أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - مصطفى حجي - أخلاق العبيد وأخلاق الأحرار














المزيد.....

أخلاق العبيد وأخلاق الأحرار


مصطفى حجي
كاتب وناقِد

(Mustafa Hajee / Mustafa Alhaji)


الحوار المتمدن-العدد: 8628 - 2026 / 2 / 24 - 09:13
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


"إذا سقط الإله فمن يمنعنا من القتل والسرقة؟ إذا لم تكن هناك جنة ونار فما الذي يدفعنا لنكون أخلاقيين؟"

هذا السؤال المتكرر دائمًا، هو في جوهره اعتراف ضمني بالغ الدلالة، إنه إقرار بأن الوازع الأخلاقي لدى المؤمن ليس نابعًا من قيمة الإنسان ذاتها، بل من الخوف من سوط "الجلّاد السماوي" أو من الطمع في "جنّة الخلود"
السائل هنا يعترف دون أن يدري أن أخلاقه مرتهنة بالمراقبة، فإذا غابت الرقابة غابت الفضيلة.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى: هل الأخلاق الناتجة عن الخوف الإلهي هي أخلاق حقًّا؟

في المنطق الديني التقليدي، غالبًا ما تتحول الأخلاق إلى "استثمار". أنت لا تصدق القول لأن الصدق فضيلة، بل لأنك تخشى "نارًا وقودها الناس والحجارة"
أنت لا تعطف على اليتيم إشفاقًا عليه وحبًّا في الإنسانية، بل لأنك تشتري بالعطف قصرًا في الجنة.

هذه ليست أخلاقًا بالمعنى الإنساني، هذه "مقايضة" ومحاسبة تجارية. الفعل هنا لا ينبع من قناعة داخلية، بل من حساب خارجي. وإذا كان الإله في هذا التصور بمثابة "الرقيب" فما قيمة الفضيلة التي لا تستقيم إلا تحت حراسة السجّان؟

وهنا يبرز السؤال الفارق: مَن منّا صاحب الأخلاق الحقيقية؟ ومَن منّا هو "الإنسانيّ" بالفعل؟
أنا الّذي أقوم بالخير فقط لأنه -خير بحد ذاته- دون طمع بأي أجر أو مكافأة في المقابل؟ أم أنت المؤمن الذي تقوم بالخير فقط طمعًا بأنك ستستردّه 10 أضعاف في الجنّة؟

الأخلاق الحقيقية تبدأ حين ينتهي مفعول التهديد والوعيد. الإنسان الأخلاقي حقًّا هو من يفعل الخير لأنه "خير"، ولأن ضميره الإنساني يملي عليه ذلك، حتى لو كان متيقِّنًا أن لا أحد يراقبه، وأن فعله هذا لن يزيد حسناته ولن يمحو عنه سيئاته.

نحن لا نحتاج إلى نصوص تعود للعصور المبكّرة والوسطى لتخبرنا أن القتل بشع أو أن السرقة اعتداء.
لقد تطورت الأخلاق عبر آلاف السنين من العيش المشترك، تعلمنا أن التعاطف هو الركيزة الأساسية لبقاء الجنس البشري.

أنا لا أؤذيك لأنني أعرف معنى الألم، ولأنني لا أريد أن أُؤذى أيضًا.
الضرر الذي يلحق بك هو تمزيق للنسيج الإنساني الذي أحتمي به أنا أيضًا. في مجتمع ينتشر فيه العنف، أنا قد أكون الضحية القادمة.
وعلى هذا فالأخلاق ليست وصاية من السماء، بل هي وعي بأن سلامتي مرتبطة بسلامتك.

الدين لم يخترع الأخلاق، بل هو "سرقها" ونسبها لنفسه، ثم وضع لها شروطًا وضوابط تخدم المؤسسة الدينية، فجعل "الولاء" مقدَّمًا على الإنسانية، وجعل قتل "المخالف" فضيلة دينية رغم كونها جريمة إنسانية.

لذلك، أن تكون "ذو أخلاق حرَّة" يعني أن تملك الشجاعة لتتحمل مسؤولية أفعالك، دون رمي الأعذار على "الشيطان" أو انتظار الغفران من كيان سماوي
الحرية ليست نزوة عابرة، بل هي مسؤولية ثقيلة تجعلك أنت القاضي والجلاد على نفسك.

عندما ندرك أن هذه الحياة هي فرصتنا الوحيدة واليتيمة، سندرك أن الحفاظ على كرامة الإنسان وحقوقه هو أسمى ما يمكننا فعله، ليس طمعًا في ثواب غيبي، بل احترامًا لهذا الوجود القصير والفريد.

الفضيلة التي تحتاج إلى "جهنم" لكي تستقيم، هي فضيلة هشّة ومزيفة. أما الفضيلة الحقيقية فهي تلك التي تنبع من قلب الإنسان الحر الذي يواجه العدم بابتسامة، ويفعل الخير فقط لأنه إنسان.

وبالطبع، يبقى السؤال مشروعًا: من يحدد الخير والشر إذا سقط النص الديني؟ الجواب: العقل الإنساني، التجربة المتراكمة والمعاناة المشتركة والاتفاقات الاجتماعية القابلة للنقض والتطوير.
نعم هي بوصلة أكثر تعقيدًا، لكنها أيضًا أكثر صدقًا من النصوص الجامدة.

الحقيقة قد لا تمنحك صكوك غفران، لكنها تمنحك شيئًا أعظم: شرف الصدق مع الذات.

تحيّاتي.



#مصطفى_حجي (هاشتاغ)       Mustafa_Hajee_/_Mustafa_Alhaji#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- يانصيب الخلاص
- الإسلام... بين قدسيّة النص وإنسانيّة الفكرة
- الوَهْم المُريح
- من الغريب أن يقول الملحد: «يا إلهي» … ولكن الأغرب أن يقول ال ...
- هل نؤمن... لأننا لا نحتمل العكس؟
- الإله الذي خلق هذا العالم بكل ما فيه من فوضى... عليه أن يعتذ ...
- أكتب؟ ولمن؟ ولماذا؟
- نَشِيْد العبث
- هل للكون غاية؟ 2. -بين التساؤل والعبث-
- هل للكون غاية؟
- المُعضِلة بين الاحترام والإساءة
- ماذا بعد الموت؟
- بين فيروز ونزار «ليست لنزار»
- نزار قبّاني ... والمرأة
- {البيضة} ... قصة قصيرة ل -آندي وير-
- عدمِيَّة ... (وقليل مِنَ التفاؤل)
- الملحد العربي ... الاتِّهام والحقيقة
- حياة عدميّة ... بإله أو بغير إله
- إبليس يَشكُو مأساتَه ويُدافِع عن نَفسِه
- توضيح لمقولة آينشتاين -إنَّ الله لا يلعب بالنرد- وما شابهها


المزيد.....




- شهر رمضان: واحة الروح وموسم الغفران
- الصهيونية المسيحية بين العقيدة والسياسة: قراءة في مقابلة الس ...
- 25 عاما من النداء.. حكاية صوت يصدح من مآذن الجامع الأموي بدم ...
- خريطة البرامج الدينية في رمضان 2026
- فيديو.. تعرَّف على المصلى المرواني بالمسجد الأقصى
- عاجل | بيان من 20 دولة عربية وإسلامية وأوروبية: ندين بشدة قر ...
- حرب لم تقهر الروح.. قناديل رمضان في غزة تتوهج وسط الركام
- التعايشي: الحركة الإسلامية لن تكون جزءا من التسوية بالسودان ...
- مصادر فلسطينية: 50 ألف مصلٍ أدوا صلاة العشاء في المسجد الأق ...
- قرقاش يحذر من محاولات -الإخوان- إعادة تنظيم صفوفهم


المزيد.....

- في عرفات الله أعلنت إلحادي بالله / المستنير الحازمي
- أنه الله فتش عن الله ونبي الله / المستنير الحازمي
- رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي ... / سامي الذيب
- الفقه الوعظى : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور
- نشوء الظاهرة الإسلاموية / فارس إيغو
- كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان / تاج السر عثمان
- القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق ... / مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
- علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب / حسين العراقي
- المثقف العربي بين النظام و بنية النظام / أحمد التاوتي
- السلطة والاستغلال السياسى للدين / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - مصطفى حجي - أخلاق العبيد وأخلاق الأحرار