أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دينا سليم حنحن - الوحدة














المزيد.....

الوحدة


دينا سليم حنحن

الحوار المتمدن-العدد: 8750 - 2026 / 6 / 28 - 09:51
المحور: الادب والفن
    


قصة قصيرة


تخرج كل صباح وكأن لديها موعد مع الحياة، لكنها في الحقيقة كانت تهرب منها!
تسير بين واجهات المحال ببطء، تتأمل الملابس كما لو أنها تنظر إلى نسخٍ مختلفة من نفسها؛ تظن أنها امرأة أكثر سعادة، أكثر امتلاءً، لكنها وحيدة تماما.
تمد يدها، تلمس القماش، تداعبه، تلمسه بحنان، تبتسم للبائعة، تدفع ثمنه، ثم تخرج وهي تحمل كيسًا آخر، وقلبًا لم يصبح أخف!

تعود إلى البيت، تفتح الخزانة بصعوبة، تتدافع الملابس فوق بعضها، تختنق الألوان، تئن العلّاقات المعدنية تحت ثقل ما اقتنته من أشهر طويلة، داخل الخزانة كل شيء صامت! والعمود الذي يحمل العلاّقات، بدا أكثر إعوجاجا، لم تعد الخزائن تتسع لفستان جديد، ولا لمعطف، ولا لحقيبة أخرى.
تعلم أن المشكلة لم تكن في ضيق الخزانة، بل في ذلك الفراغ الذي يتسع داخلها كل يوم.

تشتري ما لا تحتاج إليه، لأن ما تحتاجه لا يُعلَّق على علاّقة، ولا يُطوى داخل دُرج أو خزانة، اقتنت، تجاهلت متعمدة، بحثت عن يدٍ تنتظرها، عن صوتٍ يسألها كيف مضى يومها، عن ضحكةٍ تتجول في أرجاء المنزل، عن تبادل الابتسام، عن زفرات غير مألوفة تمنح حركة للبيت الجميل الذي تقيم فيه، الهاديء، عن شهقة تصخبه، عن رعشة تنعشه.

كل كيس تسوّق، ما هو إلا محاولة صغيرة لرتق صدعٍ لا يُرى، وكل فاتورة دُفعت، ثمن مؤقت لتأجيل مواجهة الحقيقة... جبن وخور !

في الليل، بعد أن تخمد الشمس أناقة النهار، تنام المدينة على تسابيح الأضواء الباهرة، تفتح الخزانة، تنظر إلى عشرات الثياب التي لم ترتدِ معظمها، أنها لا ترى ملابس، بل أيام اشترتها ولم تعشها، وأحلام علّقتها على شماعات ومشاجب، ظنّت أنها ستملأ وحدتها، اكتشفت أن أكثر الأشياء امتلاءً قد يكون أقدرها على كشف الفراغ الذاتي الذي تعاني منه، خزانةٌ مزدحمةٌ حتى الاختناق، وقلبٌ يزداد خواءً كلما ازدادت الخزائن ترتيبا.

غرفةٍ أنيقةٍ ثانية، وخزانة جديدة، تُعلَّق فيها الخسارة تلو الخسارة، شماعات مرتبة صفوفا، استبدلتها بشماعات سوداء، حتى تبدو الثياب أكثر أناقة، تُغلق باب الخزانة الجديدة بإحكام، تضغط جوانبها بقسوة، تعكس الخزانة دواخلها، بيت صغير تجمعه الوحشة.
دراسة حول القصة المطروحة ( الوحدة).
ينجح النص في تحويل فعلٍ يوميٍّ عادي، هو التسوق، إلى استعارة وجودية عن الوحدة والحرمان العاطفي، لا يكتفي بوصف امرأة تشتري الملابس، بل يجعل من كل قطعة ثوب دليلاً على محاولة يائسة لملء فراغٍ لا يمكن أن تملأه الأشياء، وهنا تكمن قوة النص؛ إذ ينتقل من الواقعي إلى الرمزي بسلاسة، دون أن يفقد صدقه الإنساني.
من الناحية الفنية، يعتمد النص على التصاعد الدرامي، يبدأ بحركة خارجية هادئة، امرأة تتجول بين المحال، ثم ينتقل إلى المشهد الداخلي في الخزانة، قبل أن يصل إلى ذروة نفسية في الخاتمة، حيث تتحول الخزانة إلى مرآة للقلب، هذا البناء يمنح النص تماسكًا، ويجعل النهاية نتيجة طبيعية لكل ما سبقها.
أما اللغة، فهي لغة شاعرية رصينة، تخلو من الزخرفة المجانية، تنبع الصور من صميم الفكرة نفسها، مثل: " تختنق الألوان" و " تئن العلاّقات المعدنية"، صور تمنح الجمادات حياة، لتبدو أكثر تفسيرا من حياة البطلة نفسها، كما أن المقابلة بين امتلاء الخزانة وفراغ القلب من أجمل المفارقات التي يحملها النص.
وتُعد الجملة: "تشتري ما لا تحتاج إليه، لأن ما تحتاج إليه لا يُعلَّق على علاّقة، ولا يُطوى داخل درج." محور النص الفكري، إذ تلخص المأساة كلها في عبارة واحدة، وتكشف أن الحاجة الحقيقية ليست مادية، بل إنسانية وعاطفية.
أما الخاتمة، فهي الأكثر تأثيراً، لأنها لا تقدم حكمًا مباشرًا، بل تترك القارئ أمام صورة لا تُنسى، خزانة تكاد تنفجر من كثرة الملابس، مقابل قلب يزداد خواءً. والصورة الأخيرة: "غرفةٌ أنيقةٌ تُعلَّق فيها الخسارة على شماعات لامعة" ترتقي بالنص إلى مستوى رمزي عالٍ، إذ تتحول الخزانة إلى متحفٍ للهزائم المؤجلة.
ومع ذلك، يمكن الإشارة إلى ملاحظة نقدية واحدة، يميل النص إلى المحافظة على نبرة واحدة من الحزن والتأمل، مما يجعل الإيقاع ثابتاً إلى حد كبير، لو تخلل السرد موقف صغير يوهم القارئ للحظة بأن البطلة وجدت ما تبحث عنه، قبل أن ينهار ذلك الوهم، لازداد الأثر الدرامي عمقاً، وأصبحت النهاية أكثر إيلاماً.
في مجمله، هذا نص أدبي يمتلك وعيًا نفسيًا واضحًا، ويقدم نقدًا رقيقًا للنزعة الاستهلاكية، لا بوصفها مشكلة اقتصادية، بل باعتبارها محاولة فاشلة لتعويض الحرمان إلى الألفة، إنه نص يجعل القارئ يدرك أن بعض الناس لا يشترون الأشياء لأنهم يحبون امتلاكها، بل لأنهم يخشون العودة إلى بيوتٍ لا ينتظرهم فيها أحد!



#دينا_سليم_حنحن (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- القدرة على الفرح
- الخوف رداء
- قرطبة اسبانيا
- قليل من القسوة
- أسجادنا تعرف قبلنا
- سوار مطانس: سقوط المعبد الأخير عنوان رواية للكاتبة دينا سليم ...
- رحلة إلى القارة الأسترالية
- هل تبدو السماء أجمل، أمي؟
- يوميات جندي (1)
- قطعة القماش
- حوار مع مها هرموش
- أصبحت له
- حواري مع الروائية دينا سليم حنحن - حسين سوداني
- سادينا - حول الرواية
- في ساحة الحرب
- قصة قصيرة
- دراسة حول روايتي (قلوب لمدن قلقة) د. بطرس دلة
- اسمي غريب - قصة قصيرة
- مزار مريم العذراء
- يوم معتم على سرير أبيض


المزيد.....




- التحقيق في مصرع منتج سينمائي مصري بطريقة مأساوية
- الثقافة المركزية السودانية.. إرث تاريخي أم ورقة تفاوض سياسي؟ ...
- موسكو تُعيد إحياء منزل -المعلّم- من رواية -المعلّم ومارغريتا ...
- اختبار اللغة السويدية للحصول علي الجنسية قد يتأجل مجددا
- مصر.. مصرع منتج سينمائي غرقا
- إعلام لبناني: إخلاء سبيل فضل شاكر في 3 ملفات وترجيح حسم الرا ...
- في الذكرى الـ 250 للاستقلال، كيف أعادت أمريكا اختراع اللغة ا ...
- أعقاب سجائر ومفتاح مكرر يكشفان سارقي منزل الفنانة منى واصف
- -خطوة صبيانية-.. سخرية واسعة على منصة -إكس- من نواب بريطانيي ...
- فنانو اليمن بين الحرب والجوع.. حين تُباع اللوحات لتبقى الحيا ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دينا سليم حنحن - الوحدة