|
|
تدحرج كرة مزاعم التناص بين التوراة والقرآن
أياد الزهيري
الحوار المتمدن-العدد: 8778 - 2026 / 7 / 26 - 00:42
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
(تدحرج كرة مزاعم التناص بين التوراة والقرآن ) بينّا في مقالة سابقة تحت عنوان (المتلاعبون بالتاريخ في مواجهة معطيات العلم) وكيف زعم الزاعمون بأن هناك تناص مكثف بين الأديان السماوية والحضارات القديمة السابقة لهذه الأديان في سلم الزمن ، وقد بينا درجة تهافت فكرة التناص فيما يتعلق بالنصوص الأصلية لهذه الأديان ، ولكني لا أستبعد بنفس الوقت التفسيرات لهذه النصوص بأنها أستوحت بقدر ما من ثقافة ورؤى ،ومعارف ترشحت من هذه الحضارات ،كنوع من التثاقف والتلاقح الحضاري أستمده بعض المفسرين المسلمين ،وجعلوا منها كوسائل توضحية لتفسير نصوص القرآن الكريم، وهو ما يشبه الأستعانة بالعلم الحديث في تأويل وتفسير بعض الآيات القرآنية ، وهي أستعانة قد تكون موفقة وقد تكون غير موفقة ببلوغ مقاصد المشرع لهذه النصوص ، ولكن لايمكن لأيٍ كان أن ينسب هذه التفسيرات والنظريات العلمية التي أستعان بها بعض المفسرين بالوقت الحاضر إلى النص الأصلي للنصوص المقدسة ،وأعتبارها جزءً لا يتجزء منها والأمر سيان مع الروايات الإسرائيلية التي أستعان بها بعض مفسري القرآن في ذلك الوقت في تفسير النص المقدس ، ولتوضيح الأمر للقاريء الكريم فيما يخص مصطلح الإسرائيليات ،والتي يمكن تعريفها بشكل مختصر : بأنها الروايات والقصص والأخبار المنقولة إلى التراث الإسلامي عن مصادر يهوديه ومسيحية ، تسربت إلى كتب التفسير والتاريخ الإسلامي ، ومن أشهر رواة الإسرائيليات هم (كعب الأحبار، وعبد الله بن سلام، ووهب بن منبه) وقد أستعان بعض المفسرين وكتبة التاريخ من المسلمين بما نقلوه من روايات عن طريق هؤلاء ،ومن بعض هؤلاء ابن عباس وأبو هريرة وابن كثير وغيرهم ، ومن كثرة الدخيل من هذه الإسرائيليات إلى المعارف الإسلامية أصبحت تشكل مشكلة كبيرة وعويصة أخذت جهداً أستثنائياً من الباحثين المسلمين من أجل فرزها والتنبه منها ،وغربلة النصوص الإسلامية منها بسبب خطورتها ،وبسبب ما تؤديه من تشوهات على النص والفكر الإسلامي ، ومن المهم أن يعلم القاريء إن سبب هذا التسرب هو إن الفكر التلمودي اليهودي كان هو الفكر المكتوب والشائع في الفضاء الثقافي لذلك العصر ، حيث هو الفكر المسيطر على الشارع الثقافي ، مما ساهم في عملية التثاقف بين المفسرين المسلمين وما هو سائد من ثقافة يهودية على أيدي حاخامات وشخصيات يهودية دخلت الإسلام ،وأدخلت معها ثقافتها السابقة التي تنتمي لديانتها السابقة ،والتي عجنتها مع معتقدها الجديد ،بغض النظر عن مدى جدية هذه الشخصيات المتحولة إلى الديانة الجديدة ودرجة وفاءها لها، ولكن على كل حال حصل نوع من التماس والتداخل والأحتكاك الثقافي ،فتسرب منها الكثير إلى التفسيرات الإسلامية كمادة توضيحية للنصوص المقدسة ،وخاصة في البعد التاريخي ،وتصورات التكوين والخلق التي هي مشبعة بالأساطير ذات المصادر المجهولة والموغلة بالقدم ،وهي المصادر المُدونة الوحيدة في ذلك الزمن . هذا الأنتحال الفكري لم يلتفت إلى تأثيرة الدراماتيكي الذين عملوا به ونقلوا منه ، ناهيك عن الوضع المُتعمد لبعضه من قِبل شخصيات خططت بعمد لحدوث ذلك ولغايات مشبوهة ،ظهرت نتائجها المدمرة بعد ذلك ، وهنا لا أُريد الأستطالة في موضوع الإسرائيليات فهو موضوع شائك وطويل ،ومن يُريد التوسع ومعرفة المزيد عنه ،فهناك الكثير من المؤلفات في هذا الجانب يمكن الرجوع أليها ، وقد أشبعها الباحثون والمفكرون المسلمون بحثاً وتأليفاً ، وقد قامت محاولات علمية رصينة بالتصدي لهذا الخرق الخطير ، في محاولة لعزلها عن التراث الإسلامي ، بسبب ماتجلبه من أثر خطير وشبهه وأساءة لنصوصنا المقدسة . المهم لما تقدم من تقدمة مختصرة هو إن الإسرائيليات لم يحدث منها أي محاولة تناص إلى نصوص القرآن الكريم ، وإن ما تسرب منها هو في مجال الحديث النبوي، والتاريخ ، والأدب الشعبي ، وقد أنتبه له المسلمون وقاموا بعملية تنقية هذه الأحاديث منها ،وإن لا يمكننا الجزم بأنها كانت تنقية تامة ،فما زال بعضها معشعش بين نصوص الأحاديث ،وبين سطور التاريخ . في هذه المقالة سأتطرق لموضوع التناص المزعوم بين القرآن والعهد القديم ،الذي حاول البعض تثبيته عبر طروحات فكرية يقودها الدكتور خزعل الماجدي والباحث السوري فراس السواح ، زاعمين بأن السماء لم تنزل رسالة على الإطلاق ،ولم ينزل منها إلا المطر ، وما هذه النصوص المقدسة إلا نتاج عملية تناص قام بها محمد من نصوص دينية سبقته بالزمن ، وهو رأي لايثبت أمام ما سوف نطرحه ، وبشكل مختصر فيما يخص الأختلاف بين القرآن الكريم وما جاء بالتوراة ،مما يوضح درجة التهافت التي جاءت به أفكار من زعموا ذلك ، ولكن قبل البدء في تبيان هذه الأختلافات يكون من المفيد أن أُشير إلى إن القرآن وتوراة موسى يصدران من نبعٍ واحد ، وهو المصدر الإلهي ، لذلك لا يمكن أن تتقاطع توراة موسى (الحقيقية) مع ما جاء بالقرآن الكريم إلا بتشريعات هو الله أراد لها أن تكون مختلفة، قدرتها الأرادة الألهية. من المهم أن نقدم فكرة موجزة عن حقيقة التوراة الحالية ،وهو كتاب يكتنف مصدره الغموض ، وأختلط فيه ماهو إلهي ،وماهو غير إلهي ، فنصوص التوراة الحاليه عبارة عن سيرة أنبياء بني إسرائيل ، ولا يُعرف من جمع هذه الأسفار والأصحاحات ، وأن هذه النصوص يكتنفها الكثير من الأساطير المجهولة المصدر ،ولا يُستبعد أن يكون فيها من التناص الكثير من مصادر أخرى ، ترجع إلى الأدب الشفوي الموغل بالقدم ،وهناك أنطباع واضح من خلال طبيعة النصوص الموجوده إنها نتاج شخصيات ينتمون للكهنوت اليهودي ساهم في كتابتها ،لان التوراة الحقيقة قد وضعت في تابوت العهد في بناية الهيكل في أورشليم ولكن تم تدمير الهيكل بما فيه من نسخة أصلية في زمن الملك البابلي نبوخذ نصر ،التي دونها موسى بيده(تاريخ اليهود/ الدكتور أسماعيل حامد: ص334 وكان ذلك الحرق والتدمير في عام 586 ق.م ، وبعد ذلك حصل السبي البابلي لذي أخذ به نبوخذ نصر اغلب اليهود إلى بابل ،ومنهم حاخاماتهم ، وبقوا هناك إلى ان سمح لهم الملك الفارسي كورش بالرجوع إلى فلسطين وذلك عام 458 ق.م ،حيث أعاد عزرا تدوين التوراة ،وتقول التوراة (لأن عزرا هيأ قلبه لطلب شريعة الرب والعمل بها(عزرا-7)، كما تقول (عزرا الكاهن كاتب شريعة إله السماء الكامل (عزرا-7)(تاريخ اليهود:ص381 ) وهذا مايعتقد به الكثيرون ،إن عزرا هو الذي لعب الدور الأبرز في تدوين التوراة الحالية ،ومن بين هؤلاء الفيلسوف اليهودي باروخ إسبينوزا (1632-1677م) ، وهنا نُشير إلى مايقوله (ول ديورانت) ( إن عزرا الكاتب دعا اليهود حوالي سنة 444ق.م إلى اجتماع هام ،ثم أخذ يقرأ عليهم شريعة موسى..)(ول ديورانت:ص366 ) ،وإذا نظرنا فقط إلى فترة دمار الهيكل وحرق التوراة الأصلية ،وأعادة تدوين التوراة على يد عزرا والتي تتراوح مابين 580-458 ق.م لنجدأنها 122 سنة ،هذا على أفتراض إن عزرا قد بدأ بالتدوين حين وصوله لأورشليم بعد عودته من بابل في العراق ، وهذه فترة غير قصيرة ،وكيف لإنسان يستطيع تذكر نصوص بالدقة طوال هذه السنيين من دون ان يعتري هذه النصوص زيادة ونقصان ،ولاشك ما للتلاقح الثقافي من أثر في طبيعة الصياغة اللغوية حيث كُتبت باللغة الآرامية ،ولايمكن أستبعاد ان يكون هناك تناص مع ما موجود من تراث ثقافي بابلي المعروف بملامحه الأسطورية ، ولهذا يفضل الكثير نسبة التوراة الحالية إلى عزرا الكاهن ، ويُطلق عليها توراة عزرا ، وهو من دوّن الأسفار الخمسة مضاف أليها سفر يسوع ، ومن نافلة القول هناك رأي يقول إن التوراة التي دونها موسى قد فقدت لما أستولى الفلسطينيون على تابوت العهد سنة 1076ق.م. هذا موجز مختصر عن التوراة وماتعرضت له من ضياع وحرق ،وإعادتها بعد سنين طويلة على يد كاهن أجتهد في كتابتها ، وأنا لا أُريد ان أدخل في المجال اللغوي الذي هو ليس بأختصاصي ،والذي يبين ويحلل أسلوب صياغة التوراة ،والذي توضح بشكل جلي لا علاقتها البته بما هو منزل من الله ،فهو مكتوب بطريقة شخص ثالث يكتب عن الله وعن موسى وعن ماجرى من أحداث على بني إسرائيل ، وهذا واضح من النص التالي( فمات هناك موسى عبد الرب في أرض مؤاب ، حسب قول الرب ، ودُفن في الجوار في أرض مؤاب مقابل بيت فغور ، ولم يعرف إنسان قبره إلى هذا اليوم …)(تقنية-34) ، وهنا نكتفي بهذه المقدمة الضرورية ،كمقدمة مهمة لتبيان الأختلافات بين القرآن والتوراة ،للكشف عن نفي مزاعم التناص بين القرآن والتوراة. من المفارقات بين القران والتوراة، إن القرآن يصرح بأن أبو إبراهيم هو آزر (إذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتخذ أصناماً ألهة)(الأنعام:74)، في حين تدعي التوراة إن أبو إبراهيم هو تارح (وهذه مواليد تارح، ولد تارح أبرام وناحور وهاران….(التكوين:22)، كما إن الرؤية الإسلامية تقول إن الذبيح هو إسماعيل لأن إبراهيم تلقى الأمر من الرب بذبح أبنه الأكبر ، وكان الأبن الأكبر هو أسماعيل وليس أسحاق ، في حين تكون الرؤية التوراتية تقول إن الذبيح هو أسحاق (وحدث بعد هذه الأمر أن الله أمتحن إبراهيم ، فقال له إبراهيم … خذ أبنك وحيدك الذي تحبه إسحاق.. وأصعده هناك محرقة على أحد الجبال الذي أقول لك…)(تكوين-22). يقول الدكتور عبّد الوهاب المسيري في موسوعته ج1 ص401 ( وليس لإسحاق أهمية كبيرة في التراث الديني اليهودي… ويرى بعض دارسي العهد القديم أن أهميته كانت أكبر بروزاً في نسخ العهد القديم التي فقدت…)، وهنا يتأكد فقدان النسخة الأصلية للتوراة، وقد كُتبت نسخ أخرى جديدة مغايرة . في التوراة وردت كلمة فرعون في قصة يوسف ( فقال فرعون لعبيده هل نجد مثل هذا رجلاً فيه روح الله، ثم قال فرعون ليوسف…)(تاريخ اليهود:ص57 )، أما في القرآن يذكر في قصة يوسف الملك ( وقال الملك ائتوني به أستخلصه لنفسي…)(يوسف54-56). القرإن يقول إن من ربت موسى هي أمرأة فرعون وقد ورد أسمها بالأحاديث النبوية وأسمها ( آسية بنت مزاحم)( وأوحينا إلى أمّ موسى أن أرضعيه…وقالت أمرأت فرعون قُرت عين لي …)(القصص 7:9)، وحتى الأنجيل يقول ان بنت فرعون هي من ربته ( ولما نبذ موسى اتخذته ابنة فرعون وربته لنفسها…)(سفر أعمال الرسل-7)، ونلاحظ الأختلاف واضح وجلي بين القرآن الذي يقول ان قتل موسى للمصري كان غير متعمد ولم يقصد قتله( …فوكزه موسى فقضى عليه ، قال هذا من عمل الشيطان ، إنه عدو مضل مبين، قال ربي إني ظلمت نفسي فأغفر لي…)( القصص24-17) في حين تبين التوراة ان عملية القتل كانت متعمده (…فألتفت (موسى) هنا وهناك ورأى إنه ليس أحد فقتل المصري وطمره في الرمل…)(خروج-2). كما نرى من أختلافات القرآن مع التوراة، حيث يُسمي القرآن الجبل الذي صعد اليه موسى لمناجاة الله بجبل الطور ، وطور سنين ،في حين تسميه التوراة بجبل الله ، وجبل حوريب ، وجبل موسى . وهناك خلاف واضح وحاد بين القرآن والتوراة في مسألة صنع العجل ، حيث تزعم التوراة إن هارون هو من صنع العجل من الذهب ،فتقول (…لأن هذا موسى الرجل الذي أصعدنا من أرض مصر لا نعلم ماذا أصابه ، فقال لهم هارون أنزعوا أقراط الذهب التي في آذان نسائكم وبنيكم وبناتكم وأتوني بها …فأخذ ذلك من أيديهم وصوره بالأزميل وصنعه عجلاً مسبوكاً . فقال هذه ألهتك يا إسرائيل التي أصعدتك من أرض مصر ،فلما نظر هارون بنى مذبحاً أمامه ونادى هارون وقال غداً عيد الرب)(خروج-22)(تاريخ اليهود:ص145) في حين أن القرآن لا يقول بذلك عن هارون وأن العجل قد عمله السامري ( قالوا ما أخطانا موعدك بملكنا ولكن حُملنا أوزاراً من زينة القوم فقذفناها فكذلك ألقى السامري ، فأخرج لهم عجلاً جسداً له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى …)(طه-88). وعندما نسترسل في تبيان الأختلافات نجد إن التوراة تزعم إن زوجة موسى (صفورة) ، وهي بنت كاهن مدين ،الذي أسمه يثرون ، في حين تذكر الروايات الإسلامية إنه النبي شُعيب. ويذكر الدكتور عبد الوهاب المسيري في موسوعته ج1 ص414 إن داوود لم يكن نبي عند الإسرائيلين ،أما حسب العقيدة الإسلامية فهو نبي وملك، ولا يقف الأختلاف على هذا المستوى ،بل ينسحب الى التقيم الأخلاقي والتصرف السلوكي للأنبياء فترى التوراة إن هناك أنبياء يحتسون الخمرة ،في حين القرآن لا يقر ذلك ، ويذكر السفر التوراتي (أخبار الأيام (1-15) ( … ولما أنتهى داود من أصعاد المحرقات وذبائح السلامة بارك الشعب بأسم الرب ،وقسم على كل آل إسرائيل. من الرجال والنساء على كل إنسان رغيف خبز وكأس خمر وقرص زبيب…)((أخبار الأيام-1-16)، في حين يصف القرآن كل الأنبياء بأنهم ناس صالحون ،على مستوى أخلاقي عالي، ولم يقتربوا من المحرمات ومنها الخمرة ، بل نرى التوراة تصور النبي لوط بصورة غير أخلاقية مع بناته حيث يحتسي الخمرة ويتضاجع معهن ويلدن منه (… أبونا قد شاخ ، وليس في الأرض رجل ليدخل علينا كعادة كل الأرض ، هلُمَّ نسقي أبانا خمراً ونضطجع معه فنحي من أبينا نسلاً)(التكوين19 : 30-35) ، وهذه أهانه مابعدها أهانه لأحد أنبياء الله الصالحين ،في حين القرآن كما ذكرنا يذكر الأنبياء بكل أجلال وتكريم ،ويجعل منهم قدوة لباقي البشر (ولكم في رسول الله أسوة حسنة)(الأحزاب؛21). كما هناك أختلافاً واضحاً بين القرآن الذي يقول بنبوة داود وأبنه سليمان ، في حين لا تقر التوراة ذلك، بل تدعوهم بالملوك ، لذلك نسبوا اليهم أمور وسلوكيات لا تُليق بالأنبياء ، وتستمر الخلافات بين الكتابين حتى نصل إلى قصة مجيء عرش بلقيس إلى سُليمان ، حيث تُشير التوراة بأنها جاءت بنفسها مع حشمها وخدمها، في حين يخبرنا القرآن إن مجيء بلقيس بطريقة أخرى لاتمت بصلة لما جاءت به التوراة ، حيث يذكر القرآن الكريم ،جاء به من له علم من الكتاب، والذي تقول بعض التفاسير وأسمه آصف بن برخيا ( قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ )(النمل). ويمكن تلمس ذلك من خلال الأطلاع على رواية (سفر الملوك-10)(تاريخ اليهود، أسماعيل حامد:ص268). وكما قلنا أعلاه أن التوراة تعامل النبي سليمان على إنه ملك ،وتفتري عليه بأن قلبه مال عن الرب وجاء في سفر الملوك الأول -11) عن سليمان ( وكان في زمان شيخوخة سليمان أذ نساءه أمالن قلبه وراء ألهة أخرى ، ولم يكن قلبه كاملاً مع الرب كقلب أبيه داود…)(تاريخ اليهود:ص273 )في حين القرآن الكريم كما قلنا يعتبر سليمان نبياً ،والنبي لايمكن إلا أن يكون قلبه كله لله ومعصوم من التدنيس والمعصية. أضافة لما ذكرنا من الأختلافات ،نرى هناك قصصاً جاء بها القرآن ،وليس لها أثر ولا ذكر في التوراة ،ومثال ذلك قصة أبن نوح وكفره ومعصيته لأمر والده النبي نوح ، وغرقه بالطوفان ، كذلك حادثة أشعال النار بأبراهيم عليه السلام ،وحفظ الله له ، وقصة إيمان أمرأة فرعون ، وكذلك قصة المسيح وهو يكلم الناس بالمهد ، كما ينجر الأختلاف إلى حادثة ذبيح إبراهيم الذي تقول عنه التوراة إنه إسحاق ، في حين في الإسلام يكون الذبيح إسماعيل بأعتباره هو الأبن الأكبر لإبراهيم . كما إن القرآن يختلف مع العهد الجديد في مسألة صلب النبي عيسى ،وإن الذي صُلب هو من شُبه لهم ، وإن الله أصعده السماء . وإذا أنتلقنا إلى مسألة الخلق نرى هناك تفاوت كبير بين القرآن والتوراة ، ونُشير هنا للباحث الفرنسي موريس بوكاي في مقارنته بين قصة الخلق في القرآن والتوراة والأنجيل الذي وضح الفارق بينهما ،والتي يمكن الرجوع أليها بالتفصيل ، وأشير هنا إلى قضية مهمة إلا وهي خلق حواء من ضلع آدم الذي لايقرها القرآن ،والذي أكد على إن الرجل والمرأة خُلقا من نفس واحدة "يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا"، ولم يتوقف أمر الأختلاف على ماذكرنا ،فالقرآن ينطق بوضوح بأن الله رب العالمين أجمع (الحمدُ لله رب العالمين)(سورة الفاتحة) ، في حين رب بني إسرائيل كما تذكر التوراة هو رب الشعب المختار ، وهذا خلاف كبير ، حيث يضعون منزلة متميزة لبني إسرائيل ،وينظرون لباقي البشر كعبيد لهم، في حين يقول القرآن (ولقد كرمنا بني آدم)(الإسراء :70)، والحديث النبوي يقول (الناس سواسية كاسنان المشط). نلمس من القرآن الرحمة والمودة لكل البشر ، حيث يصف الله بالرحمن الرحيم ، ويدعو نبيه الكريم محمد ص إلى التعامل بالرفق والمودة، سورة آل عمران: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾، في حين نرى التوراة تدعو لأسلوب العنف والقسوة أتجاه غير اليهود ، فمما جاء بالتوراة بأمر إله التوراة بقتل كل المواليد الأبكار في مصر (سفر الخروج:12 العدد 9)، ويأمر اليهود بعد خروجهم من الأسر في مصر بقتل الكنعانيين جميعاً(سفر التثنية 20 الأعداد 16-18) ، ويأمر بقتل أمة المماليك كلها الرجال والنساء والأطفال والماشية والخرفان والماعز والجمال والحمير ، في حين نرى القرآن يدعو إلى حفظ الحياة وعدم قتل النفس المحترمة (﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ ،وهذا فرق جوهري بين من يدعو إلى أحياء الناس وصون النفس المحترمة ،ومن يدعو إلى قتل الإنسان والحيوان . من الأختلافات الواردة بين القرآن والتوراة ،نرى القرآن يقول ( ولقد أتينا موسى تسع آيات بينات) ويقصد بها معجزات ، في حين تُشير التوراة إن الله سلط على مصر عشر ضربات موجعة تأديبية ليزرع بها فرعون ، وهي ضربات رادعة لفرعون كي يسمح للعبرانيين بالخروج من أرض مصر ، وتستمر الاختلافات بين الكتابين تباعاً ، بينما نرى أن القرآن أورد قصة موسى مع الخضر ، في حين لا وجود لقصة الخضر ،ولا ذكر لشخصيّته في التوراة ، كما ذكر القرآن ولادة مريم للمسيح، حيث جاءها المخاض تحت جذع نخلة ، في حين يذكر الأنجيل ولدت في أسطبل للحيوانات في قرية من قرى بيت لحم، وهنا اذكر الأنجيل باعتباره العهد الجديد ، والقرآن يذكر إن المسيح تكلم بالمهد ،وهو طفل أمام اليهود ليبرأ أمه ،أما في الأنجيل لا وجود لمثل هذه الحادثة المعجزة. ولو جئنا إلى النبي إبراهيم ،حيث يذكر القرآن ان النمرود هو من ألقاه إلى النار ، في حين لا يوجد ذكر لذلك في التوراة عن النمرود ،ولا ذكر لحادثة الحرق. كما أشار القرآن الكريم إلى إن إبراهيم وإسماعيل هم من بنو الكعبة ورفعوا قوائمها في أرض مكة ،سورة البقرة: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ)(سورة البقرة)، في حين لم تشر التوراة إلى ذهاب إبراهيم إلى مكة أطلاقاً. كما هناك أختلافاً في أمور العقيدة ،حيث يصف الله المسيح بأنه عبد الله ورسوله ( إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ)(ال عمران:59)، ولكن المسيح يعتبرونه أبن الله ، وإذا ذهبنا إلى أمر الله لأبليس بالسجود لآدم (وأذ قلنا للملائكة أسجدوا لآدم ،فسجدوا إلا أبليس أبى وأستكبر وكان من الكافرين)(البقرة)، في لم يكن هناك أي ذكر لهذه الحادثة في التوراة ، ولو أنتقلنا إلى قصة النبي يوسف ،يذكر القرآن إن أخوته أدعوا أكله الذئب (…فأكله الذئب ،وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين)(يوسف:17)، في حين تذكر التوراة أكله الوحش . من المفارقات الحادة بين القرآن والتوراة نرى إن التوراة تدعي كما في سفر التكوين -12) ما لا يمكن أدعاءه على نبي مرسل ،فتقول عنه ( …وحدث لما قرب ان يدخل أبرام مصر أنه قال لساراي زوجته إني قد علمت أنك أمرأة حسنة المنظر ،فيكون أذا رأك المصريين أنهم يقولون هذه أمرأته فيقتلوني ويستبقونك . قولي إنك أختي ،ليكون لي خير بسببك ،وتحيا نفسي من أجلك…)(تاريخ اليهود:ص29)، وفي نص آخر تدعي التوراة إن فرعون أخذ ساراي إلى بيته لجمالها وأعطى لأبراهيم الكثير من الغنم والبقر والحمير والجمال ، ويمكن الأطلاع على ذلك في سفر التكوين-12)(تاريخ اليهود:ص29)، وماذكرته التوراة تمثل أساءة بالغة للنبي أبراهيم وهدر لكرامته وطعن بزوجته ، في حين القرآن لم يذكر ذلك ،بل يذكر العكس عن النبي إبراهيم ، قال تعالى: ﴿ قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)(النحل:120)، ويصفه الله في مقام أخر بالأمام ،لرفعته وعلو منزلته (وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ أني جاعلك لِلنَّاسِ إِمَامًا..)، (البقرة:134)، وهكذا يكرم القرآن أنبياء الله ،في حين تذكرهم التوراة بصفات لا يتصف بها إلا أحقر وأسقط البشر ، والأمر لا يتوقف بالوصف المُشين على إبراهيم ولوط وبل حتى أسحاق ويعقوب ، فتقول التوراة في سفر التكوين : 27:25 وهو يصف ما وقع بين أسحاق ويعقوب ،وكيف يطلب إسحاق الخمرة من أبنه يعقوب (قَدم لي الأكل من صيد ابني حتى تُباركك نفسي فقدم له فأكل وأحضر له خمراً فَشرب) ، ولم يقف الأختلاف بالموقف من الأنبياء عند ذلك ، فنرى التوراة تجسد الذات الألهية ( وظهر الرب لأبرام وقال لنسلك أعطي هذه الأرض)(تاريخ اليهود:ص25 ، في حين القرآن يقول عن الذات الألهية (ليس كمثله شيء)(الشورى:11)، فهم هنا يجسدوا الذات الألهية ويجعلوا لله يد (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا..}، وهذا منافي ومخالف لما جاء به القرآن الكريم, والأدهى من ذلك أن هناك خلاف جوهري، وهو إن اليهود يقولوا أنهم أبناء الله (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ)(المائدة)، (وفي آية أخرى (وقالت اليهود عزيز ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله … قاتلهم الله أنى يؤفكون ، أتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله ) (التوبة 40-31) ، وفي آية أخرى يقول القران (في حين يذكر القرآن في سورة التوحيد (لم يلد ولم يولد) وهذا فرق شاسع بين العقيدتين اليهودية والإسلامية . طبعاً لم نتطرق إلى أختلافات بأمور الشريعة والعقيدة والتاريخ ،فهي كثيرة جداً ، وهناك مؤلفات كثيرة وكبيرة تتحدث عن ذلك ،وليس مقامها مقالة بحثية لا يمكنها أن تتجاوز حدودها ،وما تمليه عليها حدود المقالة . وأخيراً يتضح للقاريء الكريم ليس هناك ما يدل على وجود تناص ،بشكليه الحرفي ،وهو نقل للنص بحذافيره، ولا تناص بالفكرة ،فالقرآن والعهدين القديم والجديد لامشابه بينهم إلا أللهم في أمور مرجعها الأصل الواحد كأديان جاءت من مصدر ألهي واحد ، أما غير ذلك ،لم نجد مايؤكد مزاعم البعض بأن هناك تناص بين القرآن والتوراة لا من بعيد ولا من قريب ، وأن التناص المزعوم يبدو فقط في مخيلة من يدعيه ،زاعماً أفتراضات غير موفقة ،دفعته لها أفكار مسبقة تبنوها في مخيالهم لعلها تخدم آيديولوجيات تعادي الأديان في محاولة بائسة للنيل منها ،والحط من مكانتها التي كانت ولا زالت عصية على كل من حاول تسفيهها ،وأنزالها من علياءها التي تحدت من خلالها الزمن ، وأثبت التاريخ تهافت الكثير الكثير من الأفكار والفلسفات والآيدلوجيات ،وبقى القرآن وكأنه جاء من الأمس القريب ، وماتت الملاحم الأسطورية والمعلقات الشعرية ، وأصبحت نسياً منسيا وبقي القرآن حياً طرياً ،يمارس تأثيره وبقوة على شعوب الأرض جميعاً ،من أعتقد به ،ومن لم يعتقد.
#أياد_الزهيري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
المتلاعبون بالتاريخ في مواجهة معطيات العلم
-
هل يعتبر الخليجيون من سياسة تايون أتجاه الصين
-
محللون سياسيون ، شياكة بالمظهر ، وسوء بالمخبر
-
متى يعي العرب مخاطر تهدد وجودهم
-
لماذا يهدد ترامب بضربة ماحقة لإيران غداً
-
عندما يفتقد البعض دروس التاريخ
-
عندما يتكلم التاريخ
-
الأمارات العربية المتحدة والدور الوظيفي
-
موسم هبوب أعاصير الفتن
-
الأحتلال البريطاني والأمريكي وحدة هدف وتماثل أسلوب
-
الطائفية في الحكومات العراقية المتعاقبة-4-
-
الطائفية في الحكومات العراقية المتعاقبة 3
-
الطائفية في الحكومات العراقية المتعاقبة -2-
-
الطائفية في الحكومات العراقية المتعاقبة (1)
-
حروب القلم
-
(احداث كشفت المستور)
-
الأستعمار وثقافة الإستهلاك
-
(الفصائل الغير منضوية تحت قيادة الحشد الشعبي وضرورة الأنضواء
...
-
طموحات أوردغانية على طريقة السلطنة العثمانية
-
(جولات صراع جديدة تنتظر الشرق الأوسط )
المزيد.....
-
حرائق الغابات خارج السيطرة في فرنسا ورئيس الحكومة: ساعات صعب
...
-
خيارات واشنطن وطهران.. الحرب أو التفاوض
-
شمس حمراء وسماء برتقالية مدريد تواجه أسوأ حريق غابات في تاري
...
-
فض -مسيرة الفخر- للمثليين في برلين إثر حادث دهس بسيارة وحدوث
...
-
سوريا.. الأمن الداخلي في اللاذقية يعلن تنفيذ عملية ضد خلية إ
...
-
فيتسو: العضوية في تحالف الراغبين تتعارض مع سياسة سلوفاكيا
-
مدعي عام الجنائية الدولية السابق يطعن في قرار عزله ويتهم الج
...
-
الخارجية الإيرانية تستدعي القائم بالأعمال الأوكراني في طهران
...
-
صدمة جديدة للمصريين.. جواز السفر يتراجع في التصنيف العالمي
-
الحرس الثوري الإيراني: بريطانيا ستصبح هدفا مشروعا إذا دعمت ا
...
المزيد.....
-
السيرة النبويّة والتشريع في الإسلام
/ نور الدين البوثوري
-
قراءات فى كتاب (عناصر علم العلامات) رولان بارت (1964).
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
معجم الأحاديث والآثار في الكتب والنقدية – ثلاثة أجزاء - .( د
...
/ صباح علي السليمان
-
ترجمة كتاب Interpretation and social criticism/ Michael W
...
/ صباح علي السليمان
-
السياق الافرادي في القران الكريم ( دار نور للنشر 2020)
/ صباح علي السليمان
-
أريج القداح من أدب أبي وضاح ،تقديم وتنقيح ديوان أبي وضاح /
...
/ صباح علي السليمان
-
الادباء واللغويون النقاد ( مطبوع في دار النور للنشر 2017)
/ صباح علي السليمان
-
الإعراب التفصيلي في سورتي الإسراء والكهف (مطبوع في دار الغ
...
/ صباح علي السليمان
-
جهود الامام ابن رجب الحنبلي اللغوية في شرح صحيح البخاري ( مط
...
/ صباح علي السليمان
-
اللهجات العربية في كتب غريب الحديث حتى نهاية القرن الرابع ال
...
/ صباح علي السليمان
المزيد.....
|