أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - غازي الصوراني - رسالة ثقافية تقدمية فلسطينية/ عربية الى الرفاق في أحزاب وفصائل اليسار في مغرب ومشرق الوطن العربي















المزيد.....


رسالة ثقافية تقدمية فلسطينية/ عربية الى الرفاق في أحزاب وفصائل اليسار في مغرب ومشرق الوطن العربي


غازي الصوراني
مفكر وباحث فلسطيني


الحوار المتمدن-العدد: 8758 - 2026 / 7 / 6 - 15:56
المحور: القضية الفلسطينية
    


إنَّ تشخيصي لأزمة الثقافة الفلسطينية –كجزء عضوي من الثقافة العربية- لا يعدو أن يكون توصيفا لوجه من وجوه الأزمة الشمولية أو البنيوية بأبعادها التاريخية ، والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية في بلادنا ، وهو وجه لم يكن قادرا ، طوال التاريخ الحديث والمعاصر –عبر هياكله وشخوصه- على تفعيل أدواته الثقافية أو المعرفية تفعيلا رائدا رئيسا في السياق التحرري والنهضوي ، إن على الصعيد القطري أو على الصعيد القومي والانساني العام . فالفجوة تزداد اتساعا بين المثقف التقدمي الملتزم من ناحية والواقع من ناحية اخرى ، بحيث يتبدى أن هذا المثقف في واد والواقع في واد آخر .
وقد نتفق على أن هذا المشهد الثقافي المأزوم يعود الى عوامل موضوعية ترتبط بعملية التطور الاجتماعي-الاقتصادي والسياسي التابعة والمتخلفة والأبوية المشوهة لمجتمعاتنا العربية ، التي رسخت –عبر الأنظمة أو المؤسسة الحاكمة- مفاهيم وأدوات السيطرة والاستبداد والخضوع في سياق إعادة إنتاج مظاهر التخلف من ناحية ، وتعميق وتغلغل التبعية لنظام العولمة الامريكي وأداته "اسرائيل" والحركة الصهيونية في بلادنا من ناحية ثانية .
ولكن بالرغم من هذا المشهد المأزوم ، لا يمكن أن نتجاهل رؤية جماهيرنا الشعبية من العمال والفلاحين الفقراء وكافة المضطهدين ، عبر وعيها العفوي وهمومها ومعاناتها اليومية وصمودها في وجه هذا المشهد وضغوطاته وتأثيراته السلبية عليها ، فهذه الجماهير –أولا واخيرا- هي التي دفعت وتدفع الثمن الباهظ جدا لكل نتائج هذا المشهد أو المسار الراهن سواء على صعيد الصمود والمقاومة والمجابهة ضد العدو الصهيوني ، أو على صعيد التفكك والإحباط الاجتماعي والسياسي الداخلي ، هذه الثنائية المتناقضة أو المفارقة هي ولا شك ، ناتجه عن الظروف التي عايشتها جماهيرنا الشعبية –منذ بداية القرن العشرين الى يومنا هذا ، في صراعها ومجابهتها الشجاعة للعدو الصهيوني والقوى الاستعمارية والإمبريالية من جهة وفي خضوعها لنظام القهر الطبقي والاستبداد والتخلف الداخلي من جهة أخرى ، وهي معادلة معقدة ، تتحمل أحزاب وفصائل اليسار في مغرب ومشرق الوطن العربي ، دورا مستقبليا مركزيا في تحديد مسار هذه المعادلة صوب التغيير الديمقراطي التقدمي وتجاوز هذا الواقع المرير بكل مظاهره وادواته السياسية والطبقية .
ففي الظروف التي سادت تراكماتها طوال العقود الماضية ، لاحظنا وعايشنا كثيرا –وما زلنا- من مظاهر الهبوط والتراجع السياسي والثقافي والمجتمعي ، حيث بات ممكنا ، تفكك الكل الى أجزاء ، فاصبح الانتماء الجهوي بديلا عن المواطنة ، في مناخ عام تسوده روح الإحباط والنفاق والثقافة الهابطة بديلا لروح المقاومة والشجاعة وثقافة المقاومة والتغيير ، فقد استطاعت هذه السلطة الفردية المحكومة بمصالح وآليات البيروقراطية المتحالفة مع الشرائح الرأسمالية الطفيلية والكمومبرادورية والعقارية وغيرها من أصحاب الثروات القديمة والمستحدثة ، أن تؤثر في قطاعات واسعة من المجتمعات العربية بكل تنوعاتها الطائفية والاثنية والدينية ، وتحولها الى ما يشبه وضع الرعية المستسلمة أو الخاضعة أو المستفيدة وهو وضع لا ينتج سوى افرادا او قطاعات مجتمعيه مسكونه بالذل والنفاق والخوف أو القلق والإحباط ، لا سياسة ولا ثقافة –او أفكاروطنية تقدمية توحيدية مركزية - فيه سوى سياسة الخضوع والهبوط السياسي والانفتاح الليبرالي والتطبيع وثقافة المصالح الشخصية واستبداد الأجهزة ورموز التخلف العائلي والحمائلي والجهوي والمناطقي التي مهدت لبدايات انقسام مجتمعي وتنظيمي عميق وكريه بتفريعاته أو عناوينه وتكتلاته المتباينة –العلنية أو المستترة في المنعطف او المخاض الراهن ، يحكم معظم اطرافها صراع المصالح الطبقية والنفوذ من خلال أحزاب السلطة ومكوناتها وتحالفاتها الكومبرادورية والبيروقراطية المدنية والعسكرية .
في هذه الأحوال السياسية والمجتمعية والثقافية الهابطة وبسبب ضغوطاتها ، وبالرغم من كل اشكال المعاناة والصمود والمقاومة ، أصبح مجتمعنا الفلسطيني خصوصاً – على سبيل المثال -بعد 33 عاما من قيام السلطة الفلسطينية عموماً وبعد الانقلاب او الانقسام الذي مضى علية 26 عاما خصوصا في حالة من تفكك الهوية الوطنية كاد الحلم فيها أن يغيب ، حينما اختلط فيها المعلوم بالمجهول بسبب عمق ضبابية الحاضر وغياب الرؤية والوضوح لمعالم المستقبل وهي حالة لا نعتقد أن شعبنا سبق له أن عاش مثلها في كل تاريخه الحديث والمعاصر
ولكن رغم كل ضغوطات هذا المسار أو الرسم البياني الهابط ، لم يفقد هذا الشعب وعيه الوطني العفوي ، ولم يستسلم رغم بشاعة العدوان الصهيوني النازي وقصفه المتواصل – بدعم امريكي - منذ حوالي الف يوم أدى الى استشهاد وفقد وجرح أكثر من ربع مليون نسمة 40% منهم نساء وأطفال من ناحية ورغم كل مظاهر الافقار والإحباط واليأس نتيجة نزوح اكثر من مليون ونصف واقامتهم الاجبارية منذ 32 شهر في خيام اهترأت لم تعد تحميهم من حر الصيف وبرد الشتاء في ظل صمت إسلامي ودولي على هذه المعاناة دون أي خطوات جدية صوب إعادة اعمار قطاع غزة .
وفي هذا السياق لابد من ان نشير إلى أن هذه الحالة الثقافية الهابطة اختلطت مع الحالة السياسية الهابطة ،وهي لا تقتصر في أسبابها عند ممارسات الانقسام أو السلطة و غيرها فحسب ، بل ان تطور وتعمق هذا الهبوط يتجلى في انبعاث الحركات السياسية الدينية منذ أواخر القرن العشرين ، والتي شهد تفاقمها بداية القرن 21 في بلادنا ، كما في البلدان العربية ، والذي يجعلنا نتوقف أمام هذه الظاهرة من الإنبعاث الواسع و القوي لما أصبح يُعرف بالإسلام السياسي ، التي يمكن تلمس نشاطها عبر الحركات و التيارات الدينية في معظم الأطر و الدوائر الثقافية عموما، وفي الاوساط الجماهيرية الفقيرة خصوصا، حيث تجاوزت هذه الحركات و التيارات الدينية الحديث عن مجرد رفض الأطر الحياتية القائمة ، إلى محاولة صياغة مشروعات و نماذج دينية سلفية محافظة بديلة ، و مغايرة أو نقيضة لنمط الحياة السياسية الإقتصادية الإجتماعية والثقافية العصرية الحديثة في معظم البلدان العربية، تحت عنوان الثورة بإسم الإسلام ، من أجل إقامة حكومة إسلامية وفق نموذج الإمبراطورية العثمانية الغابر ، الذي كان أحد أهم أسباب القهر و الإستعباد و الإنحطاط و الجهل و التخلف و التبعية التي عاشتها شعوبنا العربية طوال أكثر من أربعمائة عام ، و الغريب أنه رغم تعدد هذه الحركات و الجماعات و التيارات و رغم تفاوت برامجها و أساليبها في العمل السياسي و العام ، إلا أنها تنطوي بصورة جماعية على وحدة الهدف و الغاية من أجل اقامة دولة "الخلافة الإسلامية" التي لا تملك أي آفاق أو مقومات مستقبليه من الناحية الموضوعية ، ارتباطاً بعملية تطور المجتمع العربي صعوداً نحو العصرنة و الحداثة ، ذلك لأن ظهور الحركة الإسلامية و تطورها و انبعاثها كان بسبب ثلاثة عوامل حددها المفكر العربي سمير أمين كما يلي :-
1) تفاقم الهيمنة الرأسمالية الغربية المادية و الفكرية و تحكمها بمصير مجتمعاتنا .
2) تحلل الفكرة الوطنية القومية و انهيار الدولة كإطار للعمل السياسي الموحد و تحولها إلى أداة قهر اجتماعي و مركز تنظيم للمصالح الطبقية الضيقة .
3) الأزمة الاجتماعية والاقتصادية التي انعكست في صورة تدهور مطلق في مستويات معيشة الطبقات الشعبية .
إذن ، لولا هذا المناخ المأزوم و المهزوم ، على الصعيد العربي ، لما أتيح لظاهرة انبعاث الإسلام السياسي و الحركات السياسية الدينية من الانتشار و التوسع بهذه الصورة الكمية في أوساط الجماهير الفقيرة ، ويعود ذلك لأسباب موضوعية ، إذ أن هذه الجماهير العفوية طالما أنها لم تجد طريق تحررها الوطني/القومي و الاجتماعي ، فإنها – في أجواء و مناخات الهزيمة- ستتمسك بالدين كما لو كان الشكل الظاهر أو الإطار لتحقيق أهدافها أو حاجاتها الفعلية ، ويتجسد هذا بشكل خاص – في الظروف العربية الراهنة – في أوساط شعبنا الفلسطيني و كافة الشعوب العربية بنسب متفاوتة ، و إذا كنا – في أحزاب وفصائل اليسار - لا نهدف إطلاقاً إلغاء ذلك التمسك الشعبي العفوي بالدين ، إلا أننا سنستمر في النضال الوطني – الديمقراطي من أجل إيجاد و تفعيل المدخل الواقعي العقلاني لتحقيق العدالة الاجتماعية بآفاقها الاشتراكية للجماهير ، وفق قواعد التعددية و الديمقراطية الاجتماعية و السياسية و مفاهيمها الأساسية ، التي تقوم على أن الديمقراطية تفترض إلغاء جميع المطلقات ، و إحلال محلها مطلق وحيد ، هو حرية الفكر في جميع الميادين ، فالديمقراطية ، ليست سوى أداة لتحرير الذهن من الأحكام المسبقة ، و بالتالي فإن العلمانية تتجلى هنا كشرط لا مفر منه ، بالترافق مع الديمقراطية ، و هذه العلمانية تفترض فصل شؤون الدين كعقيدة فردية عن شؤون المجتمع دون التعرض لحرية ممارسة الشعائر الدينية من جهة ، و لا تسعى إلى إثارة التناقض بين الرؤية العقلانية التنويرية الديمقراطية ، و بين الرؤى و التيارات الدينية من جهة أخرى ، ذلك إن أي تناقض بينهما يجب أن نسعى دوماً إلى حله أو إلغائه على أرضية الفكر و الحوار .
وفي كل الأحوال ، ستبقى "أزمة الثقافة الفلسطينية" ماثلة في الذهن و الواقع ، ما لم نسارع إلى التعامل مع حاضر و مستقبل هذه الأزمة في سياق الثقافة العربية و كجزء من مكوناتها ، ففي هذا التوجه تكمن ضمانات استمرارية الثقافة الفلسطينية كخصوصية تتفاعل في جوهرها مع إطارها العام الثقافي في الوطن العربي .
ولذلك فإن احزاب وفصائل ، انطلاقا من حرصها على تواصل هذه الروح الوطنية التقدمية ، عليها ان تتوقف أمام منعطفاتها ومدياتها المستقبلية بهدف المزيد من النضال التقدمي من منظور طبقي، الى جانب المزيد من الفعل المقاوم في مواجهة العدو الامريكي- الصهيوني ومشاريعه من جهة ، وباتجاه تغيير الأوضاع الداخلية الهابطة من جهة أخرى ، وكذلك المزيد من إعمال العقل السياسي في المتابعة المثابرة لكافة التفاصيل والمعطيات والعوامل الداخلية والخارجية ، من اجل التأمل الواعي واعادة النظر فيما يجري ، لمحاولة الوصول الى المعادلات الجديدة التي يجب أن نقوم بصياغتها وفق المتغيرات المتسارعة والبطيئة من حولنا ، لكي نحول دون الجمود أو التسيب ، ولكي نحدد الصيغ والعلاقات بين ما هو خاص أو قطري ، وبين ما هو عام أو قومي وأممي ، حيث نمتلك الوضوح في كيفية التصرف تجاه الواقع المتغير ، خاصة وأن الإبادة الصهيونية ضد شعبنا خلقت مناخا وجسرا لنا نحو تفعيل وترسيخ أهدافنا الوطنية التقدمية الديمقراطية .
وهنا تتبدى أهمية دور أحزاب وفصائل اليسار في الوطن العربي ، في تحمل عبء مسئوليتها في استمرار ثقافة التغيير الطبقي الديمقراطي التقدمي ، بمثل تحمل مسئوليتها في ممارسة المقاومة ضد الوجود الامبريالي الصهيوني، وذلك يحتم علينا إدراك حجم هذه المسئولية ، وادراك طبيعة ذلك الدور المستند الى رفض الاستسلام لهذا الواقع ، والبحث عن عوامل النهوض للحاله الجماهيرية الفلسطينية والعربية ارتباطا ببعدها الانساني التقدمي ، واعادة الاعتبار للعمل السياسي المنظم ، الذي يحفز الجماهير الشعبية للاهتمام والتفاعل بالقضايا الوطنية والمجتمعية العامة ، في إطار متداخل وموحد دون أي انفصام بينهما ، وكذلك العمل على اعادة الاعتبار للفكر القومي العربي في صيغته ومفاهيمه اليسارية المتجددة المتوافقة مع متطلبات العصر الجديد الراهن ، وذلك كله مرهون بدورقوى اليسار في الشروع بإعادة وصل ما انقطع في علاقة السياسة بالثقافة –كواحده من المهام المركزية الاولى- ، بمعنى التفاعل بين الوعي الطليعي والوعي العفوي ، بما يتيح إنتاج عمل معرفي سياسي ثقافي مرتبط بصورة مباشرة بالواقع المعاش ، يملك القدرة على فهم واستيعاب وتغيير هذا الواقع ، دون الرضوخ لسوداويته أو تعقيداته التي تعمقت خلال العقود الماضية ، التي تراكمت من خلالها -بسبب تقاعسنا وقصورنا الذاتي- أحد أهم اوجه أزمة ثقافتنا الراهنة المتمثل في غياب الدور الاستراتيجي الفعال لأحزاب التيار الديمقراطي في ممارسة الوعي –المتجدد والمعاصر- الثقافي والأيديولوجي ، ومن ثم السياسي والاقتصادي والاجتماعي لكوادر وقواعد احزابنا وفصائلنا اليسارية وجماهيرها ، بما يفرض عليها ، ازاحة عوامل القصور وتحفيز الهمم في عناصرها ومكوناتها الذاتية ، صوب تحقيق واحياء دورها المركزي الريادي الطليعي، في تحديد وتوجيه مسيرة ومسار الحركة الجماهيرية بكل اطرها .
يبقى أن نشير إلى ان طموحاتنا كأحزاب وفصائل اليسار ، بالمعنى الثقافي أو السياسي، ستنتهي إلى سراب ، ما لم نتعامل وفق برنامج سياسي فكري نقيض، مع الحقبة الراهنة ، أو الموجة الثالثة ، و ما تمثله هذه الحقبة الجديدة من قفزات هائلة للبشرية ، و من فوران اجتماعي وانقسام طبقي عالمي بشع بفعل آليات العولمة و أدواتها التي يسعى القائمون على ادارتها إلى أن تصبح الرأسمالية المتوحشة "روح هذا الزمن" ، فهل ستفرض علينا هذه العولمة بعداً ثقافياً نتعاطى معه بالإكراه أو بالقدر الذي يحدده لنا أصحابها ؟ أم نبدأ في شق مجرى المعرفة و التفكير في هذا البعد الثقافي الجديد ، وفق رؤية عربية تسعى للخروج من المأزق الحالي ؟ هذا هو المخرج ، الذي يتطلب تحقيقه توحيد الجهود الثقافية العلمية العربية ، في اطار رؤية سياسية يساريه موحدة ، تستجيب لمعطيات العصر ، و تشكل أرضية ننطلق منها على طريق الحضارة البشرية المعاصرة ، مشاركين في الإبداع العلمي ، لا عبيداً لأدواته .
على أي حال اننا لا أبالغ في القول ان هذه المرحلة ليست مرحلتنا ، دون ان يعني ذلك غيابا او تراجعا لدورنا على الصعيد الجماهيري في كل الظروف بما يمهد لشق مجرى الطريق نحو المستقبل ، فعلى هذا الطريق الشاق الطويل ، المغطى باشواك الهزيمة و الاحباط ، تأتي اهمية امتلاكنا للنظرية الماركسية اللينينية وادبياتها الحديثة والمعاصرة ، جنبا الى جنب مع قراءة واقعنا الفلسطيني والعربي بكل ابعاده السياسية و الاجتماعية ، كأساس –راهن ومستقبلي- لا بد من الاستناد اليه من اجل ترسيخ وعينا الوطني و الطبقي، و قناعتنا بالمفاهيم الايديولوجية و المنطلقات الفكرية المادية الجدلية والمادية التاريخية ، والاقتصاد السياسي والاشتراكية، والاسترشاد بها في مسيرتنا النضالية ببعديها التحرري الوطني و الاجتماعي المطلبي في آن واحد ، مدركين انها مجرد افكار و مقولات نظرية لا يمكن تفعيلها بدون استيعاب تاريخنا الوطني كشرط اول و مدخل اساسي لهذا التفاعل ، عبر منهج الماركسية-اللينينية العلمي النقدي الواضح ، اذ ان من الصعوبة بمكان ان يكون المناضل منا تقدميا جيدا دون ان يكون وطنيا و قوميا جيدا في آن واحد معا ، آخذين بعين الاعتبار التعقيدات الهائلة التي نعيشها في هذه المرحلة ، وما تحمله من معوقات على الصعيد الوطني العام ، و الذاتي الداخلي بكل جوانبه ، وعلى صعيد المعرفة والافكار التقدمية التي نسترشد بها ،التي باتت موضع نقد و هجوم ليس فقط من اعدائها الطفيليين و الكمبرادور والبيروقراطية المتنفذه وغيرهم ، و انما من افراد كان لهم تجربتهم الحزبية والنضالية –بل واعضاء ما زالوا بيننا للأسف ، في حزابنا وفصائلنا، تزعزعت قناعاتهم بها بدواعي الهزيمة من جهة او التكيف و المصالح الخاصة من جهة اخرى .
لكننا نؤمن بان "الحقيقة يجب ان تقال وتصل للجميع" و ما احوج قواعد فصائلنا واحزابنا وكوادرها المناضلة لهذه الحقيقة في مثل هذا الظرف ، الذي باتت فيه جماهيرنا الفقيرة احوج ما تكون للتسلح بالاشتراكية كحقيقة معرفية واضحة ومباشرة من ناحية، وكضرورة حتمية لاستمرار الحضارة البشرية، وضمان لا غنى عنه لبقاء الجنس البشري.
وفي هذا السياق فان الخطوة الاولى ، تقتضي من كافة قوى اليسار في بلادنا تخطي احد اهم جوانب ازمتها الذاتية الداخلية، التي تطال الهوية الايديولوجية والاطار الفكري العام ، وتحاول ان تصيبه بالرخاوه التي تكاد ان تحول بعضنا الى غرباء عن الواقع من حولنا ، بعد ان تعطلت ادوات هذا الاطار ، و اصابه الكثير من مظاهر الارباك و الفوضى و التراجع عبر التوجهات الليبرالية الهابطة او النزعات الدينية المرتبكة او العدمية التائهة وغير ذلك من الاسباب التي تخدم بوعي او بدون وعي تعميق ازمتنا الذاتية تحت وهم الخروج من هذه الازمة ، وهذا يستلزم منا اعادة التعامل بكل وعي وقناعه والتزام بالنظرية الماركسية اللينينية و منهجها النقدي ، وتفعيلهما عبر الممارسة ، في تطوير واستنهاض العلاقات التنظيمية الداخلية لأحزابنا وفصائلنا ، تمهيدا لتعميق التواصل الفعال والمؤثر مع كل مكونات الحياة الاجتماعية و السياسية و الاقتصادية و الثقافية في بلادنا ، لتشكل هذه العناوين مدخلا موضوعيا و عمليا يعزز دورنا السياسي والديمقراطي المطلبي العام في اوساط الجماهير و بما يساهم في كسر حالة العزلة و الانكفاء التي تعيشها قوى اليسار اليوم ، صوب الدور المستقبلي الذي نتطلع اليه ونناضل من اجله .
هنا علينا الأخذ بعين الاعتبار في محاولتنا توفير ما يتطلبه مشروعنا الثقافي التقدمي و الديمقراطي ، أن نقدم تباعا مجموعة من الدراسات النظرية ، والفكرية و السياسية العامة ، دون ان نغفل التأكيد على ان هذه العملية التثقيفية لن تكون بديلا عن جهود الرفاق الذاتية في هذا الميدان ، وحرصهم على التواصل والقراءة الذاتية في كل مجالات المعرفة عموما ، وفي المجال الفكري التقدمي الطبقي والوطني والقومي والانساني خصوصا ، ففي هذه الوحدة بين الذاتي والموضوعي في اطار قوى اليسار ، تتجلى مقولة لينين "لا حركة ثورية بدون نظرية ثورية" ، ذلك ان تجسيد الهوية الفكرية لأحزابنا وفصائلنا بصورة نوعية وواضحة ، هو في حقيقة الامر تجسيد لنضال رفاقنا والتزامهم الخلاق ، الذي سيعطي قوى اليسار القوة والحيوية في مناخ تسوده العلاقات الرفاقية الحميمة المستنده الى قيم النضال المشترك ، والالتزام الجماعي ، والتضحية والوفاء والدفء والمحبة والانسجام بين الجميع لازاحة وطرد قيم الجفاء والكراهية من صفوفنا مستذكرين قول المناضل الاممي العظيم جيفارا "بدون المحبة بين الرفاق لا يمكن لاي حزب ان يسود او ينتصر" الامر الذي يتطلب الجمع الخلاق بين مبادئنا وافكارنا العقلانية المجردة من جهة وبين البعد العاطفي الانفعالي بها كمحفز اساسي واطار حميم على المستوى الشخصي لكل رفاقنا من جهة ثانية . الامر الذي يكفل شطب حالة الضعف والميوعة الفكرية السائدة راهنا بين رفاقنا ، بمثل ما يكفل الوقوف بحزم ضد كل النزعات التكتليه والشلليه والفردية المتسلطة مهما كانت مبرراتها ، والعمل على طمس كل مظاهر ورموز الخلل والتراجع والهبوط ، فالحزب يقوى بتطهير نفسـه .
وفي هذا السياق اؤكد اننا لا نبالغ مهما شددنا على مقولة "لا حركة ثورية بدون نظرية ثورية" ، لاننا نعيش في أوضاع منحطة مهزومة ومأزومة، تترعرع فيها وتختلط كافة المفاهيم والشعارات الضارة والمضللة ، جنبا الى جنب مع التبشير الشائع بالتوفيقية والوسطية في الفكر ، المعبرة في حقيقتها عن جوهر الموقف الانتهازي مدركا لموقفه او غير مدرك ، عدا عن ان هذه المظاهر تترافق مع الميل الى اشكال النشاط العملي الضيقة جدا اذا ما مورست بعيدا عن ترابطها الوثيق بهويتنا الفكريـة والتزامنا التنظيمي الصارم بها .
اخيرا علينا جميعا وجوب الادراك والالتزام –بقناعة كاملة وبروح تغمرها العزيمة والتفاؤل- بأن احزابنا وفصائلنا تجسد التطلع صوب المستقبل، عبر دورها الطليعي في تغيير هذا الواقع الفلسطيني والعربي المرير.
لذلك فاننا معنيون في هذه المرحلة بالعمل الجاد نحو تصفية الحساب مع اتجاهات الفكر الاخرى بكل أشكالها وعناوينها الليبرالية الجديدة والدينية السياسية والرجعية المتخلفة ، التي تهدد باخراج قوى اليسار الماركسي في الوطن العربي عن الطريق القويم صوب المستقبل الذي ستتحقق فيه اماني وتطلعات جماهيرنا الشعبية الفقيرة في الخلاص من المعاناه والقهر السياسي والطبقي بكل مظاهره واشكاله ، منطلقين في ذلك من ان توجهاتنا الوطنية وممارساتنا النضالية تسترشد بعمق ، بالمقومات الفكرية والمنهجية للماركسية اللينينية والافكار الاشتراكية وما تمثله من موقف اممي في جوهره ، ولن يكون قادرا على تحقيق هذه المهام الا حزب طليعي مناضل يسترشد بنظرية الطليعة ، وكما يقول لينين "نحن نسير جماعة متراصة في طريق وعر وصعب ، متكاتفين بقوة ، يطوقنا الاعداء من جميع الجهات وينبغي لنا ان نسير على الدوام تقريبا ونحن عرضة لنيرانهم ، لقد اتحدنا بملئ ارادتنا ، اتحدنا بغية مقارعة الاعداء بالذات ، لا للوقوع في المستنقع ، احرار في النضال لا ضد المستنقع وحسب بل ايضا ضد الذين يعرجون عليه" .
ختاماً، لا بد لي من التأكيد الواثق بأن مسيرتنا سوف تمضي في طريقها رغم كل ما هو كائن، ومن أجل ما سيكون.
قد يهتز من مصاعب الطريق من يهتز.
قد يحبط من حجم الاخفاقات من يحبط.
قد يسقط في خندق الأعداء بفعل الاغراءات من يسقط.
ومع ذلك فإن قافلة الماركسية اللينينية في بلدان العالم الفقيرة والمهمشه ، وفي بلدان وطننا العربي، سوف تواصل مسيرتها ونضالها التقدمي الديمقراطي، حتى تبلغ غايتها، بتحقيق اشتراكية عصرية متجددة ذات وجه انساني ، وذات محتوى ديمقراطي .



#غازي_الصوراني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حول الإسلام السياسي والعلمانية والديمقراطية ومستقبل أحزاب وف ...
- استعادة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين لدورها مرهون بتواصلها م ...
- نداء الى كل القوى الوطنية في مغرب ومشرق الوطن العربي
- أحمد بهاء شعبان الأمين العام للحزب الإشتراكي المصري _ -قوة ا ...
- الماركسية في كل من المشهد الراهن للنظام الرأسمالي العالمي وو ...
- حول الحل المرحلي والحل المستقبلي للمسألة الفلسطينية وفق المظ ...
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين... وجذورها القومية المرتبطة بحر ...
- اللاجئون الفلسطينيون بعد 78 عاما من النكبة وتواصل مسيرة النض ...
- المادة وأشكال وجودها وحركتها
- هل المعرفة نسبية أم مطلقة وما هو دور الممارسة في تبلور المعر ...
- تاريخ التأسيس التنظيمي لـ-الصهيونية الدينية- ومبادئها ونموها ...
- إعادة إحياء وتجدد الوعي بطبيعة الدولة الصهيونية، ودورها وظيف ...
- على طريق النضال الوطني التحرري الكفاحي والتقدمي الديمقراطي
- باختصار حول تطور مفهوم فلسفة الاخلاق والتنوير مع بزوغ عصر ال ...
- في الذكرى الخمسين ليوم الأرض
- رؤية المفكر الراحل سمير امين للتاريخ والصراع الطبقي والعلاقا ...
- 143 عاما على رحيل الفيلسوف المادي كارل ماركس
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ...
- التاسع من آذار .. يوم الشهيد الجبهاوي.... يوم الوفاء للشهداء ...
- أزمة المجتمعات العربية ورهانات المستقبل


المزيد.....




- -زي عسكري وبيعة لداعش-.. المغرب يعلن إحباط مخطط إرهابي -بالغ ...
- تشمل شراء طائرات وإنشاء مصانع.. خطة إسرائيلية لتعزيز قدرات ا ...
- بنعبد الله يترأس لقاءً جماهيرياً حاشداً بسيدي امحمد اومرزوق ...
- برلين ـ تحذير ات من فوز -ذراع بوتين البرلمانية بألمانيا-
- حركة -أنصار الله- تهدد بإغلاق باب المندب
- هجوم مسلح يستهدف ناقلة قبالة سواحل اليمن
- الكرملين: ترامب منفتح على الاستماع إلى بوتين في أزمة أوكراني ...
- الجيش الإسرائيلي يعلن تصفية 5 مسلحين شمال غزة
- قصر باكنغهام يسحب دعوة إقامة الأمير هاري بعد قبولها في اللحظ ...
- أسراب من المسيرات تخترق إسرائيل عبر الحدود المصرية.. ومطالبا ...


المزيد.....

- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل / سعيد مضيه


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - غازي الصوراني - رسالة ثقافية تقدمية فلسطينية/ عربية الى الرفاق في أحزاب وفصائل اليسار في مغرب ومشرق الوطن العربي