أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعد عزت السعدي - التسوية المالية مع الفاسدين: بين استرداد المال العام وتحقيق العدالة الجنائية














المزيد.....

التسوية المالية مع الفاسدين: بين استرداد المال العام وتحقيق العدالة الجنائية


سعد عزت السعدي

الحوار المتمدن-العدد: 8779 - 2026 / 7 / 27 - 11:23
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تُعد جرائم الفساد من أخطر الجرائم التي تواجه الدول، لما تسببه من استنزاف للمال العام، وإضعاف لمؤسسات الدولة، وتقويض لثقة المواطنين بمنظومة الحكم. ومع اتساع حجم الأموال المنهوبة وتعقيد عمليات استردادها، برزت في عدد من الدول فكرة التسوية المالية مع مرتكبي جرائم الفساد، والتي تقوم على استرداد الأموال أو جزء كبير منها مقابل منح المتهم مزايا قانونية، قد تصل إلى تخفيف العقوبة أو إنهاء الملاحقة الجنائية وفق ضوابط يحددها القانون.
يواجه العراق معضلة حقيقية في مكافحة الفساد، إذ إن حجم الأموال المهدورة والمنهوبة يقدر بمليارات الدولارات، في حين أن إجراءات التقاضي واسترداد الأموال غالبًا ما تكون طويلة ومعقدة، خصوصًا عندما تُهرَّب الأموال إلى خارج البلاد. وفي ظل هذا الواقع، يبرز بين الحين والآخر مقترح يقضي بإجراء تسويات مالية مع بعض المتهمين بالفساد، بحيث يعيدون الأموال أو جزءًا منها مقابل تخفيف العقوبة أو إنهاء الملاحقة القضائية.
من الناحية العملية، قد يبدو هذا الطرح مغريًا، لأن الدولة تستعيد أموالًا يمكن توظيفها في بناء المدارس والمستشفيات والبنى التحتية، بدلاً من سنوات من النزاعات القضائية التي قد لا تنتهي باسترداد شيء. لكن هذه الفائدة لا ينبغي أن تحجب سؤالًا أكثر أهمية: هل يمكن أن تصبح الحرية ثمنًا يُشترى بالمال؟
في الحالة العراقية، تكمن الخطورة في أن أي تسوية غير منضبطة قد تُفهم على أنها رسالة مفادها أن الفساد مشروع عالي الربح؛ فإذا انكشف الفاسد أعاد جزءًا من الأموال وخرج حرًا، وإذا لم يُكشف احتفظ بما كسبه. مثل هذا التصور يضعف الردع ويقوض ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة والقضاء.
لذلك، إذا فُرض اللجوء إلى التسويات، فينبغي ألا تكون عفوًا مقنعًا، بل أداة استثنائية تخضع لشروط صارمة، منها: إعادة الأموال كاملة مع العوائد المتحققة منها، والكشف عن جميع الأصول والشركاء، وعدم شمول كبار المتورطين في قضايا الرشوة والاختلاس المنظم، وأن تتم جميع الإجراءات تحت رقابة القضاء وبشفافية كاملة، مع استمرار الحرمان من تولي أي منصب عام.
يرى مؤيدو هذا التوجه أن الأولوية يجب أن تكون لاستعادة الأموال العامة، خاصة عندما يكون التقاضي طويلًا ومعقدًا، أو عندما تكون الأموال قد نُقلت إلى الخارج. ومن هذا المنطلق، فإن التسوية قد تحقق منفعة اقتصادية مباشرة للدولة، وتوفر الوقت والكلفة، وتمكن الخزينة العامة من استعادة موارد يمكن توجيهها إلى مشاريع التنمية والخدمات.
في المقابل، يثير هذا النهج تساؤلات قانونية وأخلاقية مهمة. فالاكتفاء باسترداد الأموال قد يُفهم على أنه يسمح لمن استغل السلطة أو الوظيفة العامة بالإفلات من العقاب، وهو ما قد يضعف مبدأ المساواة أمام القانون، ويقلل من الأثر الرادع للعقوبة. كما أن الفساد لا يقتصر على الخسارة المالية، بل يمتد إلى الإضرار بمؤسسات الدولة وإضعاف ثقة المجتمع بمنظومة العدالة.
لذلك، فإن نجاح أي نظام للتسوية المالية يتوقف على وجود إطار قانوني صارم يحدد شروطها وضماناتها. وينبغي ألا تكون التسوية حقًا مطلقًا، بل استثناءً يخضع لرقابة القضاء، مع إلزام المستفيد بإعادة الأموال كاملة أو وفق معايير عادلة، والكشف عن جميع الأصول المرتبطة بالجريمة، وعدم الاستفادة من التسوية في الجرائم الجسيمة أو في حالات العود. كما يجب أن تتم الإجراءات بشفافية تضمن الحفاظ على ثقة المجتمع.
وقد لجأت بعض الدول إلى آليات مختلفة لاسترداد الأموال ضمن إصلاحات مكافحة الفساد، إلا أن التجارب أظهرت أن نجاح هذه السياسات يرتبط بقدرة الدولة على تحقيق التوازن بين استعادة المال العام وعدم الإخلال بمبدأ المساءلة وسيادة القانون.
إن التسوية المالية ليست هدفًا بحد ذاتها، وإنما وسيلة قد تكون مفيدة في ظروف محددة إذا كانت تحقق مصلحة عامة واضحة، وتخضع لضمانات قانونية صارمة. أما إذا تحولت إلى باب للإفلات من العقاب، فإنها قد تشجع على تكرار الفساد بدلاً من مكافحته.
وفي النهاية، تبقى المعادلة الأساسية هي أن استرداد الأموال العامة يمثل حقًا للمجتمع، لكن تحقيق العدالة وسيادة القانون يمثلان الضمان الحقيقي لحماية الدولة ومنع تكرار الفساد. ومن ثم، فإن أي سياسة لمكافحة الفساد ينبغي أن تجمع بين استرداد الأموال، والمحاسبة القانونية، والشفافية، وتعزيز المؤسسات الرقابية، بما يحقق الردع ويحافظ على ثقة المواطنين بالدولة.



#سعد_عزت_السعدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الفرق بين الدولة المركزية والنظام الدكتاتوري
- ازدواج الجنسية للمسؤولين في العراق: بين الحق الدستوري ومتطلب ...
- الهروب من الفوضى: إستراتيجية العراق الجديدة في عالم ما بعد ا ...
- العراق وسياسة “المسافة المتساوية”: توازن دقيق في بيئة لا تعت ...
- من إدارة الأزمات إلى بناء الدولة
- أهمية دمج أمن الخليج بالعراق: نحو مقاربة إستراتيجية لإعادة ب ...
- العراق بين الحياد السيادي والواقع الجيوسياسي
- الفراغ الدستوري في تشكيل الحكومة
- هل تهدد اللامركزية وحدة القرار السيادي ؟
- حدود السلطة في زمن الأزمات
- الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية كضمان لحسن الإدارة
- غياب قانون مجلس الأمن القومي وأثره على صناعة القرار الاسترات ...
- الطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي في القانون الدولي الإنسا ...
- الأمن الحدودي عنوان السيادة ومفتاح للاقتصاد الوطني
- تشظي الدولة العراقية بين دستور مُعطَّل ونخب بلا مشروع
- الامن القومي والتوازنات الاقليمية
- الضرورة العسكرية كذريعة لانتهاك القانون الدولي الإنساني
- تفعيل أدوات الاستجواب والسؤال البرلماني في مجلس النواب
- الأقاليم في العراق بين النص الدستوري والتطبيق العملي
- مسيرة بعثة الأمم المتحدة في العراق : دعم الدولة وبناء الاستق ...


المزيد.....




- إطار صخري يكشف عن ثلاث قمم مدهشة في جبال الدولوميت.. ما سرّه ...
- شلال يبعد أمتار قليلة عن الشارع الرئيسي.. مفاجأة تنتظرك في ه ...
- رئيس وزراء بريطانيا الجديد يجري أول اتصالات مع قادة 4 دول خل ...
- تبادل رسائل بين واشنطن وطهران.. وتصعيد متواصل في لبنان وغزة ...
- تقارب القاهرة وأنقرة يربك إسرائيل.. هل تدفع المخاوف المشتركة ...
- القادة الأمنيون في إسرائيل يدقون ناقوس الخطر: الضفة تتجه نحو ...
- تراجع الملاحة بالبحر الأحمر بعد هجوم الحوثيين على السعودية
- الدفاع الروسية تعلن إسقاط 276 مسيرة أوكرانية الليلة الماضية ...
- الأمن الروسي: احتجاز مواطن يشتبه بتجسسه لصالح نيوزيلندا (فيد ...
- رئيس وزراء التشيك: هجوم برلين الإرهابي يعكس تداعيات الهجرة غ ...


المزيد.....

- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - سعد عزت السعدي - التسوية المالية مع الفاسدين: بين استرداد المال العام وتحقيق العدالة الجنائية