دينا سليم حنحن
الحوار المتمدن-العدد: 8774 - 2026 / 7 / 22 - 10:08
المحور:
الادب والفن
متحف برادو - لوحة زحل يلتهم ابنه
لم تكن زيارتي إلى متحف برادو في مدريد مجرد جولة بين اللوحات، بل كانت رحلة داخل الذاكرة الإنسانية، حيث تتجاوز عظمة الفن مع أكثر زوايا النفس ظلمةً.
أخذت خطواتي في القاعات المهيبة، كل لوحة تفتح نافذة على زمن مختلف، توقفت أمام لوحة لم أستطع أن أمرّ بها مرور العابرين.
لوحة "زحل يلتهم ابنه" للفنان الإسباني فرانسيسكو غويا.
وقفت أمامها طويلاً، لم أرَ فيها إلهاً من أساطير اليونان فحسب، بل رأيت الخوف حين يتحول إلى وحش، والسلطة عندما تأكل أبناءها خشية أن يفقد أصحابها عروشهم، العينان الجاحظتان لا تنظران إلى الجسد الذي يمزقه زحل، بل تحدقان في كل من يقف أمام اللوحة، تسألان: إلى أي مدى يمكن للخوف أن يسلب الإنسان انسانيته؟
تقول الأسطورة، إن زحل كان يبتلع أبناءه لأن نبوءة أخبرته أن أحد أبنائه سوف يطيح بحكمه، لم يحاول أن يهزم النبوءة بالحكمة، بل واجهها بالافتراس، هكذا، تحوّل الأب إلى جلاد، والابن إلى ضحية، وأصبحت السلطة أقوى من غريزة الأبوة.
لم أشعر بالرعب من الدماء المرسومة، بل من الفكرة التي تختبئ خلفها، كم من الحروب التهمت أبناءها؟ وكم من الأنظمة السياسية، والأفكار المتطرفة، وحتى بعض المجتمعات، التهمت أبناءها خوفاً من التغيير؟ الفنان غويا لم يرسم أسطورة قديمة، بل رسم مأساة تتكرر في كل عصر!
خرجت من أمام اللوحة أكثر اقتناعاً، أن الفن الحقيقي لا يمنحنا الجمال فقط، بل يضعنا وجهًا لوجه أمام أكثر الأسئلة إيلامًا، في ذلك اليوم، غادرت متحف برادو، حملت في ذاكرتي عشرات الأعمال الفنية، لكن صورة زحل بقيت تطاردني، لا لأنها كانت الأكثر دموية، بل لأنها كانت الأكثر صدقًا في كشف الوجه المظلم للخوف، والسلطة، والإنسان، مخيف الإنسان!.
#دينا_سليم_حنحن (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟