أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - مصطفى حجي - مسيلمة رحمن اليمامة، وما أدراك ما الرحمن... الجزء الرابع والأخير















المزيد.....


مسيلمة رحمن اليمامة، وما أدراك ما الرحمن... الجزء الرابع والأخير


مصطفى حجي
(Mustafa Hajee)


الحوار المتمدن-العدد: 6453 - 2020 / 1 / 2 - 22:31
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    


(الجزء الرابع والأخير - منهجه، تحالفاته، حروبه ونهايته)

(التاريخ يكتبه المنتصر، لكن ذلك لا يمنع تسريب ومرور بعض الأخبار الصحيحة والصائبة، وإنْ كانت صعبةً في الإيجاد وتتطلَّب البحث الطويل المتأنّي، والكثير مِن الاجتهاد والصبر 🙂).

منهج مسيلمة في نشر دينه

لم تذكر كتب التاريخ الإسلامي كيفية انتشار دين مسيلمة وهي تخلوا تمامًا من أخباره، رغم أن تأثيره كان ممتدًّا ومتوَسِّعًا في شرق وشمال الجزيرة العربية خاصّةً بعد أن أقام مسيلمة تخالفاته مع سجاح وبني تميم...
وأنا هنا أقول "تأثيره" لأننا لا نجد في مصادر المسلمين وكتب تاريخهم أنه غزا قبيلةً أو قومًا أو مدينة، ولا نجد أنه أقام أي حرب ولا معركة، بل على العكس تمامًا، قُبيل تحالف مسيلمة مع سجاح تقرر سجاح أن تُحارب مسيلمة وقد قادت جيشًا كبيرًا فينجح مسيلمة بجرّها إلى إقامة تحالف معه، بل إن مسيلمة نجح في جعل سجاح تتنازل له عن النبوة المزعومة واقترحت عليه أن يتزوّجها حيث قالت: "إن مثلي لا يجري أمرها هكذا، ولكن إذا خرجت اعترفتُ لك بالحق، واخطبني إلى قومي فإنهم يزوّجونك، ثم أقود بني تميم معك" وقالت أيضاً أن مسيلمة حينما اجتمعت به قد قرأ عليها ما نزل عليه من الوحي فوجدته حًقّا فقالت له "قد سلَّمتُ الأمر إليك". (الفخري:74-75).

كما نجد أن مسيلمة -حسب المصادر الإسلامية- قد عرض على محمد بن عبد الله أن يتحالف ويتقاسم النبوّة معه لكن محمّدًا قد رفض ذلك...

هذان الحدثان ـ تحالفه مع سجاح ورغبته في التحالف مع محمد - يمكن أن يكونا مفتاحًا لقراءة منهج مسلمة الحنفي في الانتشار، فالرجل يتبع منهجًا خاصًّا بين أحناف الجيل الأول باستخدام (التأثير وليس الفرض) في نشر الدعوة لعبادة الرحمن، وهو كان أيضًا أسلوب محمد في مكة في بدايات ادّعائه للنبوة، حيث كان شعاره "لا إكراه في الدين"، ثم انقلب لاحقاً على هذا المنهج عندما أصبح في يثرب (حاكماً) مطاعاً وأصبح شعاره "قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله"...
ولقد ظل مسلمة على منهجه الخاص حتى بعد أن أصبح لديه من الأتباع ما يمكن أن يغزو به أماكن كثيرة، بل كان من الممكن أن يغزو يثرب ومكة، لكن مسيلمة لم يفعل هذا.

وحتمًا يبدو أن منهج مسيلمة هذا "التأثير" قد كان ناجحًا فقد استطاع أن يحوز على ولاء أتباعه تمامًا، فالأتباع حتمًا سيكونون أقل إيمانًا مما لو كان دينهم قد فُرِض عليهم فرضًا، والذي يدعم استنتاجي هذا هو رفض بني حنيفة المساهمة في حروب الردة مع المسلمين بعد مقتل مسيلمة، فقد اكتفوا بمنع اليمامة من ساكني نجد وتهامة، ورفضوا أن يصطفوا مع ثمامة. (كتاب الردة:239).

هذا على عكس منهج محمد الذي اعتمد على الغزوات والفَرض(لا التأثير)، فما كان مِمن اتّبعوا دين محمّد فرضّا إلا أن تركوا الإسلام فور سماعهم بموت محمّد، وقد ذكرت كتب المسلمين بأن غالبية من اتّبعوا دين محمّد في الجزيرة العربية قد ارتدّوا، ولم يبقَ على دين محمد إلّا يثرب "المدينة" ومكّة، بل إنه حتّى مكّة كادت أن ترتد.

صِراع التنبّؤات

إن خبر رغبة مسلمة الحنفي في إقامة تحالف مع محمد بن عبد الله يكشف لنا الصراع الخفي بين النبوءات التي كانت سائدة في وقت واحد بتلك الفترة، والتي تمثّلت في كل من:
- نبوءة في اليمامة (مسلمة الحنفي) وهي أقدم النبوءات، وقد تلخّصت بالدعوة إلى عبادة (الرحمن)، واليمامة أو العروض التي تشمل شرق الجزيرة العربية بالكامل، وقيل أنها العروض لاعتراضها بين نجد واليمن (الأدب العربي وتاريخه :23)، وكان العلاء بن الحضرمي "وقد ولّاه محمد على البحرين ولم يعزله أبو بكر (جمهرة أنساب العرب:461)" كان يردد نصوص مسلمة بصفتها نتاجًا حنيفيًّا حتى نهاه أبو بكر عن ذلك بعد أن تم القضاء على نبوءة اليمامة بقتل مسيلمة وإبادة أتباعه زمن أبي بكر .

- نبوءة في الحجاز (مكة ـ يثرب - الطائف) (محمد بن عبد الله) بدأت بالدعوة إلى عبادة الله ثم أدخلت الرحمن ضمن منظومتها فأصبح الله هو الرحمن أيضاً، "ولقد مات محمد وهو نبي الحجاز فقط"، ويمكن الاستدلال على ذلك مما جاء في وصيّته: أخرجوا يهود الحجاز المسند للشاشي: 298)، بينما كان له أتباع في اليمن وفي العروض يُشكّلون أقليّة.

- نبوءة في اليمن (عبهلة العنسي)، تم القضاء عليها قبل
وفاة محمد بن عبد الله عن طريق الاغتيال (الاغتيال السياسي: 20)، ورد عن العنسي أنه كان كاهنًا، يسبي قلوب من سمع منطقه، وُلِد في خبّان ولم يبقَ من نصوصه إلّا جُمَل تُنسب في الأعم الأغلب إلى مسيلمة الحنفي...

إضافة إلى هذه النبوءات كانت هنالك نبوءات متأخّرة (أو هذا ما ادّعته كتب الأخبار الإسلامية) مثل سجاح في بني تميم وتغلب، وطلحة بن خويلد الأسدي في بني أسد وغطفان وفزارة (الردة: 100)، وقد سمّته المؤسسة الإسلامية "طليحة" تصغيرًا له أسوةً بمسيلمة، ويبدو أنه كان يدعو أيضًا إلى عبادة الرحمن فقد ورد أن "جعونة بن مرثد الأسدي" قال مخاطبًا بني أسد:

وأقسم بالرحمن أن قد غويتم
بني أسد، فاستأخروا أوتقدموا
فإنّي وإن عبتم على سفاهة
حنيف على دين النبي ومسلم
(كتاب الردة:115-116).

من تيار الحنيفية في شبه الجزيرة انطلق الأنبياء العرب، لذا كانت الحنيفية هي الخيمة التي يتحركون تحتها، ولهذا نجد تقديم الحنيفية على الإسلام في المتبقيي من المحاججات كان سائدًا أثناء الصراع الذي تم حسمه في النهاية لصالح المسلمين فأصبح الاكتفاء بذكر الإسلام دون
الحنفية. يمكن تلمُّس نمو الحنيفية إلى الإسلام من خلال قول "أُميّة بن أبي الصلت" أمام عمر بن نفيل:

"كل دين يوم القيامة -عند الله- سِوى الحنيفيّة زور"

فإذا تتبّعنا ذلك في نصوص القرآن وجدنا ورود "حنيفاً مسلماً" بتقديم الحنيفية باعتبارها إطارًا أو أساساً، بينما الإسلام كفرع منها، حتّى أصبح فيما بعد "الدين عند الله الإسلام"...

ولم يكن في البداية ثمّة تنافس بين هذه النبوّات، على العكس تمامًا، كان هناك تحالفات خفيّة على تقاسم الأرض يوم كان محمد بمكة (يمكن اعتماد رسالة مسلمة الحنفي سنداً لهذا الرأيي)، ثم أن النبوءات كلها كانت تجري ضمن
مجرى الحنيفية العام، كان الجميع حنيفًا، وكان الاختلاف طفيفًا، ربّما في عدد الصلوات وطريقة أدائها، فعند طلحة بن خويلد "أن الله لا يحتاج إلى تعفير وجوهكم، وفتح أدباركم، ولا يريد منكم ركوعاً ولا سجودا، ولكن يريدكم أن تذكروه قيامًا وقعودا" (كتاب الردة: 134)، أو ربّما اختلفوا في كيفيّة الصيام أو في عدد أيّامه فقد ورد عن مسلمة الحنفي أنه قال مخاطبًا قوم سجاح "أتصومون يومًا، وتكلفون يومًا"
(تاريخ الرُّسُل والملوك: أحداث سنة 11).

إلا أنّ احتواء محمّد لمركز الجزيرة بعد فتح مكّة، أدّى إلى نموّه كقوّة ساسيّة تُهدِّد أمن القبائل والنبوءات الأُخرى.

تحالف النبوءات

تزوّج مسلمة الحنفي من سجاح نبيّة بني تميم وتغلب، وكانت قد سارت إليه، وسلَّمت عليه بالنبوّة، وقالت : بلغني أمرك، وسمعت نبوّتك، وقد أقبلتُ عليك، وأحببتُ أن أتزوجك، (الردة: 170/171). وأنها بعد أن استمعت إلى سُوَر من قرآن مسيلمة قالت مؤمنةً به : أشهد أنك نبي، قال: «هل لكِ أن اتزوجكِ فآكل بقومي وقومكِ العرب»، قالت: نعم، (تاريخ الرسل والملوك: أحداث سنة 11)، بينما
يذكر العسكري أن مسلمة قال لسجاح: هل لكِ أن تزوجيني نفسكِ، فيكون الملك بيننا، ونُخفِّف عن عشيرتنا؟، (الأوائل:292)، وأعتقد أن رواية العسكري أكثر قربًا لمنهج مسلمة الحنفي، فالفرق شاسع ما بين "آكل بقومي وقومك العرب" وبين "نخفّف عن عشيرتنا".

كان للزواج بُعدٌ سياسي أيضاً، فهو تحالف ثنائي ضد طموح محمد بن عبد الله وخليفته أبي بكر الصديق بالإنتشار على حساب النبوءات الأخرى الموجودة في شبه الجزيرة، يمكن تلمّس ذلك من نص مسلمة الحنفي: «إن بني تميم قومٌ طُهْرٌ لقاح، لا مكروه عليهم ولا إتاوة، نجاورهم ما حيينا بإحسان، نمنعهم من كل إنسان، فإذا متنا فأمرهم إلى الرحمن، (تاريخ الرسل والملوك: أحداث سنة11)، وأُحبُّ التركيز على جملة "نمنعهم" فإنها تُقِرُّ الدفاع ولا تُقِرُّ الهجوم، وهو ما تم فعلًا فقد تراجعت سجاح عن مشروعها في غزو يثرب، وهذا يُسقِط رواية الطبري "آكل بقومي وقومك العرب"، ويثبت رواية العسكري "نخفّف
عن عشيرتنا".

ويبدو أن الرسالة التذكيرية من مسلمة الحنفي إلى محمد بن عبد الله التي يقول فيها : "لنا نصف الأرض ولقريش النصف، إلّا أن قريش قوم يعتدون" -في بعض المصادر إنها كانت جزءًا من قرآن مسلمة- يبدو أنّها جعلت محمداً بفكِّر بغزو الشمال، فاتّجهت عينه إلى خارج شبه الجزيرة
حيث (مؤتة) دون أن بفكِّر بالانتشار شرقًا حيث كان النصف الذي يتولّاه مسلمة الحنفي، بل إن محمداً لم يفكِّر باغتياله كما فعل مع عبهلة العنسي في اليَمن، وهذا ما يدفعني إلى التشكيك بصحّة إتهام محمد له بالكذّاب، بل
حتّى التشكيك بصِحَّة رد محمد بن عبد الله ، وأن قول مسلمة: "لنا نصف الأرض ولقريش النصف" هو جزء من قرآنه فعلًا، وأنَّ محمّدًا كان معترفًا بهذا.

حروب مسيلمة مع المسلمين بعد موت محمد

لمْ يَرِد في كتب الأخبار أنّ مسلمة الحنفي حارب قومًا أو غزا غزوة، على العكس تمامًا، كان يسعى إلى التحالف مع أي جهة يمكن أن تهدد أمن اليمامة، هذا ما ذكره المؤرخون في تحالفه مع سجاح، وقد كانت تنوي غزو اليمامة، ثمّ تتجه بعدها إلى غزو يثرب، غير أنّ مسلمة بتحالفه معها ردَّها عن فكرة الغزو توافقًا مع منهجه في الانتشار عبر
التأثير لا الفرض.
ومع هذا فقد أُجبِر في النهاية على خوض الحرب مع إسلام
قريش، الممثل الآخر للحنيفية في شبه الجزيرة العربية.

هل هي حروب ردّة حقًّا؟

تتحدّث كتب الأخبار الإسلامية عن ارتداد أكثر العرب بعد موت محمد بن عبد الله في السنة الحادية عشرة للهجرة، كما إنها تتحدث عن ظهور أنبياء في صنعاء واليمامة وأماكن أُخرى من شبه الجزيرة العربية، وتؤكد بعض الأخبار أنّ بعض هؤلاء الدعاة كانوا موجودين في حياة النبي محمد كأنبياء، حتى أنه -أي محمّد- قد خطَّط لاغتيال عبهلة العنسي أحد مدّعي النبوّة في صنعاء وتحقّق له ذلك قبل وفاته، دون أن يرد خبر بخصوص موقف محمد إزاء مسلمة الحنفي سِوى رسالة يَتَّهِمه فيها بالكذب، ولا أرى إلّا أنّ هذه الرسالة قد وُضِعَتْ عليه فيما بعد وأنَّها ليست مِن موقِف محمّد تجاه مسلمة في شيء.

المؤرِّخ اللبناني (فيليب حتي) في كتابه "العرب تاريخ موجز" ينفي صفة الرِّدَّة عن الحروب التي تلت وفاة محمد بن عبد الله قائلاً: «إن المقاطعات التي أسلمت في حياة النبي وخضعتْ لسلطته لم تتجاوز على ما نعتقد ثُلُث الجزيرة، وذلك لصعوبة المواصلات، ولعدم قيام الدعوة المنظّمة، ولقصر المدّة الواقعة بين بعثة محمد ووفاته. والحجاز نفسه لم يُسلِم بأكمله حتّى سنتين بعد وفاة محمد، فحروب الردة التي قام بها أبو بكر إذن لم يكن المقصود منها إعادة المرتدين إلى حظيرة الإسلام -كما يزعم المؤرخون- بل كان الهدف منها هو إدخال العرب غير المسلمين في حظيرته» (العرب تاريخ موجز: 198)، وهذا يعني تمامًا أنّ الجهاد لم يكن في سبيل الدعوة إلى الدين، وإبلاغ رسالته إلى العالمين، وما يكون لنا أن نفهم إلّا أنّه كان في سبيل المُلْك، ولتكوين الحكومة الإسلامية...
وقد سبق أن ناقشنا مسألة عدم دخول مسلمة الحنفي في الإسلام، وبالتالي لا يمكن اعتباره مرتدًّا، فكيف يرتد عن فكرة ما لم يؤمن بها أصلًا؟!!!
وما كانت حروب أبي بكر ضدَّ مسيلمة إلّا إبقاءًا لسلطة قريش على الجزيرة العربيّة ومنعًا لانتشار سُلطة اليمامة على حساب سُلطة قريش في الحجاز "رغم التحالف والسِّلم المُقامان "غالِبًا" بين محمّد ومسيلمة (راجع الأجزاء السابقة من البحث).
وعليه فما اتُّفِق على تسميتها بحروب الردة لم تكن في الحقيقة إلّا حروبَ نفوذٍ بين أطياف الحنيفية في شبه الجزيرة العربية استُخدِمتْ الإبادة فيها كوسيلة للانتشار، وقد بدأها المسلمون تحت ذريعة لجوء بعض أتباعهم إلى اتِّباع أنبياء آخرين غير محمّد بعد موته.

لم تكن حروبًا لإعادة المرتدّين لدين الإسلام، كانت حروب إبادة...

جاء في وصيّة أبي بكر لخالد بن الوليد وكان قد توَجَّه لبني حنيفة بعد انتصاره على بني أسد وغطفان: «إيّاك يا ابن الوليد ونخوة بني المغيرة، فإنّي عصيتُ فيك من لم أعصِه في شيء قط، فانظر بني حنيفة، فإنّك لَمْ تلْقَ قومًا يشبهونهم، كلّهم عليك ولهم بلاد واسعة. فإذا قدمت فباشِر الأمر بنفسك، واستشر مَن معك مِن أصحاب رسول الله، واعرف لهم فضلهم. فإذا لقيت القوم فاعد للأمور أقرانها. فإن أظفرك الله بهم فإيّاك والإبقاء عليهم. أَجْهِزْ على جريحهم، واطلب مُدبِّرهم، واحمل أسيرهم على السيف، وهَوِّل فيهم القتل، وخوِّفهم بالنار. وإيَّاك أنْ تخالف أمري. والسلام»، (مختصر سيرة الرسول: 186)، وفي رواية أُخرى «فإن أظفرك الله بهم، فلا تُبقِ منهم أحدا»، (مختصر سيرة الرسول: 193).

ولإيضاح معنى قول أبو بكر : "وخوِّفهم بالنار"، نجد أنّ الشيخ محمد بن عبد الوهاب يورد نقلًا عن الواقدي أثناء حديثه عن حرب خالد مع بني أسد وعامر : «أنّ خالدًا جمع الأسرى في الحظائر، ثم أضرمها عليهم فاحترقوا أحياء، (مختصر سيرة الرسول: 180).

تؤكِّد كتب الأخبار أنّ المسلمين هم من ذهبوا بدءًا لمحاربة مسلمة الحنفي في اليمامة، وقد بيَّنّا فيما سلَف كيف أنّه ردَّ (سجاح) عن فكرة غزو يثرب، وهذه إشارة صريحة إلى أنَّ حروبه مع المسلمين كانت حروبًا دفاعية وليست هجوميّة، وهذا ناتج عن اختلاف جذري في منهج الانتشار لدى كلٍّ من دين مسلمة ودين محمّد الذي يعتمد في انتشاره على السيف.

خاضَ مسلمة ثلاث معارك دفاعيّة مع جيوش المسلمين، انتصر في اثنتين منها، وقُتِل في الثالثة...
المعركة الأولى كان يقود جيش المسلمين فيها عكرمة بن أبي جهل، وعكرمة هذا لَمْ يُسلِم إلّا بعد فتح مكّة، أي إنّه كان ممن فُرِض عليهم الإسلام فرضًا وقد دخل الإسلام رهبةً.
المعركة الثانية كان جيش المسلمين تحت إمرة شرحبيل بن حسنة أحد كَتَبَة وحي محمّد. انتهت المعركة بهزيمة المسلمين كما المعركة الأولى، الأمر الذي نفخ روح الثّقة في بني حنيفة.
أُجبِر مسلمة في النهاية على خوض معركة دفاعيّة ثالثة في منطقة "عقرباء" انتهت بمقتله، وكان يقود المسلمين حينها خالد بن الوليد، أحد الذين دخلوا الإسلام في السنة السابعة للهجرة، أي بعد أن أصبحت كفّة محمّد أكثر ثقلًا وظهورًا على حساب قريش.

أظهَرَت الحرب الثالثة شجاعة مسلمة وقومه، فقد اتّسمت بالكر والفر، وقد طالت المعركة ليومين، وتذكر كتب الأخبار أنَّ المسلمين قد قَتَلوا قرابة العشرين ألفًا رجل من جيش مسلمة قبل مقتله، ومع ذلك كان لا يزال جيش مسلمة صامدًا، وقد أيقن خالد أن الأمر لن يُحسَم إلّا بقتل مسيلمة (تاريخ الرسل والملوك: أحداث سنة 11).

مقتل مسلمة...

استمر القتال في المعركة الثالثة طيلة نهارين بين كَرٍّ وفَر حتى استطاعت كَفّة المسلمين أن تميل لصالحهم في الساعات الأخيرة، وقد كانت مذبحة في بستان يعود لمسلمة.
ذكر الواقدي أن وحشي خادم جبير بن مطعم بن عدي رأى مسلمة وقد ألجأه المسلمون إلى جانب الحديقة فقصده، وقصده أيضًا رجل من الأنصار يُقال له عبد الله بن زيد، فنظر إليهما مسلمة وقد قصداه، فحمل عليهما، فبدره الأنصاري بضربة على رأسه، فأوهنه، ورمى وحشي بحربته، فطعنته الحربة في خاصرته، فسقط عن فرسه قتيلًا (الردة: 206)، وفي رواية أُخرى على لسان وحشي إنه قال : خرجت مع الناس فإذا رجل قائم كأنه جمل أورق، ثائر الراس، فرميته بحربتي فوضعتها بين ثدييه حتى خرجت من بين كتفيه ، وضربه رجل من الأنصار على هامته (السيرة الحلبية: 23/3).


وقد أوشك بنو حنيفة على الانقراض استبسالًا بالدفاع عن مسلمة ودينه، وقد ورد خبر أنه عندما انحسر القتال في الحديقة صاح رجل من بني حنيفة قائلًا «ويحكم يا معشر بني حنيفة، اعلموا أنَّ هذه الحديقة حديقة الموت، فقاتلوا أبدًا حتّى تموتوا كِرامًا» (كتاب الردة: 202).

(وهنا ينبغي الإشارة إلى أنّ انتصار المسلمين في حربهم ضدَّ مسلمة الحنفي هو الّذي رسَّخ الدين الإسلامي إلى يومنا هذا باعتباره الممثِّل الوحيد للحنيفيّة، ولو أن الأمر كان لمسلمة الحنفي لسار تاريخ العرب والحنيفيّة في مجرًى آخر أقل ما يُقال عنه أنّه أقلُّ عنفًا ودمويّة).

وأخيرًا... هنالك نقطة عليَّ أنْ أذكرها، حوارٌ في ساحة المعركة دار بين رجلٍ جريحٍ مِن بني حنيفة وبين قائد مسلم بعد موت مسلمة، حوارٌ يُوَضِّح لنا صورة مسلمة لدى قومِه ويُظْهِر لنا مدى تأثير مسلمة على قومه وقوَّة تشبُّث بني حنيفة بدينه...

يروي الشيخ محمد عبد الوهاب عن أبي سعيد الخدري قال: «دخلنا الحديقة، حين جاء وقت الظهر، واشتدَّ القتل، فأمر خالد الموذِّن، فأذَّن على جدار الحديقة بالظهر، والقوم مُقبِلون على القتل، حتّى انقطعت الحرب بعد العصر، فصلَّى بنا خالد الظهر والعصر، ثم بَعثَ السقاة يطوفون على القَتلى، فطفتُ معهم، فمررتُ بعامر بن ثابت وإلى جنبِه رجلٌ مِنْ بني حنيفة به جِراح، فسقيتُ عامرًا، فقال الحنفي: اسقني فدًى لكَ أبي وأمي. فقلت: لا، ولا كرامة، ولكن أُجهِز عليك. فقال الحنفي: أحسنت، أسألك مسالةً لا شيء عليك فيها. قلت: ما هي؟ قال : أبو ثمامة "مسيلمة"، ما فَعل؟ قلت: والله قُتِل. فقال: نبيٌّ ضيَّعه قومه». (مختصر سيرة الرسول: 192).

هذه الحادثة يمكن قراءتها من جهاتٍ عديدة، لكن ما يهمني التركيز عليه هنا هو الشَّخص الحنفي الذي يموت وهو على يقين مِن أنَّ مسلمة نبي، وأنّه على الحق.

الحنفي ينتظر الشهادة على يد المسلم، إن لم يقلها صراحةً فقد قال ردًّا على جواب الخدري ـ لكن أُجهِز عليك - ثم سأل عن مسلمة فلمَّا علِمَ بموته قال : "نبيٌّ ضيَّعه قومه".

أريد أن أُكَثِّف التركيز على الحوار مرة أُخرى...
إجابة أبي سعيد الخدري :
- كلا ولا كرامة ، ولكن أُجهِز عليك.
أقول كما لو أنَّ هذه الإجابة قد أَكَّدت للحنفي أنَّ مسلمة كان على الحق، لِذا قال:
- أحسنت.
أي تأكَّد للرجُل الحنفي يقينه الذاتي بدين مسيلمة بحرمانه مِنَ الماء والإجهاز عليه.

النهاية .



#مصطفى_حجي (هاشتاغ)       Mustafa_Hajee#          



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع د. علي بداي حول التلوث البيئي والتغيير المناخي، اسبابهما وتاثيراتهما على الارض الان ومستقبلا
حوار مع الكاتب الروائي البحريني احمد جمعة حول الادب الروائي في المنطقة العربية ودوره في قضايا اليسار


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- مسيلمة رحمن اليمامة... وما أدراك ما الرحمن !. الجزء الثالث
- مسيلمة... رحمن اليمامة، وما أدراك ما الرحمن. الجزء الثاني
- مسيلمة... رحمن اليمامة، وما أدراك ما الرحمن
- فَنُّ صِنَاعَةِ الإِعجَاز
- قرآن محمّد وشِعر أميّة بن أبي الصلت
- هل الله يتحكم بمشيئة البشر أم البشر هم من يتحكمون بمشيئة الل ...
- القرآن والله وقضيّة علم الغيب ... -عَجَبَاً-
- الإله كلّي العجز ... أخي المؤمن لا تستسلم
- في نفي وجود الإله
- التحدي الفاشل -فأتوا بسورة من مثله-
- خواطر شخص لا ديني قد لا تفيد ، لكنها لن تضر
- يا من تؤمن بإلهك ... انظر إلى الآلهة القديمة


المزيد.....




- متحدث الخارجية الايرانية يدعو الدول الاسلامية لتوحيد وتنسيق ...
- متحدث الخارجية الايرانية يدعو الدول الاسلامية للتحرك بشكل جا ...
- كنعاني:الخارجية الايرانية تدعم بشكل كامل حرس الثورة الاسلامي ...
- كنعاني:الخارجية الايرانية تدعم بشكل كامل حرس الثورة الاسلامي ...
- تشاووش أوغلو: حوادث معاداة الإسلام ستنهي أوروبا
- بعد حرق القرآن في هولندا والسويد.. شيخ الأزهر يدعو إلى مقاطع ...
- قائد الثورة الاسلامية : الاساءة للقران دليل على عداء الاستكب ...
- إصرار إسرائيلي على اقتحام المسجد الأقصى.. محللون يتوقعون انف ...
- بحركات استعراضية واستفزازية.. قوات الاحتلال تقتحم المسجد الأ ...
- وزير الشؤون الإسلامية السعودي: زمن المتاجرين بالدين انتهى! ( ...


المزيد.....

- الجماهير تغزو عالم الخلود / سيد القمني
- المندائية آخر الأديان المعرفية / سنان نافل والي - أسعد داخل نجارة
- كتاب ( عن حرب الرّدّة ) / أحمد صبحى منصور
- فلسفة الوجود المصرية / سيد القمني
- رب الثورة: أوزيريس وعقيدة الخلود في مصر القديمة / سيد القمني
- دراسة منهجية للقرآن - الفصل الأخير - كشكول قرآني / كامل النجار
- دراسة منهجية للقرآن - الفصل الثاني عشر - الناسخ والمنسوخ وال ... / كامل النجار
- دراسة منهجية للقرآن - الفصل العاشر - قصص القرآن / كامل النجار
- دراسة منهجية للقرآن - الفصل الثالث - الأخطاء العلمية / كامل النجار
- دراسة منهجية للقرآن - الفصل الثاني، منطق القرآن / كامل النجار


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - مصطفى حجي - مسيلمة رحمن اليمامة، وما أدراك ما الرحمن... الجزء الرابع والأخير