أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - مصطفى حجي - يانصيب الخلاص














المزيد.....

يانصيب الخلاص


مصطفى حجي
كاتب وناقِد

(Mustafa Hajee / Mustafa Alhaji)


الحوار المتمدن-العدد: 8608 - 2026 / 2 / 4 - 09:19
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


يتحدثون عن "دار الابتلاء" وكأننا في قاعة امتحانات كبرى، صممها إله عادل محيط بكل شيء، وضع أسئلتها بدقّة لتناسب قدرات الجميع. لكن بمجرد أن ترفع عينيك عن ورقتك وتنظر إلى رفاقك في القاعة، ستكتشف أنك لست في امتحان، بل في "يانصيب" كوني، حيث "الحظ" وموقع الميلاد هما من يحددان مصيرك الأبدي، لا "عملك".


تخيّل معلِّمًا يزعم أنه عادل، وأن كل الطلاب لديهم فرصة متكافئة للنجاح، ثم يعطي أحدهم الكتاب والمنهج والوقت الكافي، ويحرم الآخر من القراءة والكتابة، ثم يترك الثالث في غرفة مظلمة وحيدًا لا يرى ولا يسمع فيها، وفي نهاية العام يختبرهم بنفس الأسئلة، وبذات المعايير، ويحكم على الراسبين بالحرمان الأبدي من الشهادة!
هل نَصِف هذا المعلم بالعدل؟ طبعًا لا، سنصفه بالساديّة.
فالاختبار لا يكون عادلًا بمجرد ادّعاء واضعه، بل بتكافؤ شروطه على الجميع.

مثال المعلّم هو تمامًا مشهد "الاختبار الإلهي".
الإنسان الذي وُلِد في مكة لأبوين مؤمنين، ورضع "الحق" مع الحليب، لا يبذل جهدًا ليؤمن؛ هو ببساطة يتبع "قالب" بيئته. بينما الإنسان الذي وُلِد في غابات الأمازون أو في طوكيو أو في جزر الواق واق، مطلوب منه أن يسلك طريقًا مستحيلًا يمر عبر مئات الأديان وآلاف الطوائف ليصل إلى "الحقيقة" التي صادف أن جارك في الحي يمتلكها بالوراثة!

إذا كان الإيمان يعتمد على "مدينة الولادة"، فالخلاص هو "جائزة جغرافية" وليس استحقاقًا أخلاقيًّا.


والمفارقة الأخرى تكمن في "مدة الامتحان". يموت طفل في الخامسة، ويُعفى من الحساب (حسب زعمهم)، بينما يُترك آخر ليعيش تسعين عامًا تحت ضغوط الشهوات والإغراءات والفقر والحروب والتحوّلات النفسيّة والفكرية.
لماذا يحصل الأول على "إعفاء" بينما يُطالَب الثاني بـ "الثبات"؟
أليس من الإجحاف أن يُحاسَب شخص على خمسين سنة من التخبّط، بينما يُكافأ آخر لأنه مات قبل أن يملك فرصة للخطأ؟

العدالة لا تُقاس بالنتائج، بل بتكافؤ شروط المحاسبة.



أما الطامة الكبرى فهي فكرة "الخلود في النار"
بلغة المنطق: أي ذنب يمكن أن يرتكبه كائن فانٍ، محدود في الزمان والمكان، ليكون عقابه "عذابًا سرمديًّا" لا ينتهي؟
حتى أعتى المجرمين في تاريخ البشرية، لو عذّبناهم مئة ألف سنة مقابل كل ضحية، لظل العذاب "محدودًا". أما أن تحرق إنسانًا "للأبد" لأنه لم يقتنع بنص تاريخي، أو لأنه عاش حياة بشرية عادية بآثامها الصغيرة، فهذا ليس عدلًا... هذا "انتقام" سادي يفوق الوصف.
"العذاب الأبدي ليس عقابًا عادِلًا على قدر الفعل، بل هو انتقام من الوجود نفسه".


المفارقة أنهم يصفونه بالرحمن الرحيم، ثم ينسبون إليه نظامًا عقابيًّا تجف أمامه دماء أكثر الجلادين وحشيّة.


خلاصة الحديث
الحياة غير عادلة، والطبيعة قاسية، والصدفة -خاصةً الصدفة الجغرافيّة- تلعب دورًا جائرًا في مصائرنا، نعم. لكننا كبشر نحاول خلق قوانين للعدل والمساواة لنخفف من هذا العبث.
المشكلة الحقيقية هي حين نخترع "إلهًا" ونزعم أنه "منبع العدل"، ثم نلبسه ثوب "الجلّاد" الذي يدير مسابقة غير متكافئة الفرص، وينتهي به الأمر بحرق أغلب خلقه لأنهم خسروا في "يانصيب الجغرافيا".

العدل البشري -رغم نقصه وعيوبه- أرحم بكثير من "العدل الإلهي" المزعوم في الكتب.

تحيّاتي.



#مصطفى_حجي (هاشتاغ)       Mustafa_Hajee_/_Mustafa_Alhaji#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الإسلام... بين قدسيّة النص وإنسانيّة الفكرة
- الوَهْم المُريح
- من الغريب أن يقول الملحد: «يا إلهي» … ولكن الأغرب أن يقول ال ...
- هل نؤمن... لأننا لا نحتمل العكس؟
- الإله الذي خلق هذا العالم بكل ما فيه من فوضى... عليه أن يعتذ ...
- أكتب؟ ولمن؟ ولماذا؟
- نَشِيْد العبث
- هل للكون غاية؟ 2. -بين التساؤل والعبث-
- هل للكون غاية؟
- المُعضِلة بين الاحترام والإساءة
- ماذا بعد الموت؟
- بين فيروز ونزار «ليست لنزار»
- نزار قبّاني ... والمرأة
- {البيضة} ... قصة قصيرة ل -آندي وير-
- عدمِيَّة ... (وقليل مِنَ التفاؤل)
- الملحد العربي ... الاتِّهام والحقيقة
- حياة عدميّة ... بإله أو بغير إله
- إبليس يَشكُو مأساتَه ويُدافِع عن نَفسِه
- توضيح لمقولة آينشتاين -إنَّ الله لا يلعب بالنرد- وما شابهها
- حول - رِهان باسكال -


المزيد.....




- بعد -اغتياله-.. حقائق قد لا تعلمها عن سيف الإسلام القذافي
- مقتل سيف الإسلام القذافي يثير تساؤلات.. كيف تفاعل المدونون؟ ...
- مقتل سيف الإسلام القذافي.. هل يغير قواعد اللعبة في ليبيا؟
- ليبيا.. ماذا نعلم عن -اغتيال- سيف الإسلام نجل معمر القذافي؟ ...
- مقتل سيف الإسلام القذافي في مقر إقامته في الزنتان من قبل 4 أ ...
- 4 كوماندوز عطلوا الكاميرات.. تفاصيل جديدة حول مقتل سيف الإسل ...
- اغتيال سيف الإسلام القذافي في منزله على يد 4 مسلحين
- تسلسل زمني لحياة سيف الإسلام القذافي
- مقتل سيف الإسلام القذافي.. زلزال سياسي يربك المشهد الليبي
- فريق سيف الإسلام القذافي يكشف ملابسات مقتله ويطالب بالتحقيق ...


المزيد.....

- رسالة السلوان لمواطن سعودي مجهول (من وحي رسالة الغفران لأبي ... / سامي الذيب
- الفقه الوعظى : الكتاب كاملا / أحمد صبحى منصور
- نشوء الظاهرة الإسلاموية / فارس إيغو
- كتاب تقويم نقدي للفكر الجمهوري في السودان / تاج السر عثمان
- القرآن عمل جماعي مِن كلام العرب ... وجذوره في تراث الشرق الق ... / مُؤْمِن عقلاني حر مستقل
- علي قتل فاطمة الزهراء , جريمة في يترب / حسين العراقي
- المثقف العربي بين النظام و بنية النظام / أحمد التاوتي
- السلطة والاستغلال السياسى للدين / سعيد العليمى
- نشأة الديانات الابراهيمية -قراءة عقلانية / د. لبيب سلطان
- شهداء الحرف والكلمة في الإسلام / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - مصطفى حجي - يانصيب الخلاص