أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - مصطفى حجي - الإلحاد: مُسَوِّغ نبذ الله .. الجزء الثّاني















المزيد.....

الإلحاد: مُسَوِّغ نبذ الله .. الجزء الثّاني


مصطفى حجي
(Mustafa Hajee)


الحوار المتمدن-العدد: 6579 - 2020 / 5 / 31 - 01:32
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


لا حدود لصفات الله، صفاته مُطلَقة، وجوده مُطلَق، هو صاحب القدرة المطلقة، هو مُطلَق الرحمة ومطلق العدل وهو على كلّ شيءٍ قدير.

بتلك الجملة الآنف ذِكرها سيرد المؤمنون في محاولة يائسة أخيرة عندما يعجزون عن إجابة سؤال الإلحاد للمؤمنين "ما هي طبيعة الإله وماهيّته؟".

لكن... هل تنجح الصفات المطلقة التي أخترعها المؤمنون وألبسوها لإلههم العجيب في انتشاله من مستنقع التناقض الّذي يغوص فيه؟.
واقع الأمر يختلف تمامًا...

أوّلًا: سفسطة الصفات المُطلَقة تتناقض مع الأُسُس الّتي يقوم عليها إدراك الإنسان للوجود.

إدراكنا لوجود الشيء يعني أنْ نُدرك وجود شيء محدّد بصفات وسِمات محدَّدة معيّنة، والمؤمنون يرفضون تحديد إلههم بصفاتٍ أو سمات لأنّهم يُدركون أنَّ التحديد يَبني حدودًا والحدود تقتل الألوهيَّة.

الصفات المطلقة أو اللامحدودة المسبوغة على الإله هي لعبة مكشوفة فاشلة؛ لأنَّها تُناقض نفسها مثل "مُطلَق الرحمة ومطلق العدل ومُطلَق القُدرة"...
لنفترض أنَّ الله الآن يُحاكِم قاتِلًا أمامه، وكونه مُطلَق العدل فصفته هذه تُجبره على أنْ يُعاقِب المجرم بقدر جرمه، أمّا كونه مطلق الرحمة فهذه الصفة تُجبره على أن يَصفَح ويعفو عن المجرم... تلك صفتان يستحيل أنْ تجتمعان معًا لدى كيانٍ واحد، بالتالي وَجَب على الإله الآن تعطيل إحدى الصفتين لكِي يَحكُم بالأُخرى، لكنَّا نتحدث عن "الإطلاق" هنا وهذا يمنع تعطيل الصفة المُطلقة فهي موجودة وتعمل دائمًا وغير محدودة وعصيّة على التعطيل حسب تعريف الإطلاق نفسه.

نرى مما سبق أن الجمع بين صفتي "مطلق الرحمة ومطلق العدل" مستحيلٌ منطقيًّا، كما أنَّ تعطيل إحداها لاستمراريّة الأُخرى يُلغي صفة الإطلاق منها وبهذا تكون صفةً محدودة... هنا سيقف الإله عاجزًا أمام تناقض الصفات وهذا أيضًا أمر يناقض صفة "مطلق القدرة" لدى الإله نفسه فقد توضّح لدينا من المثال السابق عجزه عن إيجاد حلٍّ لمعضلة التّوفيق بين الصفات المُطلَقة غير المحدودة.

ثانيًا: نفي المؤمن لما نُدركه مِنْ "ماهيّات" وجوديّة عن الله يجعل منه عدمًا؛ لأنَّ العدم في جوهره نفيٌ لجميع أشكال الوجود.

المؤمن يقول أنَّ الله ليس بمادّة، وأنا أقول والعدم كذلك، المؤمن يقول أنَّ الله صمدٌ ثابتٌ خالدٌ لا يتغيَّر، وأنا أقول والعدم كذلك، المؤمن يقول الله خفيٌّ عن الأنظار، وأنا أقول والعدم كذلك، المؤمن يقول الله لا تحدُّه حدود وأنا أقول والعدم كذلك... وهكذا يمكننا المرور على جميع ماهيَّات الوجود الّتي يتذاكى علينا المؤمن بها وننسبها للعدم، فما الفرق بين إلهه والعدم؟ ما الفرق بين الله وبين اللاوجود؟.
إمَّا أنْ يكون الله يساوي العدم أو أنْ يمتلك ماهيّةً أو صفةً تميِّزه عنه، ماهيّةً "تحدِّد هويته" بشكلٍ واضحٍ لا لِبْسَ فيه.

ثالثًا: دون معرفة مسبقة لطبيعة الله لا يمكن الجزم بما هو ليس عليه.

عندما أصف طعم الليمون بالقول أنّه "ليس حلوًا" فهذا يعني امتلاكي معرفةً مسبقةً عن طعم الليمون لأعلم ما هو ليس عليه وبالتالي أُقِرُّ بأنَّ طعمه "ليس حلوًا"، وكذلك حين يقول المؤمن أن الله "ليس مادة" أو لا يتكوّن مِنْ ذرّات ماديّة، أو حين يقول أنَّ الله "ليس طاقة" أو لا يتكوَّن من "كوانتم" فهو يقول ضمنيًّا أنّه يعرف شيئًا عن الله يؤهِّله لإسباغ هذه "الصفات" عليه...
بعبارة أُخرى: عندما ينفي المؤمن سِمات معيّنة عن الله فهذا يستوجب معرفته لسمات الله الفعليّة، لكن في الواقع هو لا يمتلك أيّ سِمة أو صفَة لإلهه ليُخبرنا بها، بالتالي نفيُه لا يستند على أي معرفة بطبيعة الإله المزعوم وهنا يكون قد وقع في مغالطة شائكة يستحيل عليه الخروج منها.

وبهذا نعود إذًا إلى المربّع الأوّل: المؤمنون عاجزون عن شرح فكرة الإله المزعوم؛ لأنّ الصفات المطلقة الّتي يُراد بها إنقاذ فكرة الإله تفترض معرفةً مسبقة بفكرة الإله أولًا!...
تناقض ودوران وتخبُّطٌ في متاهات.

وحينما يواجه المؤمنون حتميّة فشل "الصفات المطلقة" تجدهم يعودون ويختبؤون خلف جدار "عجز الإنسان عن معرفة الله" وبهذا يكونون "كَمن فَسَّر الماء بالماء".
يعودون للحديث عن إدراك ما لا يمكن إدراكه وفهم ما لا يمكن فهمه وشرح ما لا يمكن شرحه، يعودون إلى التناقض المذكور سابقًا فما عساهم يفعلون الآن وكيف سينقذون فكرة الإله من كل هذه التناقضات؟...

للخلاص من إشكاليّة الصفات "المطلقة" المتناقضة مع نفسها والّتي تُضيف المزيد مِنَ الغموض إلى فكرة الإله الغامضة أساسًا، يَلجأ المؤمنون إلى بعض الصفات الحقيقية "أو المفهومة" علّها تنقذ فكرة الإله مِنَ الغرق في بحر التناقضات...

الرَّحمة، الحكمة، الإرادة، العدل، وغيرها العديد من الصفات الّتي يُمكن للعاقل إدراك معناها وكُنْهَها ودلالتها، صفات تشكِّل غالبيّة أسماء الإله الإسلامي والأب المسيحي ويتّفق المؤمنون على أنَّ إلههم المعجز يمتاز بها.

لكن هذه الصفات تفشل في إضفاء ما مِنْ شأنه أنْ يجعل الإله المزعوم فكرة أقرب إلى الذّهن و الإدراك لعدَّة أسباب وهي:

- جميع هذه الصفات ثانويّة، تشرح "شخصيّة" الإله إنْ صحَّ التّعبير ولا تشرح ماهيَّته... "الله غفورٌ رحيم" أو "الله محبّة" لا تُفسِّر ماهيّة هذا "الكيان" الرحيم والمحب.
قبل أن يُلبِس المؤمنون لفكرة الإله صفةً تُحدِّد شخصيَّته عليهم أنْ يشرحوا ماهيّة وطبيعة الموصوف، وهذا أمرٌ تَعجز الصفات المذكورة عنه.

- إدراك هذه الصفات قائمٌ على أساس قياسها على الطبيعة البشريّة لكنَّها تفقد معانيها ما أنْ نُسبِغها على موصوف "غير بشري وغير محدود" حسبما يَدَّعي المؤمنون.

عندما يدّعي المؤمنون أن الله حيٌّ فهل يقصدون أنّه حيّ مثل كل كائنٍ حيٍّ نعرفه؟ إنْ كان الجواب بالإيجاب فهذا يعني أنّ الله كائنٌ ماديٌّ يَحيا بفعل بعض "العمليّات البيولوجيّة" ويموت في نهاية المطاف عند توقّفها...
حين يقول المؤمنون أنّ الله حكيم فهل يتحدّثون عن صفة الحكمة بمفهومها البشري؟ إن كان الجواب بالإيجاب فهذا لا يعصم الإله مِنَ الوقوع في الخطأ، شأنه شأنَ أيّ إنسانٍ حكيمٍ عالِم يمكن رغم حكمته وعلمه أنْ يُخطِئ في مرَّة مِن المرّات، و هَلُمَّ جرًّا بالنسبة لباقي الصفات البشريَّة المسبوغة على الإله.

إنْ حاول المؤمنون أنْ يُلْصِقُوا صفاتًا حقيقيّةً معقولة على فكرة الله أو الإله مع الحفاظ على مفهومها البشري فإنّهم ينزلون بإلههم إلى نوع مِنَ الحياة المادّية (ربَّما نوع جبّار مثل سوبرمان)، ولتلافي هذا يَدَّعون أنَّ معنى الصفات عندما يُسبغونها على الإله يختلف عن معناها حين نَصِفُ بها البشر... وهنا يقعون في مأزق جديد، فما معنى أن يكون الله حيّ إن كان معنى الحيّ الّذي نُدركه ونفهمه لا ينطبق على الله؟ وما معنى القول أنَّ الله حكيم إنْ كانت الحكمة بمفهومنا البشري لا تنطبق على الإله؟...

وبهذا فعندما يَدَّعي المؤمنون أنّ "الله حيٌّ حكيم" فهم في الحقيقة يقولون أنَّ كائنًا غير مفهوم لنا يمتلك صفةً غير مفهومة لنا تتناسب مع طبيعته غير المفهومة لنا.

ماذا بقيَ إذًا مِنْ فكرة الله؟ كيف يمكن للمؤمنين أنْ يَشرحوا ما يقصدونه حين يقولون "الله"؟!.

" الله " فكرة عصيّة على الإدراك والفهم حسبما يدّعي المؤمنون فيكف يدركونها ويفهمونها كُلًّا أو جزءًا؟.

" الله " فِكرة ضبابيَّة هُلاميَّة دون معالم، الله فِكرة أَشبَه بالرِّمال المُتحرِّكَة الَّتي يَغرَق المؤمنون في تناقضاتها كُلَّما فتحوا أفواههم محاولين شرحها.

" الله " كلمة مِنْ دون معنى، ولإضفاء العقلانيَّة على ما هو غير معقول يُحارب المؤمنون به عقولهم ويُحاولون شرح الفِكرة بإسباغها صفاتًا ليستْ بصفات، لينتهوا بتناقضاتٍ داخليَّةٍ تَنسف الفِكْرة مِنْ أساسها وإذ بهم يعودون ليعترفوا أنَّ الفكرة غير قابلة للشَّرح والفهم والإدراك!.
وكأنّي بهم يدورون في حلقة مُفرَغة مُكَابَرةً وخَيْلاءً وهُم لا يُكابِرون إلَّا على حساب عقلانيَّتهم ومنطقيَّتهم أولًا وأخيرًا.

أفضَل ما يُمكن لهم أنْ يفعلوا هو أنْ يَلوذوا بالصَّمت عِوَضَ الحديث عن الله المزعوم، فما عساهم يَشرحون والفِكرة لا يُمكن شرحها كما يَعترفون؟ كيف بهم يُفَسِّرون فكرةً عصيّةً على التفسير كما يدّعون؟.
ما زالوا هم أنفسهم لا يعلمون عن إلُههم أكثر ممّا نعلم نحن فهم حتمًا أَعجَز مِنْ أنْ يُحدّثونا بما لا يعلمون، "ونحن نعلم".

والسَّلام على مَنِ اتَّبَع هُدَى العقل.

تحيّاتي.






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
نادية خلوف كاتبة واديبة وناشطة نسوية من سوريا في حوار حول تجربتها الحياتية ونضالها اليساري والنسوي
أحمد عصيد كاتب وباحث في حوار حول الدين و الاسلام السياسي والانتقال الديمقراطي والقضية الأمازيغية


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الإلحاد: مُسَوِّغ نبذ الله .. الجزء الأوَّل
- عندما قرَّر الله أن يخلق الكون
- كنصيحة منّي أنا الإنسانُ الفقير إلى العلم
- مِنْ أجلِ أنْ تَرى الواقع
- ردًّا على السؤال المتكرِّر : -لماذا أنتقد الإسلام دون بقيَّة ...
- مسيلمة رحمن اليمامة، وما أدراك ما الرحمن... الجزء الرابع وال ...
- مسيلمة رحمن اليمامة... وما أدراك ما الرحمن !. الجزء الثالث
- مسيلمة... رحمن اليمامة، وما أدراك ما الرحمن. الجزء الثاني
- مسيلمة... رحمن اليمامة، وما أدراك ما الرحمن
- فَنُّ صِنَاعَةِ الإِعجَاز
- قرآن محمّد وشِعر أميّة بن أبي الصلت
- هل الله يتحكم بمشيئة البشر أم البشر هم من يتحكمون بمشيئة الل ...
- القرآن والله وقضيّة علم الغيب ... -عَجَبَاً-
- الإله كلّي العجز ... أخي المؤمن لا تستسلم
- في نفي وجود الإله
- التحدي الفاشل -فأتوا بسورة من مثله-
- خواطر شخص لا ديني قد لا تفيد ، لكنها لن تضر
- يا من تؤمن بإلهك ... انظر إلى الآلهة القديمة


المزيد.....




- السيد حسن نصر الله: كلما اتحد المسلمون انتصروا في كل الساحات ...
- المجلس الرئاسي الليبي يتحدث عن فرص ترشح سيف الإسلام القذافي ...
- السيد نصر الله: من بركات الامام الخميني وانتصار الثورة الاسل ...
- السيد نصر الله: من بركات الامام الخميني (قدس سره) أنه دعا ال ...
- السيد نصر الله: لا يمكن أن نعرف الاسلام ولا أن نعرف الشريعة ...
- السيد نصرالله:من بركات الإمام الخميني (قدس) جعله 12 الى 17 ر ...
- ما إمكانية التحالف بين حفتر وسيف الإسلام في الانتخابات الرئا ...
- مصر.. فتوى حول زرع أحد أعضاء الخنزير في جسم الإنسان للتداوي ...
- ما إمكانية التحالف بين حفتر وسيف الإسلام في الانتخابات الرئا ...
- زعماء أوروبا يصفقون لميركل وقوفا في آخر قمة لها: قمة أوروبية ...


المزيد.....

- كتاب ( تطبيق الشريعة السنّية لأكابر المجرمين في عصر السلطان ... / أحمد صبحى منصور
- التنمية وواقعها الاممي / ياسر جاسم قاسم
- الحتمية التنويرية مدخل التزامن الحضاري / ياسر جاسم قاسم
- حول الدين والدولة والموقف من التدين الشعبي / غازي الصوراني
- الأمويون والعلمانية / يوسف حاجي
- نشوء الكون وحقيقة الخلق / نبيل الكرخي
- الدين المدني والنظرية السياسية في الدولة العلمانية / زهير الخويلدي
- صابئة فلسطين والغنوصية المحدثة / أحمد راشد صالح
- حوارات ونقاشات مع قوى الإسلام السياسي في العراق / كاظم حبيب
- العَلمانية في الحضارة العربية الإسلامية (التحديات والآفاق) / شاهر أحمد نصر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - مصطفى حجي - الإلحاد: مُسَوِّغ نبذ الله .. الجزء الثّاني