أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - مصطفى حجي - الملحد العربي ... الاتِّهام والحقيقة















المزيد.....

الملحد العربي ... الاتِّهام والحقيقة


مصطفى حجي
(Mustafa Hajee)


الحوار المتمدن-العدد: 6867 - 2021 / 4 / 12 - 03:09
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


كثيرًا ما يُتَّهَم الملحد العربي بأنَّه صنيعة الغرب أو متأثِّر بأفكاره أو تابع له، وفي أحسن الأحوال يتم اتّهامه بأنّه لَمْ يُقدِّم شيئًا للبشريّة مثلما قَدَّم الملحد الغربي...
وأوَدُّ مناقشة هذا الموضوع بأن أقول أنَّ الإلحاد ليس أيديولوجيّةً أو فكرًا تنظيميًّا كما هو حال الماركسيّة أو الشيوعيّة، بل هو مجموعة مِنَ الأفكار والقناعات الشخصيّة الخاصَّة والعابرة للحدود والّتي مِنْ خلالها يَجِد الإنسان نفسه غير مؤمن أو غير مقتنع بالآلهة أو الأديان.

كما أنَّ الإلحاد مرتبط بالدين بشكل عام وليس بقومية معيّة، لذلك ينبغي أن نتجاوز مصطلحات (ملحد عربي - ملحد أوروبي - ملحد غربي) ولنلجأ إلى مصطلحات أصح وأعم كأن نقول (ملحد من خلفيّة إسلاميّة / مسيحيّة).

كما يبدو أنَّ ارتباط العرب بالديانة الإسلاميّة جعلهم يتحمّلون الوِزر الأكبر في مسألة الإلحاد، وكثيرًا ما يَتصوّر الكثيرون أنَّ الإلحاد "ظاهرة حديثة" -وخاصَّةً في المجتمع الإسلامي العربي- ، وبهذا فهم يَجهلون أنَّ الإلحاد ليس وليدَ الحاضر، بل إنَّه قد وُلِد مع اختراع البشر للآلهة والأديان، فكثير مِنَ البشر منذُ العصور الأولى اختلفوا مع الآلهة والأديان التي كانت تُقدِّسها مجتمعاتهم وكَفَروا بها.. فالإلحاد في الدِّين الاسلاميّ نشأ منذُ ظهور هذا الدِّين في القرن السابع الميلادي...
وقد كان رفض قريش لنبوَّة محمد يُمثِّل المرحلة الأولى للإلحاد في هذا المجتمع، وبعد أنْ "فَتَح" المسلمون مكّة وفرضوا فيها الأمر الواقع، وبعد دخول عرب شبه الجزيرة للإسلام كخيارٍ لا مفرَّ منه، وبعد وفاة (النبيّ محمّد) جاءَت الخلافات والنزاعات فارتدت الكثير مِنَ القبائل العربيّة عن الإسلام لتُعلِن مرحلةً اُخرى مِنَ الإلحاد بمعناه الواضح.. وبعد أنْ تمَّ إخضاع هذه القبائل المُرتدَّة بقوَّة سيف -أبو بكر- وبعد تشديد العقوبات على المرتدِّين أصبح الإلحاد يأخُذ شكلًا آخر وهو الالتزام الظاهريّ بالإسلام واستغلاله كنهج سياسيٍّ في الحُكْم (كما فعل بنو أُميَّة) عندما استلموا السلطة واستغلُّوا الإسلام لتحقيق حلمِهم بالمُلك...
فهذا يزيد بن معاوية يُعلِنها صراحةً في إحدى قصائده الّتي تقول:

لَسْتُ من خندفَ إِنْ لم أَنْتَقِمْ
من بني أَحْمَدَ مَا كَانَ فَعَلْ
لَعِبَتْ هاشمُ بالملكِ فلا
خبرٌ جاء ولا وَحْيٌ نَزَلْ

وذاك الوليد بن يزيد وهو خليفة أموي فتح المصحف ذاتَ مرّة فقرأ الآية الّتي تقول: (واستفتحوا وخاب كل جبارٍ عنيد) فألقاه ورماه بالسهام وأشعَر قائلًا:

أَتوعِدُ كُلَّ جَبّارٍ عَنيدٍ
فَها أَنا ذاكَ جَبّارٌ عَنيدُ
إِذا ما جِئتَ رَبَّكَ يَومَ حَشرٍ
فَقُل يا رَبِّ مَزَّقَني الوَليدُ

أمَّا بعد تلك الفترة مِنَ الإلحاد الأمويّ، تأتي مرحلة التمرُّد الّتي قادها المُعتزلَة الّذين كانوا منطقيين في تناوُلِهم لقضايا الدِّين إنْ لَمْ يكونوا "ملحدين" في بعض ما جاءت به نصوص الدين... ولتتبعها سِلسلة مِنَ الأفكار والتصوُّرات الّتي بَقيَتْ حبيْسة الخوف مِنَ التَّنكيلِ والتَّعذيبِ اللذَيْنِ يَتَعرَّض لهما كلُّ مَنْ يَتناول الدِّين بالشك والرِّيبة، فكان (ابن الراوندي وابن المقفع وابن الرازي وابن سينا وصولًا إلى ابن رشد) وغيرهم مِنَ الأعلام الّذينَ يُعتَبَرون علاماتٍ فارِقةٍ في التاريخ الإسلامي.

وعلى ما سبق أقول: إنَّ الإلحاد "العربي" ليسَ ظاهرةً طارِئَةً وَلِيدة الساعة كي يُنسَب إلى الإلحاد "الغربي"...
أمّا عن (ماذا قَدَّم الملحدون "العرب" للعالم) فأظنّ أنّهم قَدَّموا الكثير؛ فكما قلتُ وأسلَفت أنَّ الكثير مِنَ العلماء الّذين يَنسبهم المسلمون إلى الإسلام مثل -ابن الرازي وابن سينا وابن الهيثم- وغيرهم قد قَدَّموا في عصرِهم ما عزَّزَ عجلة التطوُّر العلمي الّذي نعيش أجواءَه اليوم، وما العِلم الّذي بين أيدينا الآن إلّا تراكُمًا للعلوم السابقة عبر الأزمنة، ولا فضل لأُمَّةٍ فيه على أُمَّة...
أمّا في العصر الراهن فأعتقد أنَّ أوروبا الّتي كانت تعيش في ظلامِ القرون الوُسطى بسبب التخلّف الدِّيني وسيطرة الكنيسة، استطاعت أنْ تأخذ زِمام المبادرة العلميّة خاصَّة بعد أنْ أعادَتْ رجال الّدين إلى كنائِسِهم وأديِرتهم وأبعدتْهم عن مواقع السُّلطة واتّخاذ القرار، لتبدأ أوروبا بهذا الثورة التكنولوجيّة والصناعيّة الكُبرى وتتقدَّم والغربُ عمومًا بِخطًى ثابتة... فيما عاد العرب والمسلمون إلى الوراء بعدما تمَّ تكفير مَنْ تَجرَّأ مِنَ العلماء على نقد الموروث الدِّيني، حتّى يُقال أنَّ نيرانَ كُتُب ابن رشد الّتي أحرقها المسلمون -بعدما اتّهموه بالإلحاد والزندقة- أضاءَتْ وأنارتْ سماء أوروبا الّتي استلهمت مِن فِكرِه الشيءَ الكثير في ثورتها العقلانيّ بعد سنوات الانحطاط في القرون الوسطى.

وإذا كان الملحد "العربي" لَمْ يُقدِّم شيئًا للبشريّة كما يدًَعي البعض، فإنَّ ذلك ناجمٌ عن الظروف البائِسة الّتي تسود المجتمعات العربيّة والاسلاميّة (فالموروث الدِّينيُّ المتخلًِف الّذي يَمنع الكثير مِنَ المبدعين العرب في إبراز مواهبهم، وافتقار الدول العربيّة والإسلامية إلى مراكز الأبحاث والدراسات والجامعات والمناهج الرَّصينة) تقف حجَر عَثرة أمام التّطوُّر في هذا المجتمع...
فالبحث عن الحلال والحرام بكل ما هو جديد، والاهتمام بالمواضيع الدِّينية السخيفة والساذجة، والبحث عن أوهام الإعجاز العلمي والعددي في القرآن، جعل مِنْ إيجاد الباحثِ والمبدِعِ مكانًا له في عالَم يدفع بِخُطاه إلى الأمام بشكل متسارِع (أمرًا مستحيلًا)، والغرب قد أمسَك بزِمام المبادرة منذُ زمنٍ بعيد ولن يعطيها لغيره؛ لأنَّ سيادة العالَم تكمُن في البحث العلميّ والتطوُّر التِّقني والتكنولوجي، وليس بالدُّعاء والصلاة والاستخارة.

لذلك مِنَ الإجحاف والظًُلم أنْ يُوضَع أو يُقارَن ما يُسمّيه المسلمون "الملحد العربي" مع أقرانِه في الغرب؛ لأنَّ ظُروفه الّتي يعيش فيها ليست كظروف الملحد في الغرب، والمجتمع الّذي يعيش فيه الملحد "العربي" يقف حاجِزًا أمامه، بل إنَّ مجتمعه قاتِلٌ لأفكارِه (إنْ لَمْ يَكُن قاتِلًا لحياتِه) أمّا عن المجتمع الّذي يعيش فيه الملحد "الغربي" فيحتويه ويدعمه بل ويحميه...

تلك هي المُفارَقَة!

تحيّاتي.






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حياة عدميّة ... بإله أو بغير إله
- إبليس يَشكُو مأساتَه ويُدافِع عن نَفسِه
- توضيح لمقولة آينشتاين -إنَّ الله لا يلعب بالنرد- وما شابهها
- حول - رِهان باسكال -
- الدنيا دار اختبار، لكَ فيها حرِّيّة الاختيار
- الإلحاد: مُسَوِّغ نبذ الله .. الجزء الثّاني
- الإلحاد: مُسَوِّغ نبذ الله .. الجزء الأوَّل
- عندما قرَّر الله أن يخلق الكون
- كنصيحة منّي أنا الإنسانُ الفقير إلى العلم
- مِنْ أجلِ أنْ تَرى الواقع
- ردًّا على السؤال المتكرِّر : -لماذا أنتقد الإسلام دون بقيَّة ...
- مسيلمة رحمن اليمامة، وما أدراك ما الرحمن... الجزء الرابع وال ...
- مسيلمة رحمن اليمامة... وما أدراك ما الرحمن !. الجزء الثالث
- مسيلمة... رحمن اليمامة، وما أدراك ما الرحمن. الجزء الثاني
- مسيلمة... رحمن اليمامة، وما أدراك ما الرحمن
- فَنُّ صِنَاعَةِ الإِعجَاز
- قرآن محمّد وشِعر أميّة بن أبي الصلت
- هل الله يتحكم بمشيئة البشر أم البشر هم من يتحكمون بمشيئة الل ...
- القرآن والله وقضيّة علم الغيب ... -عَجَبَاً-
- الإله كلّي العجز ... أخي المؤمن لا تستسلم


المزيد.....




- السيد حسن نصر الله: كلما اتحد المسلمون انتصروا في كل الساحات ...
- المجلس الرئاسي الليبي يتحدث عن فرص ترشح سيف الإسلام القذافي ...
- السيد نصر الله: من بركات الامام الخميني وانتصار الثورة الاسل ...
- السيد نصر الله: من بركات الامام الخميني (قدس سره) أنه دعا ال ...
- السيد نصر الله: لا يمكن أن نعرف الاسلام ولا أن نعرف الشريعة ...
- السيد نصرالله:من بركات الإمام الخميني (قدس) جعله 12 الى 17 ر ...
- ما إمكانية التحالف بين حفتر وسيف الإسلام في الانتخابات الرئا ...
- مصر.. فتوى حول زرع أحد أعضاء الخنزير في جسم الإنسان للتداوي ...
- ما إمكانية التحالف بين حفتر وسيف الإسلام في الانتخابات الرئا ...
- زعماء أوروبا يصفقون لميركل وقوفا في آخر قمة لها: قمة أوروبية ...


المزيد.....

- كتاب ( تطبيق الشريعة السنّية لأكابر المجرمين في عصر السلطان ... / أحمد صبحى منصور
- التنمية وواقعها الاممي / ياسر جاسم قاسم
- الحتمية التنويرية مدخل التزامن الحضاري / ياسر جاسم قاسم
- حول الدين والدولة والموقف من التدين الشعبي / غازي الصوراني
- الأمويون والعلمانية / يوسف حاجي
- نشوء الكون وحقيقة الخلق / نبيل الكرخي
- الدين المدني والنظرية السياسية في الدولة العلمانية / زهير الخويلدي
- صابئة فلسطين والغنوصية المحدثة / أحمد راشد صالح
- حوارات ونقاشات مع قوى الإسلام السياسي في العراق / كاظم حبيب
- العَلمانية في الحضارة العربية الإسلامية (التحديات والآفاق) / شاهر أحمد نصر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - مصطفى حجي - الملحد العربي ... الاتِّهام والحقيقة