أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أنس قاسم المرفوع - رسالة إلى الشعب السوري: نحو سوريا جديدة مبنية على التسامح والعمل المشترك















المزيد.....

رسالة إلى الشعب السوري: نحو سوريا جديدة مبنية على التسامح والعمل المشترك


أنس قاسم المرفوع
أكاديمي وكاتب وسياسي سوري باحث في مركز دراسات الشرق للسلام

(Anas Qasem Al-marfua)


الحوار المتمدن-العدد: 8724 - 2026 / 6 / 2 - 15:30
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


عندما نستعرض التجارب الإنسانية عبر التاريخ، نجد أن الشعوب التي عانت من جراح الفتن الطائفية والعرقية قد أبدعت دروساً خالدة تضيء لنا طريق المستقبل. ففي رواندا بعد الإبادة الجماعية عام 1994، لم يكن الخيار في تأجيج الكراهية بل في بناء جسور المصالحة الوطنية. وفي جنوب إفريقيا، كان نظام الحقيقة والمصالحة نموذجاً فريداً للتسامح والتعايش بعد سنوات من التفرقة العنصرية.
ولذلك فإن تحقيق العدالة الانتقالية بما يرضي الشعب السوري ويلبي طموحاته يعد الخطوة الأهم لطي صفحة الماضي المليئة بالآلام والانتهاكات، وهو الشرط الأساسي لبناء سوريا المستقبل القائمة على العدل والمساواة. لذلك يجب أن تكون هذه العدالة شاملة ومنصفة، تأخذ بعين الاعتبار معاناة جميع المتضررين دون تمييز، وتضمن محاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات بطريقة شفافة ونزيهة، مع التركيز على تعزيز المصالحة الوطنية وترسيخ ثقافة التسامح. ولذلك فإن بناء نظام قانوني ومؤسساتي عادل، قادر على استعادة الثقة بين المواطن والدولة، سيمثل بداية ملهمة لسوريا جديدة، حيث يتمكن الجميع من المشاركة في صياغة مستقبل يسوده السلام والاستقرار والكرامة الإنسانية. لأن المجتمع لا يمكن أن يرتقي إلا عندما يدرك أفراده أن التعايش السلمي والعمل المشترك ليس مجرد خيار، بل هو ضرورة وجودية لتحقيق أي تقدم حقيقي. فحقيقة ان هذه الفلسفة التي تدعو إلى وعي عميق بضرورة تجاوز الانقسامات والتركيز على ما يجمعنا كبشر تدعونا أيضا إلى النظر بوعي إلى مستقبل سوريا بعيداً عن الإعلام المغرض الذي يسعى لزرع الفتنة بين مكونات الشعب الواحد. كما حدث في البوسنة والهرسك خلال فترة الحروب التي مزقت البلاد في التسعينيات من القرن الماضي، حيث استُخدمت وسائل الإعلام كأدوات فعّالة لتأجيج الصراعات الطائفية والإثنية، علينا أن ندرك الدور الحساس والخطير الذي يمكن أن تلعبه وسائل الإعلام في تشكيل الرأي العام وتوجيه المشاعر الجماعية. فقد كانت الرسائل الإعلامية في تلك الفترة تُوظَّف بشكل ممنهج لنشر الكراهية والتحريض على العنف بين مختلف المكونات المجتمعية، مما أدى إلى تصعيد الأوضاع وزعزعة الاستقرار الاجتماعي والسياسي. اليوم، ومع التطور الهائل في وسائل الإعلام والتكنولوجيا، أصبحت الساحة الإعلامية أكثر تعقيدًا وأسرع انتشارا.

فحقيقةالشعب السوري، الذي عانى طويلاً من ويلات الحرب، يحتاج اليوم إلى قرارات حكومية تضع مصالحه في المقام الأول. يجب أن تكون سياسات الدولة موجهة نحو تأمين أساسيات الحياة للمواطنين، من توفير الغذاء والماء والدواء، إلى تعزيز فرص التعليم والصحة والعمل. الحرب تركت آثاراً عميقة على البنية التحتية والاقتصاد الوطني، ولذلك يقع على عاتق الحكومة أن تعمل بجد لتخفيف معاناة الناس ومساعدتهم على استعادة حياتهم الطبيعية، وعلى الحكومة أيضا أن تعمل بجد لتخفيف معاناة الناس عبر تخفيض أسعار المواد الأساسية مثل الكهرباء والمحروقات والغاز المنزلي وتوفير الدعم اللازم لهم، مع تجنب المظاهر الفارهة للمسؤولين التي تثير حساسية كبيرة في ظل الفقر المدقع الذي يعيشه غالبية الشعب. كما يجب دعم الزراعة والفلاحين من خلال شراء المحاصيل الزراعية بأسعار تنافسية لتشجيعهم على الاستمرار في العمل والإنتاج، وهو ما سيساهم في تحقيق الأمن الغذائي وتنشيط الاقتصاد الريفي، مما يعزز من قدرة سوريا على استعادة عافيتها والنهوض من جديد فحقيقة السلام والاستقرار لن يتحققا إلا عندما يشعر المواطن السوري بأن دولته تعمل من أجله وليس ضده. فحقيقة ان التركيز على العمل المفيد هو الأساس الحقيقي للتغيير. انظروا إلى ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، كيف حول الألمان انتباههم من الماضي المؤلم إلى إعادة البناء والنهضة الاقتصادية. بدلاً من البحث عن هفوات الآخرين، يجب أن نوجه طاقاتنا نحو التعليم كما فعلت فنلندا التي أصبحت نموذجاً تعليمياً عالمياً، نحو الصحة كما فعلت كوبا التي طورت نظاماً صحياً متقدماً رغم الحصار، ونحو الاقتصاد كما فعلت سنغافورة التي تحولت من دولة نامية إلى واحدة من أغنى دول العالم.
فالتسامح حقيقة ليس مجرد شعار أو فكرة سطحية، بل هو ضرورة حضارية تمليها علينا تجارب الأمم الأخرى. فاليابان وكوريا الجنوبية خير مثال على كيفية تجاوز العداء التاريخي والتعاون الاقتصادي رغم الجراح الماضية. لأن الإنسان الواعي والمثقف لا ينشغل بالأمور الصغيرة التي تعكر صفو المجتمع، بل يعمل على بناء جسور التواصل والتفاهم بين مختلف المكونات الاجتماعية.
فحقيقة ان سقوط نظام الأسد الاستبدادي ليس نهاية الطريق، بل بداية لمسيرة طويلة نحو بناء سوريا جديدة تقوم على أسس متينة من التعايش والعمل المشترك. كما فعلت دول جنوب شرق آسيا بعد حروبها الطويلة، ولذلك علينا اليوم أن نستثمر في التنمية البشرية والبنية التحتية. وأن ندرك أن القوة الحقيقية لأي مجتمع تكمن في قدرته على تجاوز الانقسامات والعمل معاً من أجل الأهداف المشتركة.
لأن سوريا التي نحلم بها، هي التي يكون فيها العمل والإنتاج هو الشغل الشاغل، هي التي تكون فيها المصالحة الوطنية والتآخي الاجتماعي هي الأساس، هي التي يتم فيها التركيز على بناء الإنسان قبل بناء الحجر، سوريا التي تستلهم من تجارب الأمم الأخرى لتبني نموذجاً فريداً للتعايش والتنمية المستدامة.
فحقيقة ان علينا أن ندرك أن المجتمعات لا تتقدم بالشعارات الجوفاء أو بالخطابات الحادة، بل بالتوجه العملي نحو حل المشكلات الحقيقية التي تواجه الناس في حياتهم اليومية كالتعليم والصحة والاقتصاد والبنية التحتية هذه هي المجالات التي يجب أن نركز عليها. فعندما يشعر كل مواطن أنه جزء من عملية بناء حقيقية، وأن جهوده تؤتي ثمارها في تحسين حياته وحياة أسرته، عندها فقط يمكننا أن نتحدث عن مجتمع حقيقي يقوم على أسس متينة.
فحقيقة علينا ان نعلم أن العمل المشترك ليس مجرد خيار أخلاقي، بل هو ضرورة عملية لتحقيق أي تقدم حقيقي. فعندما ننظر إلى الدول التي حققت نجاحات حقيقية في التنمية، نجد أنها كانت دائماً تعتمد على التعاون بين مختلف مكونات المجتمع، وعلى التركيز على الأهداف المشتركة بدلاً من الانشغال بالخلافات الجانبية.
هذه هي الرسالة التي يجب أن نحملها معنا نحو المستقبل: رسالة العمل المشترك، رسالة التركيز على ما يجمعنا بدلاً من ما يفرقنا، رسالة بناء سوريا جديدة تقوم على أسس متينة من التفاهم والتعاون. سوريا التي نحلم بها ليست بعيدة المنال، لكن الوصول إليها يتطلب منا جميعاً أن نعمل معاً بروح المسؤولية والوعي العميق بأهمية اللحظة التاريخية التي نعيشها.



#أنس_قاسم_المرفوع (هاشتاغ)       Anas_Qasem_Al-marfua#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لحظة الحسم الوجودي للأمة العربية
- الدفاع الذاتي الديمقراطي: من رحم الانهيار إلى ولادة وطنٍ يُم ...
- «بوصلة السلام الديمقراطي: من تشخيص الدمار إلى بناء الوطن الم ...
- الأمة الديمقراطية: خطة جذرية للسلام القائم على العدالة، المو ...
- فرعون في القرآن: رمزية الطغيان المتجدِّد وأولوية العدل على ا ...
- من دولة الخوف إلى مجتمع الثقة: نحو لامركزية ديمقراطية في سور ...
- نحو ديمقراطية حقيقية: دعوة لبناء سوريا من القاعدة
- التحديات والاختلافات: رؤيتي للديمقراطية في سوريا والسياق الع ...
- إعادة تكوين الإنسان العربي: من التهميش إلى الولادة الجديدة
- التسامح كفعل ثوري: قراءة في أخلاقيات المقاومة
- حقيقة القيادة: قراءة في فلسفة عبد الله أوجلان الوجودية والجم ...
- معضلة التبعية وأمل التحرر الحقيقي
- الإسلام بين التراث والتحرير: نحو مشروع حضاري قائم على العدال ...
- سوريا من ركام الطغيان إلى وطن التعددية: معضلة البناء وآفاق ا ...
- الديمقراطية كأخلاقيات: من مقاومة الدولة إلى بناء المجتمع
- نحو ثورة ذهنية: بناء مجتمع ديمقراطي قائم على العدالة والاعتر ...
- الانسحاب الكردي من تركيا: بين رؤية المفكر أوجلان للسلام ومأز ...
- تأسيس الكيانات القومية في الشرق الأوسط: من الأدوات الاستعمار ...
- الديمقراطية من منظور تحرري: نحو -أمة ديمقراطية- في قلب الشرق ...
- مشروع الشرق الأوسط الكبير: من الفوضى المُنظمة إلى أمة ديمقرا ...


المزيد.....




- -هزيمة نادرة- لترمب.. هل يتمكن النواب الأمريكيون أخيرا من إن ...
- الجيش السوداني يعلن صد هجوم للدعم السريع بالنيل الأزرق
- مصدر يكشف لـCNN محاولات ترامب لتجنب تكرار -اتفاق أوباما- مع ...
- على خطى ترمب.. أوروبا تشدد سياسات الهجرة والترحيل
- إيران تضع -شرطاً- يرتبط بلبنان لإنهاء حربها مع أمريكا وإسرائ ...
- ما الخيارات أمام إسرائيل إذا توصلت إيران والولايات المتحدة إ ...
- 9 شهداء في غارات إسرائيلية استهدفت شققا سكنية بمدينة غزة
- مقتل 3 عسكريين في تحطم مروحية تابعة للبحرية البريطانية
- الذكاء الاصطناعي يكشف أسرار مؤامرات ورسائل حب ووصفات طبية غا ...
- أين تخفي إيران مخزونها من اليورانيوم العالي التخصيب؟


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أنس قاسم المرفوع - رسالة إلى الشعب السوري: نحو سوريا جديدة مبنية على التسامح والعمل المشترك