أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دينا سليم حنحن - أسجادنا تعرف قبلنا














المزيد.....

أسجادنا تعرف قبلنا


دينا سليم حنحن

الحوار المتمدن-العدد: 8636 - 2026 / 3 / 4 - 12:01
المحور: الادب والفن
    


قصة قصيرة حقيقية
أجساد تعرف قبلنا
دينا سليم حنحن - أستراليا

عرفت صوت جهاز التنفّس أكثر مما تعرف صوت البشر.
الصفير المنتظم الخارج من القناع الليلي، يذكّرها بأن الهواء ليس حقا بديهيا، وأن الجسد، مهما بدا صامتا، يفاوض الحياة كل ليلة!
تعيش وحدها منذ رحيل زوجها، في بيت قديم في ضاحية هادئة، تئنّ جدرانه عند تبدّل الفصول.
تؤمن أن كل بيت يحتفظ بأنفاس ساكنيه، وأن الصمت ليس فراغا، بل ذاكرة.
في أح الصباحات، رأت النملة الأولى قرب حافة السرير، لم يكن الأمر غريباً، الصيف في أستراليا قاسٍ حتى على الحشرات، والنمل يبحث دائما عن الرطوبة.
نظرت إلى كوب الحليب جانبها، قالت لنفسها:
- ربما انسكب شيء.
في اليوم التالي، كان سرب النمل أطول، خط رفيع أسود، امتد من تحت الخزانة حتى حافة السجادة، أحكمت إغلاق علب الطعام، ونظّفت الأرض بالخل، واستخدمت مبيدا حشريا.
في اليوم الرابع، وجدت النمل يسري على ذراع كرسيها، حيث تجلس ساعات تقرأ أو تحدّق في الفراغ، لم يتجه نحو المطبخ، تمركز حيث تكون هي، هنا بدأ القلق يتسرّب، لم تخف من النمل ذاته، بل من إصراره، إصرار يشبه فكرة لا تريد مغادرة الرأس.
مساء اليوم الخامس، خلعت ملابسها استعدادا للاستحمام، شعرت بتصلّب غريب في فخذها الأيمن، كتلة صغيرة غير مؤلمة تقريبا، لكنها ليست جزءا من جسدها، وقفت طويلاً أمام المرآة، الجسد في الشيخوخة يصبح خريطة خسارات: تجاعيد، ندوب، أوعية بارزة، ترهلات، لكن هذه الكتلة أمرها غريب.
في تلك الليلة، لم تستطع النوم رغم جهاز التنفّس الذي يوزّع الهواء داخل رئتيها بإخلاص، كانت تسمع، أو تتخيّل، حركة خفيفة على الأرض، كأن النمل لا يسير فوق البلاط، بل تحت جلدها.
كان الطبيب شابا، عمليا، لا يؤمن بالإشارات، تحسّس الورم وطلب تصويرا شعاعيا، ثم خزعة، وصلت النتيجة بعد أيام، ورم لمفاوي في الأنسجة الرخوة، حميد غالبا، لكن حجمه وموقعه يستدعيان الاستئصال.
عادت إلى البيت حاملة الملف الطبي، كان المساء هادءا بشكل غير معتاد، وضعت حقيبتها، مشَت نحو المطبخ، توقفت، الأرض نظيفة، لا أثر، اختفى السرب الأسود، لا حركة!
انتظرت يوما، ثم آخر، اختفى النمل تماما، كانت العملية معقدة بعض الشيء، تخدير كلي عميق، شقّ جراحي واستئصال كامل للكتلة
نتائج التحليل النسيجي أكّد أنها محظوظة: لم ينتشر الورم، وفترة التعافي قصيرة، بدأت تفكّر بعقلانية أكبر، قرأت أن بعض الأورام الموضوعية، خلايا غير طبيعية قد تفرز مواد كيميائية، أو تغيّر رائحة الجلد الدقيقة، والنمل، بحساسيته الشديدة للهرمونات والروائح، قادر على التقاط تغيرات لا يلاحظها البشر، قرأت أيضاً أن الحشرات تنجذب أحيانا إلى بعض الالتهابات، أو تغيرات نسيجية غير مرئية.لا يتحدث العلم عنها ولا يؤمن بها!
آمنت، كان النمل رسولاً، سمع صراخ جسدها، صراخ مكبوت، صرخ منذ زمن، لكنها لم تُصغِ إلا حين تجسّد الصراخ في شكل يمكن رؤيته، النمل صورة خارجية لقلق داخلي، تجسيدا مادياً لفكرة خفية، هناك شيء ينمو بصمت.
بعد شهرين، نزعت قناع جهاز التنفّس، وأصغت جيدا، لا حركة، لا صفوف سوداء، وضعت يدها على فخذها الأيمن، على المكان الذي أزيل منه الورم، شعرت بامتنان غريب، ليس لأنها شُفيت فقط، بل لأنها أخيراً انتبهت، فهمت أن الجسد ليس آلة تصدر الأعطال فجأة، بل نظام إنذار معقّد، يهمس أحياناً بألم خفيف، يرسل تعبا مبهما، وإن لم نصغ للعالم الخارجي، يبدأ الخلل.
لم تعد تعتبر النمل معجزة، ولا صدفة كاملة، بل تعتبره ترجمة بين البيولوجيا والنفس، بين الخلية القلقة والكائن الذي التقط قلقها.
وفي كل ليلة، حين يبدأ جهاز التنفّس، إيقاعه المنتظم، تغمض عينيها تفكر وتقول:
- أجسادنا تعرف قبلنا.



#دينا_سليم_حنحن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سوار مطانس: سقوط المعبد الأخير عنوان رواية للكاتبة دينا سليم ...
- رحلة إلى القارة الأسترالية
- هل تبدو السماء أجمل، أمي؟
- يوميات جندي (1)
- قطعة القماش
- حوار مع مها هرموش
- أصبحت له
- حواري مع الروائية دينا سليم حنحن - حسين سوداني
- سادينا - حول الرواية
- في ساحة الحرب
- قصة قصيرة
- دراسة حول روايتي (قلوب لمدن قلقة) د. بطرس دلة
- اسمي غريب - قصة قصيرة
- مزار مريم العذراء
- يوم معتم على سرير أبيض
- مؤتمر سيدني أستراليا 2023 - الانفتاح على الذات
- نقديم غير ساذج - الحافيات دينا سليم
- شيء أحمر شيء أصفر
- شيء أحمر شيء اصفر
- مداخلـــة الـــشاعرة راغـــدة عســـاف زيــن الدين كتاب - جدا ...


المزيد.....




- غزة كما لم تروَ: -بين أروقة الموت- تكتب الوجع من قلب الركام ...
- رمضان في الأردن.. طقوس يومية تصنع هوية لا تشبه سواها
- حنين بصوت القرآن.. محمد رشاد الشريف كما يتذكره الأردنيون
- كواليس أزياء مسلسل -بالحرام-..فستان مضاء بتقنية LED وتصاميم ...
- الشاعرة أمينة عبدالله تعلن عن ترشحها لعضوية مجلس إدارة إتحاد ...
- الشاعرة أمينة عبدالله وبرنامج انتخابي طموح يتنفس التغيير يمث ...
- وثائق إسرائيلية رسمية تعزز الرواية الفلسطينية حول مجازر النك ...
- هل أصبح العالمُ بلا روحانيَّةٍ؟
- بين الشعار والقرار: كيف نفتخر بالعربية وجامعاتنا تقلّصها؟
- -من منصة عرض إلى بيت للنازحين-.. كيف استجابت مسارح لبنان للو ...


المزيد.....

- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت
- مسرحية : النفساني / معتز نادر
- تشريح الذات: كانَ شتاءَ الشحّ / دلور ميقري
- ذاكرة لا تصافح أحداً. حكايات وذكريات الكاتب السيد حافظ الجزء ... / ياسر جابر الجمَّال


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دينا سليم حنحن - أسجادنا تعرف قبلنا