أنس قاسم المرفوع
أكاديمي وكاتب وسياسي سوري باحث في مركز دراسات الشرق للسلام
(Anas Qasem Al-marfua)
الحوار المتمدن-العدد: 8764 - 2026 / 7 / 12 - 14:56
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
زلزال السقوط وعقم النموذج المركزي: دروس التاريخ وفخاخ الهيمنة
إن الحديث عن سقوط النظام الإيراني وانتصار المشروع الأمريكي ليس مجرد سيناريو لتغيير حاكم أو زوال دولة، بل هو زلزال جيوسياسي يهز أركان البنى السياسية والاجتماعية التي شكّلت الشرق الأوسط لعقود، فلو تخيلنا هذا السقوط غداً، فلن نكون أمام فراغ عابر، بل سنكون أمام لحظة كشفٍ تكشف عقم النموذج المركزي للدولة القومية الذي استنسخته طهران كما استنسخته عواصم المنطقة، حيث سيظهر بوضوح أن سقوط نظام لا يعني تلقائياً ولادة الحرية، بل قد يكون بوابة لفوضى أعظم إذا لم يكن البديل جاهزاً في وعي الشعوب ومؤسساتها المجتمعية، فالفراغ الذي سيخلفه انسحاب النفوذ الإيراني من العراق واليمن ولبنان لن تملأه الديمقراطية بمجرد زوال النظام، بل ستتسابق لملئه قوى الدولة القومية الأخرى والتحالفات الدولية التي تعيد إنتاج الهيمنة بأقنعة جديدة، وهنا تبرز الحاجة الملحة لنقد جذري للدولة القومية التي تمثل أقصى أشكال السلطة وأكمل أشكال الاحتكار، فالتجربة تُعلمنا أن سقوط الشاه عام 1979 لم يُنهِ الاستبداد بل بدّل قناعه، وسقوط صدام حسين لم يجلب الرفاه بل فتح أبواب الاقتتال الطائفي لأن البديل لم يكن النموذج الديمقراطي التشاركي بل كان استبدال دكتاتورية قومية بأخرى طائفية أو باحتلال خارجي، لذا فإن سقوط النظام الإيراني اليوم، في ظل هيمنة العقلية الدولتية، قد يُنتج دويلات قومية متصارعة أو حروب وكالة جديدة، تماماً كما تُحذر القراءات النقدية من أن الحلول القائمة على الدولة القومية، حتى لو ارتدت قناعاً يسارياً أو دينياً، هي مجرد "دولة قومية مموهة" تؤدي حقيقة في النهاية إلى مزيد من الديكتاتورية والفاشية، وما يُطرح اليوم تحت مسميات "إعادة التشكيل" أو "التوازن الجديد" هو في جوهره محاولة لاحتواء اللحظة الثورية الكامنة في أي تحول جذري، وتحويلها إلى فرصة لترسيخ أشكال جديدة من التبعية عبر آليات "الأسر الذهني" والثقافة المستهلكة التي تُنتج شعوباً مستسلمة لإرادة الخارج، فالولايات المتحدة، بقوتها العسكرية الهائلة، قد تنجح في إسقاط الأنظمة وتفكيك الجيوش، لكنها عجزت تاريخياً عن فهم النسيج الاجتماعي المعقد للمنطقة، وتصورها أن الشرق الأوسط ساحة شطرنج يمكن إعادة ترتيب قطعها بقرارات فوقية هو وهم قاتل أثبتت تجارب العراق وأفغانستان بطلانه، حيث تحولت الوعود بالديمقراطية والحرية إلى كوارث من التفكك والطائفية والحروب الأهلية، لأن النموذج المستورد للدولة القومية المركزية، بحدوده الصارمة وبيروقراطيته المتوحشة وجيوشه الدائمة، لا يقدم حلاً بل يعمق الجراح، فهو نموذج غريب عن روح المنطقة التعددية، يُنتج المواطنة القسرية عبر التنميط التعليمي والإعلامي، ويحول التنوع الغني إلى وقود للصراعات الهوياتية التي تخدم بقاء النخب الحاكمة وتبرر التدخلات الخارجية.
نقد السلطة وبناء البديل: من الأسر الذهني إلى إرادة المجتمعات
وفي السياق الإيراني، فإن الزوال المفترض للنظام قد يفتح الباب أمام فوضى عارمة إذا تُركت الساحة لصراع القوى الطامعة دون وجود نسيج مجتمعي منظم قادر على ملء الفراغ بإرادة ذاتية، فالخطر الحقيقي ليس في الفراغ ذاته، بل في محاولة ملئه بنسخة جديدة من المركزية، سواء كانت موالية للغرب أو نتاج تحالفات إقليمية تسعى لفرض هيمنتها الخاصة، كما قد نشهد في لبنان حيث تتصارع المشاريع الخارجية على جسد دولة هشّة أنهكها الفساد والولاءات ما فوق الوطنية، أو في اليمن الذي تحول إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية على حساب شعب يعاني المجاعة والتدمير، مما يثبت أن الحلول التسلطية، بغض النظر عن مصدرها، تفشل في تحقيق الاستقرار لأنها تتجاهل الحقيقة الجوهرية بأن الشرعية لا تُمنح من الخارج ولا تُفرض بالسلاح، بل تنبع من قدرة المجتمع على تنظيم نفسه وإدارة شؤونه عبر مؤسسات قاعدية تعبر عن إرادة المكونات كافة، وهنا تبرز أهمية النقد الجذري لمفهوم السلطة الذي يرى فيها البعض ضرورة حتمية، بينما الواقع يشهد أن السلطة المركزية، حين تتضخم، تتحول إلى ورم اجتماعي يستهلك الموارد ويعطّل العدالة ويغتال الأخلاق، فالعلاقة بين الدولة المركزية والمجتمع علاقة تناقض في كثير من الأحيان، حيث تسعى الدولة لابتلاع المجتمع وتحويله إلى رعية خاضعة، بينما جوهر السياسة الحقيقي هو تمكين المجتمع من الدفاع عن قيمه وتنظيم حياته بشراكة وتضامن، ولذا فإن ما بعد السقوط الإيراني، أو أي سقوط مشابه، يجب ألا يكون مناسبة لاستنساخ النموذج الفاشل، بل فرصة تاريخية لطرح أسئلة أعمق: كيف نبني نظاماً سياسياً لا يقوم على الاحتكار والإقصاء، بل على التعددية والعيش المشترك؟ كيف نحول الطاقة الهائلة للمجتمعات المهمشة في العراق ولبنان واليمن من وقود للحروب الطائفية والمذهبية إلى قوة بناءة لإدارة الموارد وتحقيق العدالة؟ إن التجارب المريرة علمتنا أن الاعتماد على القوى الخارجية للخلاص هو رهان خاسر، فأمريكا ودول الهيمنة لا تتحرك بدافع القيم الإنسانية، بل بدافع المصالح الاستراتيجية والاقتصادية، وانخفاض أسعار النفط المؤقت الذي قد يلي استقرار الإمدادات الإيرانية سيكون مجرد مسكن اقتصادي سريع الزوال، سرعان ما ستعقبه تقلبات عنيفة إذا لم تُحل المعضلات الهيكلية، لأن الاقتصاد الريعي المرتبط بالمركزية السياسية هو جزء من المشكلة، فهو يخلق طبقات طفيلية تعتمد على الريع والسلطة بدل الإنتاج والعمل المشترك، ويُفقر المجتمع مع إغناء النخب، والحل ليس في تبديل الوصي الخارجي، بل في إعادة بناء العلاقة بين المجتمع والثروة عبر لامركزية حقيقية تمنح المناطق والمجتمعات المحلية الحق في إدارة مواردها والمشاركة في القرارات المصيرية، وهذا يتطلب وعياً نقدياً يخترق جدار "الأسر الذهني" الذي تُكرسه الثقافات المستوردة والإعلام الموجه، فالشعوب التي تظل أسيرة للخطابات الشوفينية أو الطائفية أو القبلية الضيقة هي شعوب مُعدّة سلفاً للهزيمة والاستغلال، لأن هذه الخطابات تفتت النسيج الاجتماعي وتجعل الأفراد قطعاناً يسهل قيادتها نحو الحروب العبثية، بينما الخلاص يكمن في استعادة القيم الأخلاقية الأصيلة التي تجمع الناس على أساس الإنسانية المشتركة والتضامن الاجتماعي، قيم كانت حية في التراث المجتمعي للمنطقة قبل أن تطمسها عواصف الحداثة الرأسمالية والدولة القومية، وفي الشارع العربي، حيث تتباين ردود الفعل بين الشماتة والخوف، يجب أن نعي أن المشاعر العاطفية وحدها لا تصنع المستقبل، فالشماتة بزوال نظام معادٍ قد تتحول سريعاً إلى خيبة أمل إذا حل محله نظام تابع لا يقل استبداداً أو فساداً، والخوف من الفوضى قد يُستخدم كذريعة لقبول الاستبداد الجديد تحت شعار "الاستقرار"، والحقيقة أن الاستقرار الحقيقي لا يأتي من كتم الأفواه وتكديس السلاح، بل من العدالة والمشاركة والاعتراف المتبادل.
نحو نموذج إنساني جديد: من الفوضى الخلاقة إلى الانبعاث المجتمعي
ولعل الدرس الأبلغ من تجارب المنطقة أن الصراعات لا تُحسم بالقوة العسكرية وحدها، فالولايات المتحدة قد تدمر الجيوش وتحتل العواصم، لكنها لا تستطيع فرض إرادتها إلى الأبد على شعوب ترفض الهيمنة، كما أن الأنظمة الإقليمية التي تحاول ملء الفراغ ستكتشف أن التوسع على حساب الجيران هو مغامرة محفوفة بالمخاطر تزيد من عدم الاستقرار الداخلي وتستهلك الموارد في حروب لا طائل منها، فالمخرج الوحيد من هذه الدائرة الجهنمية هو التحول نحو نموذج سياسي جديد يعترف بالتعددية كحقيقة وجودية وليس كتكتيك مؤقت، نموذج يقوم على التشاركية في الحكم وتوزيع السلطات والثروات، ويحول الحدود من أسوار تفصل بين الشعوب إلى جسور للتعاون والتبادل، وهذا النموذج ليس طوباوية مستحيلة، بل هو ضرورة عملية تفرضها تعقيدات الواقع، ففي العراق، حيث تتعايش مكونات متعددة بتراث عريق، لا يمكن بناء دولة مستقرة على أساس المحاصصة الطائفية التي تُنتج الفساد وتُعطل التنمية، بل يحتاج الأمر إلى عقد اجتماعي جديد يعيد الاعتبار للمواطنة المتساوية ويمنح المناطق حق الإدارة الذاتية ضمن إطار فيدرالي ديمقراطي يحفظ الوحدة ويصون التنوع، وفي لبنان، حيث فشل نموذج الدولة الطائفية في توفير أبسط مقومات الحياة الكريمة، الحل ليس في ترقيع النظام الفاسد، بل في تفكيك البنية الطائفية وبناء نظام مدني يقوم على الكفاءة والعدالة الاجتماعية واللامركزية الإدارية التي تخفف من احتكار المركز وتسمح للمجتمعات المحلية بإدارة شؤونها، وفي اليمن، حيث دمرت الحرب البنية التحتية والنسيج الاجتماعي، أي حل مستدام يجب أن يبدأ بوقف التدخلات الخارجية وتمكين اليمنيين من صياغة مستقبلهم عبر حوار شامل يضم كل القوى والمكونات بعيداً عن الإملاءات الإقليمية، إن ما بعد السقوط الإيراني، إن حدث، سيكون مرآة عاكسة لقدرات المنطقة على التعلم من أخطائها، فإذا تكررت سيناريوهات الاستبدال البسيط للأنظمة دون مساس بالبنى العميقة للسلطة، فسنكون أمام جولة جديدة من المعاناة والدمار، وستظل الشعوب تدفع الثمن بينما تتقاسم النخب والغزاة الغنائم، أما إذا استطاعت القوى الحية في المجتمع، من مثقفين ونشطاء وتنظيمات شعبية، أن ترفع مستوى الوعي وتطرح بدائل حقيقية تقوم على الأخلاق والسياسة المجتمعية، فقد تتحول اللحظة إلى منعطف تاريخي نحو التحرر الحقيقي، تحرر لا يعني مجرد طرد المحتل أو إسقاط الدكتاتور، بل يعني بناء مجتمع قادر على حكم نفسه بنفسه، مجتمع يستعيد كرامته وإرادته ويحول التنوع من مصدر ضعف إلى منبع قوة، وهذا يتطلب شجاعة فكرية لنقد كل أشكال السلطة المطلقة، سواء كانت دينية أو قومية أو ليبرالية شكلية، والاعتراف بأن الديمقراطية ليست صناديق اقتراع واستعراضات إعلامية، بل هي ممارسة يومية للتشارك في القرار وتحمل المسؤولية، ديمقراطية تتجذر في المجالس المحلية والنقابات والجمعيات والمؤسسات المجتمعية التي تُعيد ربط السياسة بالحياة اليومية للناس، وتجعل المواطن فاعلاً لا متفرجاً، وفي الخضم الاقتصادي، يجب كسر حلقة التبعية للنفط والريع التي تجعل المنطقة رهينة لتقلبات السوق العالمية ومصالح الشركات العملاقة، عبر تنويع الاقتصاد وتعزيز الإنتاج المحلي والتعاون الاقتصادي الإقليمي القائم على المنفعة المتبادلة لا الاستغلال، فالاستقلال السياسي لا يكتمل دون استقلال اقتصادي نسبي يضمن كرامة الناس ويوفر لهم فرص العمل والحياة الكريمة، وأخيراً، فإن التحدي الأكبر هو مواجهة "الفوضى الخلاقة" التي تروج لها مراكز القوى العالمية كاستراتيجية لتفكيك المجتمعات وإعادة تركيبها وفق أهوائها، والفوضى هنا ليست قدراً محتوماً، بل هي نتيجة لغياب البدائل المجتمعية المنظمة، وحين يمتلك المجتمع أدوات التنظيم الذاتي والوعي النقدي، فإنه يتحول من ضحية للفوضى إلى صانع للنظام، نظام ينبع من أعماقه ويعبر عن تطلعاته، نظام مرن وقادر على التكيف مع المتغيرات دون أن يفقد جوهره الأخلاقي، وهذا هو الرهان الحقيقي لمستقبل الشرق الأوسط: هل ستستمر المنطقة ساحة لصراعات الهيمنة ومختبراً لتجارب الفشل المتكرر، أم ستشق طريقها نحو نموذج إنساني جديد يستلهم قيمها التاريخية ويتجاوز أزمات الحداثة الرأسمالية والدولة القومية؟ الإجابة ليست في أروقة واشنطن أو طهران أو العواصم الإقليمية، بل في إرادة الشعوب وقدرتها على التنظيم والتضامن ورفض كل أشكال الوصاية، فالسقوط الحقيقي ليس سقوط الأنظمة، بل سقوط الأوهام التي جعلتنا ننتظر الخلاص من الآخرين، واللحظة التي ندرك فيها أن مستقبلنا بأيدينا، وأن التغيير يبدأ من القاعدة، من القرية والحي والمدينة، من كل مكان يجتمع فيه الناس ليتحاوروا ويتعاونوا ويبنوا معاً، تلك هي اللحظة التي يتحول فيها السقوط إلى صعود، والفراغ إلى امتلاء، والأزمة إلى فرصة للتجديد والانبعاث.
#أنس_قاسم_المرفوع (هاشتاغ)
Anas_Qasem_Al-marfua#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟