أنت عبدٌ لهؤلاء الملايين الذين تتباهى بهم! أنت لا تقودهم، بل تتبع أهواءهم لترضي "خوارزميتك". إنهم يصفقون لك طالما أنك تدغدغ كسلهم الفكري، فإذا طرحت عليهم سؤالاً حقيقياً يؤرق مضاجعهم، انفضوا عنك وبحثوا عن مسلٍ آخر. أنت لست مفكراً يا ساهر.. أنت "مهرج" يرتدي ثياب الفلاسفة! المشهد الثالث: محاكمة مقص الخوارزمية (يسود الصمت لثوانٍ. د. ساهر يشعر بالإهانة الفكرية، يتقدم نحو طاولة الغزالي بعصبية، يمسك بـمخطوطة "إحياء علوم الدين"). د. ساهر: (بهجوم مضاد) هذا الكتاب.. "الإحياء".. أتعلم ماذا سنفعل به لو نُشر في عصرنا؟ سنأخذ منه مقص الخوارزمية. سنحذف منه فصول المجاهدة، والزهد، والتأمل العميق. سنبقي فقط على "خمس نصائح للسعادة المؤقتة" أو "كيف تتخلص من التوتر في ثلاثة أيام". الناس لا يريدون مجاهدة أنفسهم، يريدون تصالحاً زائفاً مع عيوبهم! أبو حامد: (يأخذ المخطوطة من يد ساهر بثبات وهدوء، يضمها إلى صدره) إذا حذفت المجاهدة، فقد حذفت الإنسان! السعادة ليست خدعة نفسية نشتريها بكلمات منمقة. السعادة هي انتصار العقل والروح على شهوات الطين. عندما تقص حواف الحبر من كتبي لتجعلها مستساغة لقطيعك الرقمي، فأنت تقتل "الظلال". والملحمة تكمن في الظلال! الملحمة تكمن في المسافات الفاصلة بين السؤال والجواب، في القلق الذي يجعل المفكر يسهر ليله باحثاً عن شعاع الحقيقة. د. ساهر: (بيأس غاضب) العالم لا يريد ملحمياتك يا أبا حامد! العالم يريد أرقاماً، يريد سرعة، يريد عيشاً بلا صداع فلسفي! أبو حامد: (ينظر إليه بنظرة نافذة تفكك كينونته المعاصرة) العالم الذي تبشر به هو عالم "الانتحار الروحي البطيء". أنتم تصنعون بشراً بملامح آلية، يملكون معلومات بلا حكمة، واتصالات بلا تواصل، وعلاقات بلا حب. لقد قتلتم "الغيب"، ودنّستم "المقدس"، وحولتم العقل البشري إلى مجرد سيرفر لتخزين البيانات التافهة. جئت تحاكمني لأنني هربت من صخب بغداد؟ أنا هربت لأجد نفسي.. أما أنت، فهاربٌ في صخب عالمك لكي تنسى نفسك! المشهد الرابع: المواجهة الأخيرة والانسحاب (يُسمع صوت "الوعر" من الخلفية، كأنه تنبيهات هواتف ذكية ضخمة تتداخل معاً لدرجة الإزعاج). صوت الوعر: (صوت ميكانيكي مكرر) انخفاض في المؤشرات.. تراجع نسب المشاهدة.. النقاش يتجاوز الطول المسموح به.. الجمهور يغادر البث.. الجمهور يغادر! د. ساهر: (ينظر إلى جهازه اللوحي بذعر وارتباك) تباً! الأرقام تهبط.. النقاش معك ثقيل جداً يا أبا حامد. الخوارزمية تعاقبني لأن الكلمات أصبحت أعمق مما يحتمله المتصفح السريع. الجمهور يريد مادة خفيفة.. يجب أن أنسحب! أبو حامد: (يجلس على أرض صومعته مجدداً، يأخذ ريشته بكل هدوء ووقار) اذهب إلى عالمك السائل يا ساهر. اذهب وحافظ على أرقامك الزائلة. دعني هنا في صومعتي، أحرس الثوابت، وأحفر في صخر المعنى. إن عالمك الرقمي المتهاوي سيتعب يوماً من ضجيجه، وسيبحث الإنسان فيه عن جدار حقيقي يستند إليه.. يومها، لن يجدوا خوارزمياتك، بل سيطرقون باب صومعتي مجدداً يبحثون عن "المنقذ من الضلال". د. ساهر: (يتراجع نحو الجدار الزجاجي وهو ينظر لهاتفه بتوتر) أنت مجنون.. أنت تعيش في الماضي! أبو حامد: (دون أن ينظر إليه، يبدأ بالكتابة) بل أنا أعيش في "الأبد".. وأنت تموت في "اللحظة". (يعبر د. ساهر الجدار الزجاجي مسرعاً، ويندمج في الأضواء الزرقاء الصاخبة في الخارج. تنطفئ إضاءة العالم الخارجي فجأة، ويسود الصمت التام). (تبقى الإضاءة الدافئة مركزة بالكامل على "أبو حامد" الغزالي، وهو يكتب بريشته ببطء وثبات، وصوت صرير الريشة على الورق يرتفع ليملأ فضاء المسرح كأنه نبض قلب لا يموت). [إظلام تدريجي - سقوط الستار]
الفصل الثاني: تجلّيات الظلال وهدم الوهم
الشخصيات الجديدة عَزْف: (24 عاماً) فتاة تمثل "الجيل الحائر". ترتدي ملابس بسيطة تدمج بين التراث والحداثة، تحمل في يدها كتاباً ورقياً ممزق الحواف، وفي اليد الأخرى هاتفاً منطفئ الشاشة. تدخل كعنصر درامي كاشف بين عالم برهان وعالم نديم.
الديكور والمشهد: يبدأ الفصل الثاني بعد مرور "وقت درامي" قصير على نهاية الفصل الأول. الظلام الذي خيّم على جهة يسار المسرح (عالم نديم) يبدأ بالتلاشي تدريجياً، لكن الألوان النيون البراقة تحولت إلى ضوء رمادي باهت، كأنه "خلفية كواليس" مهجورة. الطاولة الخشبية في المنتصف أصبحت مغطاة بغبار خفيف. برهان ما زال جالساً يكتب، لكنه يتوقف فجأة عندما يسمع صوت خطوات متباطئة ومترددة. تدخل (عَزْف) من نقطة التماس بين العالمين، وتبدو كمن يمشي في حلم.
بداية العرض (الفصل الثاني): (صوت صرير القلم يتوقف. برهان يرفع رأسه، ينظر إلى "عَزْف" التي تقف حائرة في المنتصف). برهان: (بصوت دافئ ومجرّب) لا أنتِ من أهل الضجيج بالكامل، ولا أنتِ من سكنة الصمت بعد. من أي الحواف أتيتِ يا ابنتي؟ عَزْف: (تنظر إلى كتابها ثم إلى هاتفها المنطفئ، بنبرة متعبة) أتيتُ من المنتصف يا سيدي.. من المسافة الفاصلة بين شاشة تومض بآلاف الحيوات الزائفة، وصفحة ورق تبكيني بصمتها. أنا جيل "الريتش" الذي شبع من الإجابات السريعة حتى أصابه سوء تغذية روحي. جئت أبحث عن "السؤال الأول" الذي طمسه نديم وخوارزمياته. برهان: (يشير لها بيده نحو كرسي خشبي صغير بجانبه) اجلسي.. من يملك شجاعة الاعتراف بالجوع الفكري، فقد وضع أول خطوة في طريق اليقين. نديم الذي غادر منذ قليل، ظن أن المعرفة "تغريدة" تُقاد بالآلاف، ولم يدرك أن الحكمة كائن خجول لا يظهر في الزحام. (في هذه اللحظة، يعود نديم من جهة اليسار، لكنه يبدو منهكاً، ربطة عنقه مرتخية، ويحمل هاتفه كأنه يحمل عبئاً ثقيلاً. يرى عَزْف جالسة عند برهان، فيتوقف صامتاً). نديم: (بصوت يفتقد للحماس السابق، يوجه حديثه لعَزْف) حتى أنتِ يا عَزْف؟ تركتِ منصة البث المباشر وجئتِ إلى مقبرة الكتب؟ المنصة بالخارج تسأل عنكِ، "الجمهور" يطلب تعليقكِ على التريند الجديد! عَزْف: (تلتفت إليه بهدوء شديد) الجمهور لا يطلبني أنا يا نديم.. الجمهور يطلب "النسخة التي صَنَعْتَها مني". هم يريدون الأقنعة التي نرتديها ل نُعجبهم. لقد مللتُ أن أكون مجرد "رقم" في إحصائيات أرباحك السنوية. هنا، عند البروفيسور برهان، شعرتُ لأول مرة بثقل كينونتي.. شعرتُ أن لعمري ظلاً، وليس مجرد ثوانٍ تنتهي بمرور الإصبع على الشاشة. برهان: (ينظر إلى نديم بنظرة تفكيكية عميقة) أترى يا نديم؟ هذا هو "الشرخ" الذي لا تستطيع خوارزمياتك رتقه. الإنسان كائن يبحث عن المعنى كما يبحث عن الماء. يمكنك أن تسقيه "سراباً رقمياً" لبعض الوقت، لكن العطش الوجودي سيعيده حتماً إلى اليقين الصلب. أنت لم تبنِ ثقافة، بل بنيت "سيركاً افتراضياً"، وحين ينطفئ الضوء، يكتشف الجميع أنهم عراة بلا فكر. نديم: (يتقدم نحو الطاولة، ويضرب عليها بيده بيأس مكتوم) أنت تحاكمني كأنني مجرم يا برهان! أنا ابن عصري، أنا لم أخترع هذه السيولة، أنا فقط تعلمت كيف أسبح فيها كي لا أغرق! إذا تمسكتُ بمنطقك الكلاسيكي الرصين، فمن سيدفع فواتير وجودي؟ مَن سيشتري الخبز للكاتب والمفكر؟ العالم أصبح سوقاً كبيراً، ومن يرفض البيع، يُسحق تحت الأقدام! برهان: (ينهض، ويمشي نحوه حتى يواجهه وجهاً لوجه) المجرم ليس من يسبح في الماء يا بني، بل من يقنع الناس أن المستنقع هو المحيط الوحيد المتاح! أنت لم تسبح فقط، بل حاربت كل من يحاول بناء جسر أو حفر بئر عميقة. جعلت من "التفاهة" معياراً للنجاح، وعزلت العمق وصمته وصنفتّه كـ "خريف وعي" أو "موت للوقت". أنت تبيع أوهاماً سريعة الصلاحية، والمشكلة ليست في أنك تبيعها، بل في أنك تصدق أنك تصنع بها مجداً! عَزْف: (تتدخل، وترفع كتابها الممزق) انظر يا نديم.. هذا الكتاب ل برهان، قرأتُ فيه فصلاً واحداً عن "أزمة الاغتراب". استغرق مني الأمر ثلاث ساعات من القراءة المتأنية والقلق الشديد. لكنني بعد تلك الساعات، شعرتُ أنني ولدتُ من جديد، أن حزني له تفسير، وأن حيرتي ليست مرضاً نفسياً بل هي "مخاض وعي". بالمقابل، شاهدتُ مئة مقطع فيديو لك في ساعة واحدة، ولم يتبقَ في عقلي سوى رغبة عارمة في الاستهلاك والركض بلا هدف! أيهما يصنع الإنسان؟ نديم: (يجلس على حافة الطاولة، يضع رأسه بين يديه، وتبدو عليه لأول مرة أمارات الشك الفلسفي) ربما.. ربما أكون قد تفرغتُ للركض حتى نسيتُ إلى أين أذهب. الخوارزمية وحش لا يشبع يا برهان. إن توقفتُ عن النشر يوماً واحداً، ينساني العالم، يبتلعني النسيان الرقمي. أنا سجين هذا الضجيج، أصبحتُ مثل الآلة.. أحتاج إلى "لايك" لأشعر أنني على قيد الحياة. هل هذا هو الوجود الذي تدافع عنه يا نديم؟ (يوجه الكلام لنفسه بسخرية مريرة). برهان: (يضع يده على كتف نديم برفق الأب وفطنة ال فيلسوف) الآن بدأتَ تفكر يا نديم.. الآن بدأ شكك المقدّس! عندما تدرك أن صخبك هو في الحقيقة "عزلة مطلقة"، وأن أرقامك هي أصفار تحاصرك، ستفهم لماذا هربتُ أنا إلى هذه الصومعة. أنا لم أهرب خوفاً من العالم، بل هربتُ لأحمي "الإنسان" الذي في داخلي من التفتت والسيولة. الكلمة التي أكتبها ببطء، هي خط دفاعي الأخير ضد تفاهة العالم. عَزْف: (تفتح كتابها وتضعه بينهما على الطاولة) إذن.. دعونا نبدأ من هنا. لا نريد بتر النص ليدخل قفص التريند، ولا نريد حبس النص في عتمة الغرفة. نريد أن نعيد للكلمة وقارها وظلالها، وأن نجعل من التكنولوجيا جسراً للعمق لا مقصاً له. هل هذا ممكن يا بروفيسور؟ برهان: (يبتسم ابتسامة مشعة باليقين، ويمسك محبرته وقلمه) ممكن.. إذا توقفنا عن قياس عقولنا بنسب المشاهدة، وبدأنا بقياسها بنسب الوعي والحرية. اجلسا.. الليلة لن نمارس بثاً مباشراً عابراً، بل سنكتب أول سطر في تاريخ "العودة إلى المعنى". (يجلس نديم ببطء بجانب عَزْف على الكراسي الخشبية. نديم يطفئ شاشة هاتفه تماماً ويضعه جانباً، ممسكاً بورقة بيضاء. عَزْف تفتح كتابها). (برهان ينحني فوق الدفتر الكبير، ويغمز القلم في المحبرة. يُسمع صوت صرير القلم على الورق بوضوح، يتداخل هذه المرة مع لحن موسيقي هادئ وعميق يعزف في الخلفية، يمثل انتصار العمق والروح). [إظلام تدريجي - ستار ختامي للمسرحية]
#طلال_كبده (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
تفكيك الأبوية التاريخية: سجال صارخ بين سيف الطاغية ووعي التن
...
-
مسرحية: حفريات الشك ومحاكمة النص
-
حانة الوعي المر: حوارية فلسفية وجودية بين نجيب الريحاني وعبد
...
-
مسرحية: فلسفة الصعلوك وصدمة المفكر
-
عنوان العرض: -برزخ الأفكار القلقة-
-
حواف الحبر.. وظلال النص
-
برزخ المطارق: حوار فوق الغمام
-
خريف النص: رحلة في وادي الشك.
-
مسرحية ذهنية: برزخ السطور المتمردة
-
تهافت التمرد العبثي: حوارية تفكيكية بين المؤرخ القحطاني والف
...
-
البرزخ الإبستمولوجي: حوار المِعول والمِشرط مسرحية ذهنية تفكي
...
-
سيناريو مسرحي قصير: عَرُوض التريند
-
سيناريو مسرحي قصير: إعراب العبث
-
حفريات اللاهوت مقابل صدمة الشاشة: دراسة مقارنة بين عبدالله م
...
-
اغتراب الأدلجة وأزمة الهوية: تفكيك ظاهرة -المتأسلم- في الفضا
...
-
أقنعة الزيف: تفكيك ظاهرة -المتأسلم- وآليات المتاجرة بالدين و
...
-
-زلزال يوليو الكوني: سقوط الباستيل الحجري وتفكيك المقاصل الم
...
-
سيكولوجية الهتاف: صناعة القطيع بين صنم الكرة ووهم الخلافة
-
أفيون الشعوب البديل: -المتأسلمون- وفصام الكأس المستديرة
المزيد.....
-
فنانو الحبال العالية يعبرون كابلات فوق وادي هنوم في القدس
-
قلق روسي من سرقة مشروع ترميم قوس النصر في تدمر بعد تعليق الع
...
-
شيخ الأزهر يستقبل وزير التربية والتعليم ويؤكد: الاعتزاز بالل
...
-
لوحتان نادرتان لروريخ وأيفازوفسكي تُباعان بملايين الروبلات ف
...
-
125 متحفا ومعرضا في موسكو تتيح زيارات مجانية للأطفال والشباب
...
-
-كأنه فيلم رعب-: الأميبا الآكلة للدماغ التي قد تنتشر حول الع
...
-
مهرجان مولانا في السليمانية.. الثقافة والفنون رافعة للسياحة
...
-
كريستيانو رونالدو يخوض تجربة التمثيل ويكشف أسرار -الميركاتو-
...
-
قداسة البابا يلتقي الممثلين القانونيين ومديري المدارس القبطي
...
-
توم هولاند يكشف عن نصائح آن هاثاوي له خلال الترويج لفيلم -Th
...
المزيد.....
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
-
حكاياتْ تَكاد تُنسى
/ فلاح العيفاري
-
وعي ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
ديوان 23 الحاوي والعصفور
/ منصور الريكان
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
-
كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
رسالة الى عام 3026
/ ايه رياض الجبوري
-
نافذة ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال
/ كمال التاغوتي
المزيد.....
|