أنس قاسم المرفوع
أكاديمي وكاتب وسياسي سوري باحث في مركز دراسات الشرق للسلام
(Anas Qasem Al-marfua)
الحوار المتمدن-العدد: 8761 - 2026 / 7 / 9 - 21:09
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
لبنان: ساحة الصراع التاريخية على أعتاب تحول جذري
لطالما شكّل لبنان محوراً جيوسياسياً حاسماً في صراعات الهيمنة والنفوذ عبر التاريخ الحديث، لا سيما في العقود الأربعة الماضية التي شهدت فيه تحولات دراماتيكية في البنية الأمنية والسياسية، بدءاً من الحرب الأهلية (1975–1990)، مروراً بالاحتلال الإسرائيلي، ثم الوجود السوري الطويل الأمد، ووصولاً إلى صعود حزب الله كقوة عسكرية وسياسية بارزة بدعم إيراني مباشر. لكن المشهد الإقليمي اليوم يمر بمرحلة انعطاف تاريخية قد تعيد رسم خريطة النفوذ في لبنان بشكل جذري، خصوصاً في ضوء المؤشرات المتزايدة حول احتمال دفع سوريا نحو التدخل العسكري أو الأمني في لبنان، ليس كامتداد لإرث النظام السابق الذي كان ذراعاً لإيران، بل كجزء من مشروع تركي-أمريكي جديد يهدف إلى إعادة هيكلة موازين القوى في المشرق العربي لصالح المحور السني المدعوم دولياً، على حساب المحور الشيعي الذي قادته طهران طوال العقدين الماضيين.
ترامب في أنقرة: تعميد المحور التركي-الأمريكي الجديد
فحقيقة ما قام به الرئيس ترامب في أنقرة كان واضحاً ولا يحتاج لكثير من التفسير أو التأويل؛ فقد حيّد تماماً منظومة الناتو كاملةً لصالح تعميد جديد لشريكه التركي رجب طيب أردوغان، الذي حصل مقدماً على ثمن مرموق تمثّل في وعدين استراتيجيين: الأول برفع اسم تركيا من عقوبات قانون "معاقبة أعداء أمريكا من خلال العقوبات" (CAATSA)، والثاني بالنظر الجدّي في بيعها مقاتلات F-35 المتقدمة. وهذان الوعدان، رغم أهميتهما العسكرية، فإن مدلولهما السياسي يفوق قيمتهما الفعلية بكثير، إذ يُرسِّخان تركيا كشريك إقليمي استراتيجي وحيد للولايات المتحدة في المنطقة، مقابل موقف تركي يتماشى كلياً مع ما يخططه ترامب للشرق الأوسط، خصوصاً لجهة الدور السوري المنشود في لبنان، وهو أمر لم يجد الرئيس الأمريكي أي حرج في الحديث عنه صراحةً وعلناً وبحضور أصحاب العلاقة، مما يمنحه غطاءً دولياً غير مسبوق ويحوّله من مجرد تلميح إلى سياسة فعلية قيد التنفيذ.
سوريا الجديدة: من ذراع إيرانية إلى شريك أمريكي-تركي
ولكن التحول الأبرز في هذا السياق حقيقة يتمثل في التغيير الجذري الذي طرأ على طبيعة الدولة السورية بعد سقوط نظام بشار الأسد، والذي لم يكن مجرد تغيير في القيادة، بل كان بمثابة انقلاب استراتيجي في التوجّه الجيوسياسي للبلاد. ففي حين كانت دمشق تحت حكم الأسد تمثّل الحليف الاستراتيجي الأهم لإيران في العالم العربي، وبوابة تمدّدها الغربي نحو البحر المتوسط، فإن سوريا الجديدة، برئاسة أحمد الشرع، بدأت تُعيد تعريف موقعها في المعادلة الدولية، مستفيدة من دعم تركي واضح ومن غطاء سياسي وأمني أمريكي غير مسبوق. وقد تجسّد هذا التحوّل في الخطوة الأمريكية الأخيرة المتمثلة بإلغاء تصنيف سوريا كدولة راعية للإرهاب، وهي خطوة لا تحمل فقط دلالات رمزية، بل تمثّل مدخلاً قانونياً واقتصادياً لعودة الشركات الغربية – ولا سيما الأمريكية – إلى السوق السورية، وفتح الباب أمام استثمارات ضخمة في قطاعات البنية التحتية والطاقة والنقل، وهو ما يمنح القيادة الجديدة في دمشق حاضنة دولية لم تكن لتتخيلها في ظل النظام السابق. وقد اكتسب هذا التحوّل زخماً استثنائياً بعد اللقاء التاريخي الذي جمع الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب في أنقرة، حيث لم يقتصر اللقاء على تبادل التصريحات الدبلوماسية، بل تجاوزه إلى تفاهمات استراتيجية عميقة، أبرزها تفاهم واشنطن مع الرئيس الشرع من أجل معالجة ملف حزب الله وفق ما أكّده ترامب علناً بعد لقاءه الرئيس الشرع وهذا التفاهم حقيقة جاء متزامناً مع رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب. فحقيقة ان رفع اسم سوريا من قائمة الدول الراعية للأرهاب يشكل نقطة تحول حقيقية في مسار الدولة السورية، إذ لم يعد الحديث عن "إعادة تأهيل" بل عن "إعادة إدماج كامل" في المنظومة الغربية، بما في ذلك الحضور الدبلوماسي في محافل دولية كانت محظورة سابقاً.
تركيا ودورها المحوري في الناتو: ذراع الغرب الجديد في المشرق
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل الدور السوري المستجد عن الرؤية التركية الأوسع، والتي أعلن عنها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بوضوح خلال قمة الناتو في أنقرة، حين شدّد على "محورية دور تركيا في الحلف"، مذكّراً بأن بلاده تمتلك "ثاني أكبر جيش في الناتو وأكبر جيش بري في أوروبا"، وأنها "تضع كل قدراتها العسكرية والاستخباراتية في خدمة التزامات الحلف". هذه الرسالة، التي تحمل طابعاً استراتيجياً أكثر من كونها بياناً عسكرياً، تفتح الباب أمام توسيع نطاق العمليات الأمنية للناتو جنوباً، خصوصاً في منطقة المشرق العربي، حيث يمكن لتركيا أن تلعب دور الوسيط والمنفذ في آنٍ معاً، مستفيدة من علاقاتها الجديدة مع دمشق، ومن غطائها الغربي. وبالتالي، فإن أي تدخل سوري محتمل في لبنان لن يكون عملاً انفرادياً، بل سيكون جزءاً من شبكة أمنية أوسع يديرها الناتو بشكل غير مباشر، عبر ذراعه التركي الفعّال. وفي ظل هذا الواقع الجديد، تصبح الساحة السورية محصورة عملياً بين ثلاث قوى رئيسية: الولايات المتحدة وتركيا وإسرائيل، في غياب عربي شبه تام يعكس حالة الانكفاء غير المسبوق للأنظمة العربية التقليدية، وبمواجهة موقف روسي متوجّس يكتفي حالياً بالمراقبة الحذرة دون التدخل المباشر، نظراً لحسابات التوازن الدولي ولضعف القدرة على منافسة المحور الأمريكي-التركي في هذه المرحلة.
السيناريوهات المحتملة: تدخل سوري-تركي في لبنان وردود الفعل الإيرانية
وهنا، يصبح من المنطقي أن نفترض أن الدعم التركي للتدخل السوري في لبنان لن يكون فقط دبلوماسياً أو لوجستياً، بل قد يشمل أيضاً مكوناً عسكرياً مباشراً، سواء عبر تقديم معدات أو تدريب أو حتى عبر وجود قوات تركية غير مباشرة تعمل تحت غطاء قوات سورية جديدة، وهو ما يتوافق مع النموذج الذي طبّقته تركيا في ليبيا والصومال والسودان. وفي حال تحقّق هذا السيناريو، فإن لبنان سيدخل مرحلة جديدة من الصراعات البنيوية، حيث لن يكون الصراع محصوراً بين اللبنانيين أنفسهم، بل سيكون جزءاً من صراع إقليمي أوسع بين محور سني مدعوم أمريكياً ومحور شيعي مدعوم إيرانياً، لكن مع ميزة استراتيجية للمحور الأول هذه المرة، نظراً لامتلاكه الغطاء الدولي الكامل، ولضعف الخصم الذي صار أكثر عرضة لكشف نقاط ضعفه بعد سنوات من التمدّد غير المستدام. وتصاعد المواجهات مع إيران في الآونة الأخيرة قد يكون دلالة واضحة على أن طهران تدرك تماماً ما يدور حولها، وأنها تشعر بضيق الخناق الاستراتيجي الذي يُضيّق عليها من كل حدب وصوب؛ وبالمقابل، فإن أي رد فعل يصدر عنها اتجاه الدور السوري (المنشود) في لبنان، وتحديداً من خلال العراق، ليس ببعيد أبداً عن الحسابات الأمريكية، التي تبدو مستعدة تماماً لاحتواء أي تصعيد إيراني ضمن سقف محسوب يخدم هدفها الأكبر: تفكيك الشبكة الإيرانية في المشرق دون الدخول في مواجهة شاملة.
استراتيجية أمريكية معدّلة: من دعم الثورة الإيرانية إلى تفكيك المحور الشيعي
ومن الجدير بالذكر أن هذا التحوّل لا يخلو من أبعاد تاريخية مشابهة، إذ إن الولايات المتحدة لعبت دوراً مشابهاً في الماضي عندما دعمت الثورة الإيرانية عام 1979 ضد الشاه، الذي كان حليفاً استراتيجياً لها في المنطقة، لكنه أصبح عبئاً سياسياً بسبب سياسته القمعية وانفصاله عن الشارع الإيراني. وبعد سقوطه، سارعت واشنطن إلى تبني موقف جديد تجاه إيران، رغم أن النتائج خرجت عن السيطرة لاحقاً. أما اليوم، فإن واشنطن تبدو وكأنها تطبّق نسخة معدّلة من تلك الاستراتيجية، ولكن بوعي أكبر وبأدوات أكثر دقة، حيث تسعى إلى تفكيك المحور الإيراني من الداخل عبر دعم قوى محلية جديدة مثل القيادة السورية الحالية تكون أكثر انفتاحاً على الغرب بل وقد تكون مستعدة للعب دور "وكيل" إقليمي جديد يخدم المصالح الأمريكية في المدى المتوسط.
إيران في عزلة استراتيجية: نهاية شبكة التمدد الإقليمي
لكن الأهم من كل ذلك هو أن إيران نفسها لم تعد كما كانت. فالنظام الإيراني اليوم يعيش حالة عزلة استراتيجية غير مسبوقة، بعد أن تم تصفية معظم قياداته العسكرية والاستخباراتية الرئيسية في المنطقة واحدة تلو الأخرى: من قاسم سليماني، قائد فيلق القدس، الذي قُتل بغارة أمريكية دقيقة في بغداد، إلى حسن نصر الله، زعيم حزب الله، الذي فقد نفوذه تدريجياً مع تصاعد الضغوط الاقتصادية والأمنية في لبنان، مروراً ببشار الأسد، الذي سقط نظامه تحت وطأة الضغط الداخلي والخارجي، ووصولاً إلى قادة حماس الذين باتوا محاصَرين بين غزة المدمّرة وانحسار الدعم الإيراني. كل هذه الخسائر المتتالية ليست صدفة، بل هي جزء من حملة منهجية ومتعددة الجبهات تستهدف بنية النظام الإيراني نفسه، وتسعى إلى تفكيك شبكته الإقليمية التي بناها على مدى عقدين. والحرب اليوم لم تعد فقط على وكلاء إيران، بل على النظام الإيراني ذاته، وعلى بقائه كدولة مهيمنة في المنطقة. وثمة إجماع دولي متزايد حتى بين بعض القوى التي كانت تتريث سابقاً على أن بقاء الملالي على رأس السلطة يشكّل تهديداً مستمراً للاستقرار الإقليمي، وأن الحل لا يكمن في إدارة الأزمة مع طهران، بل في إنهاء مصدرها جذرياً.
نهاية ولاية الفقيه؟ المؤشرات تشير إلى مرحلة اللاعودة
وفي هذا السياق، لا يبدو أن نهاية نظام ولاية الفقيه بعيدة المنال؛ بل على العكس، فإن كل المؤشرات تشير إلى أن النظام يعيش أيامه الأخيرة، أو على الأقل إلى أن قدرته على التأثير خارج حدوده قد وصلت إلى نقطة اللاعودة. وما يعزز هذا الاحتمال هو أن الضغوط لم تعد تقتصر على العقوبات الاقتصادية أو الخطاب السياسي، بل امتدت إلى الداخل الإيراني نفسه، حيث تتصاعد حركة الاحتجاجات الشعبية، ويتراجع ولاء الأجهزة الأمنية، ويتفاقم الانقسام داخل النخبة الحاكمة. وبالتالي، فإن ما يجري في لبنان اليوم ليس سوى انعكاس محلي لانهيار إقليمي أوسع للنفوذ الإيراني، وبداية لعهد جديد تُعاد فيه كتابة خرائط التحالفات والولاءات وفق معايير جديدة، لا مكان فيها للأنظمة التي تبني قوتها على التوسع الطائفي والعسكري.
سوريا ذراع التمدد السني الجديد: إعادة تشكيل هوية المشرق
وفي هذا الإطار، يمكن القول إن سوريا التي كانت ذات يوم ذراع إيران في المشرق، أصبحت اليوم ذراعاً محتملة لتركيا، وبالتالي لمشروع التمدد السني الذي ترعاه أنقرة بدعم أمريكي، وهو مشروع لا يستهدف فقط تقليص النفوذ الإيراني، بل يسعى أيضاً إلى إعادة تشكيل الهوية السياسية والدينية للمنطقة، بحيث يصبح الطرف السني – بشقّيه العلماني والإسلامي – هو القوة المهيمنة في لبنان والعراق وسوريا معاً. وهذا التحوّل، إن تحقّق، سيقلب المعادلات التي سادت منذ احتلال العراق عام 2003، وسيضع حزب الله أمام اختبار وجودي حقيقي، خصوصاً إذا ما رافقت التحركات السورية في لبنان ضغوطاً دولية على إسرائيل للانسحاب من الجنوب، وهو أمر تشير إليه بعض التسريبات كجزء من الصفقة الشاملة بين واشنطن وأنقرة.
اللعبة الثنائية: لا مكان لأوروبا أو غيرها في المعادلة الجديدة
والسؤال الآن الذي يفرض نفسه بقوة: هل سيسمح الرئيس أردوغان لماكرون أن يقطف ثمرة جهوده في سوريا؟ أو هل سيسمح لحليفه في دمشق بأن يمنح أية امتيازات اقتصادية فيها لأي طرف آخر غير الولايات المتحدة؟ الجواب، في ظل التفاهمات الحالية، يبدو سلبياً بشكل قاطع؛ فالرئيس أردوغان يعلم جيداً أن كل المشاريع الأمريكية المنتظرة في سوريا – من استثمارات ضخمة إلى عقود إعادة الإعمار – ستكون معلّقة بشكل مباشر على قدرة دمشق على تنفيذ الدور الذي تطلبه واشنطن وحليفها الإقليمي الوحيد في المنطقة منها. وبالتالي، فإن أي محاولة فرنسية أو أوروبية للعودة إلى الساحة السورية عبر أبواب اقتصادية أو دبلوماسية ستُواجه بجدار تركي-أمريكي مغلق، لأن اللعبة لم تعد متعددة الأطراف، بل أصبحت ثنائية بامتياز: إما أن تكون مع المحور الأمريكي-التركي، أو أن تُقصى تماماً من المعادلة.
خاتمة: لحظة تاريخية لا ترحم من فقد شرعيته
ختاماً، لا يمكن الجزم بنسبة 100% بحدوث تدخل سوري عسكري مباشر في لبنان في الأسابيع أو الأشهر المقبلة، فالأمور في السياسة لا تحمل اليقين المطلق، بل تدور في فلك الاحتمالات والقراءات الاستراتيجية. لكن المؤشرات المتراكمة – من اللقاء السوري-الأمريكي في أنقرة، إلى رفع تصنيف الإرهاب، إلى الحضور السوري في اجتماعات الناتو، وصولاً إلى العزلة الإيرانية المتصاعدة وتأكيد أردوغان على الدور المحوري لتركيا في الحلف – كلها تشير إلى أن المنطقة على مشارف تغيير جوهري في خريطة النفوذ، وأن لبنان، كعادته، سيكون ساحة الاختبار الأولى لهذا التحوّل. وما يعزّز هذا الاحتمال هو أن الطرف الذي كان يُنظر إليه سابقاً كعدو للغرب – أي سوريا – أصبح اليوم شريكاً محتملاً. وفي مثل هذه اللحظات التاريخية، لا شيء مستحيل، بل كل شيء قابل للتفاوض، خصوصاً عندما تكون المصالح العليا للقوى العظمى على المحك، وعندما يُقرَّر أن زمن الملالي قد آن أوان انتهائه، سواء عبر الضغط المباشر أو عبر تسليمه للزمن الذي لم يعد يرحم من فقد شرعيته وقوته معاً.
#أنس_قاسم_المرفوع (هاشتاغ)
Anas_Qasem_Al-marfua#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟