أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - مصطفى حجي - نجوتُ أنا... فماذا عن البقية؟














المزيد.....

نجوتُ أنا... فماذا عن البقية؟


مصطفى حجي
كاتب وناقِد

(Mustafa Hajee / Mustafa Alhaji)


الحوار المتمدن-العدد: 8771 - 2026 / 7 / 19 - 18:53
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


لو أن زلزالًا عنيفًا ضرب مدينة ما فساوى مبانيها بالأرض وطحن عظام المئات تحت الركام، ثم نجا شخص واحد من وسط ذلك الخراب؛ سيخرج هذا الناجي ليقول بملء فيه: "لقد حماني الله واستجاب لصلاتي ودعائي!".
مثل هذه العبارة البسيطة التي تبدو في ظاهرها حمدًا وثناءً تحمل في باطنها نرجسية مرعبة وإهانة خفية للضحايا الآخرين الذين طحنهم الركام في نفس اللحظة. القائل هنا يفترض دون أن يدري أن إله الكون ترك آلاف الأطفال والنساء يواجهون الموت سحقًا وخنقًا وتفرّغ تمامًا لإنقاذه هو لأن صلاته كانت أكثر خشوعًا أو لأن قلبه كان أكثر نقاءً!
وهنا تبرز المفارقة الكبرى، إذا كان نجاتك دليلًا على "الرحمة الإلهية" فماذا يمثّل موت البقية تحت الأنقاض؟ هل هو دليل على الغضب أم السادية أم العبث الميتافيزيقي؟

في المنطق الديني التقليدي يتم تحوير الأحداث العشوائية لتلائم حاجة الإنسان النفسية للشعور بالأهمية. إذا سقطت طائرة ومات الجميع ونجا رضيع، قالوا "معجزة". وإذا مات الرضيع ونجا البقية اخترعوا مبررًا آخر مثل "الحكمة الخفية" أو "الابتلاء". المعادلة مصممة مسبقًا بحيث يربح الإله دائمًا الثناء، بينما يتحمل العبث أو الطبيعة أو "الشيطان" الخسارة واللوم.
لكن دعنا نكون منطقيين وننظر إلى الواقع بعين العقل الجريء:
الصفائح التكتونية التي تتحرك تحت الأرض لا تملك مصاحف ولا تكترث بالصلوات، هي تتحرك وفق قوانين جيولوجية باردة وصارمة بدأت منذ مليارات السنين قبل ظهور الوعي البشري أصلًا.
الفيروسات والأوبئة لا تميز بين جبهة سجدت آلاف المرات وجبهة لم تعرف الركوع؛ هي تبحث عن خلايا حية لتتكاثر مدفوعة بغريزة البقاء التطورية.
قوانين المقذوفات والجاذبية هي من يحدد مسار الرصاصة في الحرب، ولن تغير مسارها في الهواء لأن أمًّا تبكي وتتضرع في زاوية الغرفة.

أنا لا أرى في هذه الادعاءات إلا محاولة بشرية بائسة لتقليل قسوة الحياة والهروب من حقيقة أننا نعيش في عالم فوضوي لا يبالي بمصائرنا. الدين لم يمنح الإنسان حماية حقيقية من الكوارث، بل منحه "مسكنًّا عقليًّا" يجعله يتقبل الكارثة بابتسامة بلهاء.
يعلمونك أن الطفل الذي مات في الزلزال قد صار "طيرًا في الجنة" وأن المظلوم الذي سُحق في الحرب "شهيد"، لتتحول المأساة الإنسانية الصارخة بفعل بهلوانيات النص إلى نقطة خلاص وهمية ومقايضة تجارية مؤجلة.
الحقيقة القاسية هي أن الطبيعة عمياء صماء، لا تعنيها مشاعرك ولا تهمها راحتك النفسية. الكون ضخم ومتسع لدرجة مرعبة، ونحن مجرد غبار بيولوجي على بقعة رطبة تعيسة سميناها الأرض. القول بأن هذا الكون الهائل بمليارات مجراته وثقوبه السوداء، ينشغل بتحريك صخرة لحماية مصلٍّ أو إهلاك كافر، هو قمة الغطرسة والأنانية البشرية.

أن تكون "ذو وعي حر" يعني أن تملك الشجاعة لتواجه الوجود دون مساحيق تجميل غيبية. يعني أن تدرك أن سلامتك من الكارثة ليست "اختيارًا إلهيًّا تفضيليًّا" بل هي مجرد "حظ عابر"، وأن موت من حولك ليس عقابًا ولا امتحانًا بل هو النتيجة الباردة لقوانين طبيعية لا تعرف الرحمة ولا القسوة، لأنها ببساطة لا تعرفك.

وربما في هذا الإدراك وحده، لا في الإنكار ولا في التبرير، تكمن الكرامة الحقيقية لمواجهة عالم لا يبالي: أن نمنح نحن المعنى لألمنا وفرحنا بدل أن ننتظره من كون صامت.

تحيّاتي.



#مصطفى_حجي (هاشتاغ)       Mustafa_Hajee_/_Mustafa_Alhaji#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أخلاق العبيد وأخلاق الأحرار
- يانصيب الخلاص
- الإسلام... بين قدسيّة النص وإنسانيّة الفكرة
- الوَهْم المُريح
- من الغريب أن يقول الملحد: «يا إلهي» … ولكن الأغرب أن يقول ال ...
- هل نؤمن... لأننا لا نحتمل العكس؟
- الإله الذي خلق هذا العالم بكل ما فيه من فوضى... عليه أن يعتذ ...
- أكتب؟ ولمن؟ ولماذا؟
- نَشِيْد العبث
- هل للكون غاية؟ 2. -بين التساؤل والعبث-
- هل للكون غاية؟
- المُعضِلة بين الاحترام والإساءة
- ماذا بعد الموت؟
- بين فيروز ونزار «ليست لنزار»
- نزار قبّاني ... والمرأة
- {البيضة} ... قصة قصيرة ل -آندي وير-
- عدمِيَّة ... (وقليل مِنَ التفاؤل)
- الملحد العربي ... الاتِّهام والحقيقة
- حياة عدميّة ... بإله أو بغير إله
- إبليس يَشكُو مأساتَه ويُدافِع عن نَفسِه


المزيد.....




- حرس الثورة الإسلامية: تم اعتراض وإسقاط طائرة بدون طيار من طر ...
- حرس الثورة: الجنود الأميركان الغزاة الذين هاجموا أكثر من عشر ...
- شهيد في رام الله وتصعيد استيطاني يستهدف سلفيت بـ 342 وحدة جد ...
- بيان للمقاومة الإسلامية عن استهدافها القواعد الأمريكية في ال ...
- فعاليات في ساحة الثورة في طهران استجابة لدعوة قائد الثورة ا ...
- فعاليات في ساحة الثورة في طهران استجابة لدعوة قائد الثورة ال ...
- قائد الثورة الإسلامية يوجه رسالة شكر مؤثرة إلى العراقيين.. إ ...
- تحت حماية قوات الاحتلال.. 255 مستوطنا اقتحموا المسجد الأقصى ...
- العليا لشئون الكنائس تحذّر من تهديد الاستيطان الإسرائيلي للو ...
- بحرية حرس الثورة الاسلامية: قواتنا تسيطر بالكامل على مضيق هر ...


المزيد.....

- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر الطبعة الثانية / محمد جعفر ال عيسى
- حقوق العصر: تحقيقات في جريمة ازدراء العقل و معاداة الإنسان / أحمد التاوتي
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- الإسلام ضد الحداثة / فرغان أزيهاري
- مصادر القرآن من اليهودية و المسيحية السريانية و الجاهلية و أ ... / مؤمن عقلاني
- محادثات مع الله الجزء الرابع / نيل دونالد والش
- مختصر كتاب الأرواح / آلان كاردك
- الفقيه لي نتسناو براكتو / عبد العزيز سعدي
- الوحي الجديد / يل دونالد والش
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُهٍ.. الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - مصطفى حجي - نجوتُ أنا... فماذا عن البقية؟