أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دينا سليم حنحن - الخوف رداء














المزيد.....

الخوف رداء


دينا سليم حنحن

الحوار المتمدن-العدد: 8723 - 2026 / 6 / 1 - 10:06
المحور: الادب والفن
    


الخوف رداءً / قصة قصيرة
بقلم: دينا سليم حنحن

نُقلت ميرا إلى غرفة الجراحة، نظرت إلى السقف الأبيض، ابتسمت ابتسامة مهانة خفيفة، غلبها الضعف وضاعت شجاعتها، بقي الخوف! فقدت القدرة على التأقلم، أحست وكأنها تُساق إلى قدرٍ مجهول، لا إلى علاجٍ يُنقذها.
الأضواء ساطعة بشكلٍ قاسٍ، بيضاء، لدرجة أنها أحرقت عينيها، والهواء بارد يحمل رائحة معقمة خانقة، المكان بلا روح!
اقتربت منها امرأة ملامحها حادة، عيناها قاسيتان بلا أي أثر للطمأنينة، ناقلة الأجساد، تدعى رُوانا، سوف تنقلها من سرير إلى آخر، لم تقل أي كلمة لطيفة، ولم تحاول تهدئتها، سارت بالسرير إلى مركز الغرفة، دفعته بقوة، كانت حركتها عنيفة، وكأنها تنقل جسدًا لا إنسانًا، في تلك اللحظة، شعرت ميرا وكأنها تُقاد إلى المقصلة، لا إلى طاولة نجاة.
ظهر شاب ضئيل البنية، نحيف وقصير، حركاته مترددة ونظراته مشتتة، حاول المساعدة، ارتبك عندما تلاقت نظراته مع رُوانا، حركة سريعة تحمل معان كثيرة، زاد وجوده من قلق ميرا التي انتظرت مستلقية بهدوء دون حيلة.
ثم جاءت اللحظة التي لن تنساها، نقلوها من سريرها إلى خشبة العمليات، ضيقة، صلبة، صلدة، عندما استقرت عليها، أصبحت محاصرة، لا مجال للحركة، لا مهرب.
انحنت رُوانا فوقها، وبصوت خشن جاف قالت:
- هذه الخشبة ضيقة، لا تتحركي!
- هل نوثقها؟ سأل الشاب مشتت الذهن؟
- لا داعي، هي جاهزة الآن، لنذهب! أجابت رُوانا.
لم يكن في صوت رُوانا أي دفء، فقط أوامر باردة، نظراتها رجولية وملامحها مخيفة، حضورها طاغٍ، جعل ميرا تشعر برعب بدائي، غريزي، لا يمكن تفسيره.
- هل سأكون بخير؟ سألت ميرا الطبيبة بصوت مرتجف.
- ستكونين أكيد، ستنامين، هذا كل ما في الأمر، سنأتي بعد انتهاء العملية لنطمئن عليك.
تتدخل رُوانا في المحادثة، تعلن عن أهمية وجودها حتى في حضور الطاقم كامل، بصوت أجش وعنيف قالت:
- المريضة جاهزة، لنذهب الآن؟
تعلم رُوانا جيدا كيف تتقمص دور الرجولة، بما أنها سحاقية، وشمت جسدها بأوشام مخيفة وحتى عنقها، حلقت شعرها بصورة دائرية حول محيط رأسها، كشفت امتيازات الذكور، تاركة أوشام صعب فهمها.
- أنا خائفة، أكره أن أكون بين يدي سحاقية في لحظاتي الحرجة هذه، كيف لها أن تكون آخر من يراها المريض قبل دخولة مرحلة التخدير، لكن يحق لها العمل طالما هي مؤهلة له، هي نصف رجل، قوية البنية، صوتها أجش، ذا عضلات قوية، تملك قدرة على نقل المرضى، وقدرة على كبت أنفاسهم وأحاسيسهم أيضا، لماذا أشعر بالخوف! قالت ميرا في سرها.
تسارعت أنفاسها، ثم بدأت تتقطع، خفق قلبها بعنف، لم يحتمله صدرها، حاولت التمسك بأي فكرة تُطمئنها، لكن كل شيء حولها كان يصرخ بالخطر.
تعمل الناقلة رُوانا في قسم الجراحة ونقل المرضى، خطواتها سريعة ونبرتها حادة، لا تضيع وقتها في المجاملات، تتعامل مع يومها كأنه سلسلة مهام يجب إنجازها بدقة وسرعة، عندما تدخل الغرفة، تُعلن عن حضورها بصوت جهوري واضح، وتبدأ فورًا تجهيز المريض ونقله إلى غرفة العمليات.
- هل أنتَ جاهز، أم تريد مساعد ثالث؟
سألت رُوانا الشاب المتردد.
- قلت لكِ من قبل يا رُوانا ألا تنظري إلى بنيتي الضئيلة، أنا قوي، لا أريد مساعدا. أجابها بتردد أيضا.
لا تميل رُوانا إلى الكلام الكثير، وغالبًا ما تكون عباراتها قصيرة ومباشرة:
- هيا بنا إذن، مستعد؟ أنقل، واحد..إثنان..ثلاثة. تحرك، انتهت المهمة.
قد يراها البعض فظة أو قاسية، لكن من يعمل معها يعرف أن خلف هذا الأسلوب شخصية تعرف تمامًا ما تفعله، لا تتهاون في إجراءات السلامة، وتحرص على أن يتم النقل بسلاسة ودون أخطاء.
رغم أسلوبها الصارم، هناك لحظات تكشف جانبًا مختلفًا منها، عندما تلاحظ خوفًا شديدًا في عيون أحد المرضى، تخفف نبرتها قليلًا، وتقول جملة مقتضبة لكنها صادقة، قالت لميرا:
- لا تقلقي، الأمر تحت السيطرة.
تلك الكلمات القليلة كانت كافية لمنح ميرا بعض الشعور بالأمان.
خارج العمل، تعيش رُوانا حياتها بطريقتها الخاصة، لا تكترث كثيرًا بآراء الآخرين، واضحة وصريحة، سواء في شخصيتها أو في هويتها التي اختارتها، ترى أن القوة في أن يكون الإنسان نفسه دون تزييف، قد لا تكون الأكثر لطفًا في القسم، لكنها بالتأكيد من الأكثر كفاءة، وشخص يُعتمد عليه عندما تكون الدقة والسرعة مسألة حياة أو موت.



#دينا_سليم_حنحن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قرطبة اسبانيا
- قليل من القسوة
- أسجادنا تعرف قبلنا
- سوار مطانس: سقوط المعبد الأخير عنوان رواية للكاتبة دينا سليم ...
- رحلة إلى القارة الأسترالية
- هل تبدو السماء أجمل، أمي؟
- يوميات جندي (1)
- قطعة القماش
- حوار مع مها هرموش
- أصبحت له
- حواري مع الروائية دينا سليم حنحن - حسين سوداني
- سادينا - حول الرواية
- في ساحة الحرب
- قصة قصيرة
- دراسة حول روايتي (قلوب لمدن قلقة) د. بطرس دلة
- اسمي غريب - قصة قصيرة
- مزار مريم العذراء
- يوم معتم على سرير أبيض
- مؤتمر سيدني أستراليا 2023 - الانفتاح على الذات
- نقديم غير ساذج - الحافيات دينا سليم


المزيد.....




- استذكار الشاعر الكبير مظفر النواب في جمعية المهندسين
- ترقب في دمشق لإعلان تشكيلة البرلمان الجديد: حصة رئاسية لتعوي ...
- محمود سعيد.. رائد الحداثة التشكيلية الذي صهر الضوء الأوروبي ...
- -تيلا برازيل-.. منصة مجانية لبث إنتاج السينما والتلفزيون بال ...
- بمعرض وعروض سينمائية ومزاد علني... هوليوود تحتفل بمرور مائة ...
- أقدم حضارات الأرض.. حين اخترعت -المدينة- من سومر ومصر إلى بي ...
- إحياء الذاكرة النقدية: طبعة جديدة لمرجع سلمى خضراء الجيوسي ف ...
- منار نجاة في كابل.. صراع الذاكرة التاريخية وضرورات التطوير ب ...
- مارادونا الغناء العربي.. كيف هزم جورج وسوف المعايير ببحة مكس ...
- -شركاء-.. تركي آل الشيخ يكشف عن حجم مشاركة صندوق الأفلام في ...


المزيد.....

- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دينا سليم حنحن - الخوف رداء