|
|
حول الإسلام السياسي والعلمانية والديمقراطية ومستقبل أحزاب وفصائل اليسار في الوطن العربي
غازي الصوراني
مفكر وباحث فلسطيني
الحوار المتمدن-العدد: 8757 - 2026 / 7 / 5 - 22:11
المحور:
اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
- بداية يجدر بنا أن نميز بين الإسلام السياسي، بوصفه ظاهرة سياسية – دينية وبين الإسلام كعقائد وعبادات وتراث ثقافي، اذ يمكن هنا الانطلاق من تعريف للاسلام السياسي على انه "اللجوء الى مفردات الإسلام كدين للتعبير عن مشروع سياسي"، على ان النقطة المحورية في الإسلام السياسي هي سعيه للوصول الى السلطة، باعتبار ان ذلك الشرط الضروري لاقامة مشروعه السياسي الاقتصادي الاجتماعي الثقافي القانوني الذي لا يجسد المصالح الطبقية للقائمين عليه فحسب ، بل يجسد أيضاً الرؤى الأصولية الرجعية النقيضة للنهوض والتقدم الديمقراطي لشعوبنا، مما سيعرض بلادنا في حال تحقق هدف الإسلام السياسي، لمزيد من عوامل التخلف السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي من جهة ولمزيد من التبعية والارتهان للنظام الامبريالي الرأسمالي من جهة ثانية مهما كانت دوافع او مبررات او نوايا القائمين على هذا المشروع . (أليس حزب العدالة والتنمية التركي حزبا اسلاميا ، فلماذا تقيم تركيا علاقات عسكرية وسياسية واقتصادية وطيدة مع الكيان الصهيوني إضافة الى عضويتها في حلف الناتو؟). - في مناقشتنا للاسلام السياسي وأهدافه في بلادنا، يتضح بصورة موضوعية ان القضية الأساسية هي موقف الأصولية من الدولة والهوية الوطنية والقومية، حيث تؤكد التجربة التاريخية والراهنة تناقض وعداء الكثير من التيارات الدينية وفي طليعتهم الاخوان المسلمين لمفاهيم الوطنية والقومية والتنوير والعقلانية والديمقراطية والدولة والهوية، لحساب تطبيق مفهوم الهوية الإسلامية السياسية والأصولية وكل ما يتفرع عنها. - إن عملية فهم نشأة الحركات الأصولية وبنيتها الأيدلوجية، وبنية عقليتها وطريقة اشتغالها الوظيفية، هي العملية الأولى والأهم قبل الدخول في أي نقاش حول الإسلام السياسي. في هذا الجانب يقول محمد سعيد العشماوي في كتابه التحليلي (الإسلام السياسي):" إن تسييس الدين او تديين السياسة لا يكون الا عملا من اعمال الفجار الاشرار او عملا من اعمال الجهال غير المبصرين ،لأنه يضع للإنتهازية عنوانا من الدين ،ويقدم تبريرا من الآيات ،ويعطي للجشع اسما من الشريعة ،ويضفي على الانحراف هالة من الإيمان ، ويجعل سفك الدماء ظلما وعدوانا ،عملا من اعمال الجهاد". وبغض النظر عن وجاهة أفكار الكاتب الإسلامي محمد عمشاوي، الا ان البحث في أسباب صعود هذه الظاهرة يقودنا الى حصر ثلاثة عوامل أساسية لما سمي بالانبعاث الإسلامي أو الأصولية الإسلامية وهي: 1-عامل سياسي : - يتلخص أساساً في الظروف الدولية التي تلت انتصار الثورة الايرانية ، والطفرة النفطية الخليجية وانهيار النظام الاشتراكي والمشروع القومي العربي ، واستفحال سيطرة العولمة الرأسمالية ، وأوضاع الانحطاط عبر تفاقم التخلف والتبعية والاستغلال والقهر والفقر المدقع المنتشر في البلدان غير النفطية، والذي يشكل عاملا رئيسيا من عوامل توسع حركات التطرف الاسلاموي وانتشارها . 2-عامل اقتصادي: - محوره استفراد الرأسمال العالمي المتمثل اساسا في الشركات العملاقة المتعدية الجنسية ومنظمة التجارة الدولية والبنك والصندوق الدوليين بمصير العالم عبر السيطرة الامبريالية الامريكية المعولمة ، وانهيار شروط العمل في الاطراف التابعة والمتخلفة ، وتبخر امال الشعوب في التنمية وتقرير المصير الاقتصادي والسياسي والاجتماعي وبالذات بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. 3- عامل تربوي: - يتلخص هذا العامل في تفشي الانغلاق و قيم الكراهية والتعصب في المنظومة التربوية في العالم الثالث ، خصوصا اتجاه الاقليات الدينية والعرقية ، وحتى في تنوعات الدين الواحد. - وفي ظلال هذا المشهد المأساوي الهابط سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً، باتت الأوضاع العربية –في مساحة كبيرة منها- محكومة بهذه الدرجة او تلك لهيمنة قوى اليمين الكومبرادوري البيروقراطي الحاكم في معظم النظام العربي عموما ، وفي دويلات النفط في الخليج الى جانب السعودية خصوصا عبر خضوعها الكامل لمخططات الولايات المتحدة الامريكية دون أي اعتبار لدعم حاجات الشعوب العربية الفقيرة ، والمثال الساطع لهذا الخضوع حجم الأموال المقدمة لأمريكا عبر رئيسها الصهيوني ترامب من دول الخليج والسعودية التي بلغت خمسة آلاف مليار ، في حين لم تقدم احتياجات اعمار قطاع غزة التي لا تزيد عن 70 مليار دولار فقط أي نسبة 1.4% من المبلغ المدفوع للولايات المتحدة الامريكية . -على أي حال ، انني أرى وقد يتفق معي كافة الرفاق - بالنسبة للموقف من الإسلام – علينا ان نميز بين عدة مستويات: فالإسلام عقيدة وعبادات وأخلاق، والإسلام أيضا مجموعة من قوانين (او شريعة)، والإسلام مكون مهم من مكونات الهوية او مكون من مكونات الثقافة والحضارة بمفهومها الواسع. والموقف من الإسلام هو اذن موقف من كل هذه المستويات، ويتوجب علينا احترامه خاصة في الأوساط الشعبية او الوعي العفوي، انطلاقا من ادراكنا لدور أحزاب وفصائل اليسار في الوطن العربي ومسئوليتها في الالتزام المطلق باحترام العقائد الدينية وحريتها الكاملة في أوساط الجماهير، دون ان نتجاهل كيف تحولت الأديان من طاقة روحية ثورية في بداياتها الأولى، إلى أداة لخدمة مصالح الطبقة السائدة ، بعد أن نجحت القوى الطبقية العليا من استخدام الأديان لحساب مصالحها. - فالدين ينبثق من واقع اجتماعي اقتصادي سياسي تاريخي شديد التعقيد، ويتطور بتطور هذا الواقع. - ما نسعى إليه بكلام آخر، هو تحليل السلوك الديني في الحياة اليومية، وما يستند إليه من تفسيرات خاصة للنصوص الدينية في السياق الاجتماعي والتاريخي. - وفي هذا السياق ، فإن من المفيد أن نحلل بصورة موضوعية علاقة الدين بالفقر والطبقية والسياسة، الذي يركز على عدد من توظيفات الدين في المجتمع العربي المعاصر: استخدام الدين كأداة سيطرة طبقية من قبل النظام الحاكم. استخدام الدين كأداة تحريض. استخدام الدين كأداة مصالحة مع الواقع المرير. - وفي معظم الأحوال، فقد تم استخدام العناصر أو التوظيفات الثلاثة للدين لغايات تثبيت المصالح الطبقية والسياسية من ناحية، وفي الصراع مع مفهوم وأفكار الديمقراطية والتطور السياسي وحقوق الناس في المجتمع وموارده كافة من ناحية ثانية. - وفي هذا السياق أشير إلى موقفنا الموضوعي تجاه مفهوم العلمنة: 1- تامين الحرية الدينية. 2- فصل الدين عن الدولة. 3- اعتبار الشعب أو المجتمع مصدر القوانين . 4- تعزيز المحاكم المدنية العامة لضمان المساواة التامة في الحقوق والواجبات. 5- عقلنة الدولة والمجتمع وتعزيز الثقافة العلمية العقلانية. 6- تحرير الدين من سيطرة الدولة وإساءة استعماله لأغراض سياسية، وكذلك تحرير الدولة من هيمنة المؤسسات الدينية. - فقد نشأ مفهوم العلمنة – كما يقول بحق عاطف أحمد - لوصف العملية التاريخية التي حدثت في المجتمع الأوروبي في نهايات العصور الوسطى، والبدايات الاولى للعصور الحديثة، والتي ما زالت مستمرة حتى اليوم، حيث تكونت طبقة اجتماعية كانت في البداية تجارية ثم أصبحت رأسمالية صناعية، راحت تشكل داخل المجتمع تدريجيا دائرة اقتصادية مستقلة، ثم أصبحت قادرة على تشكيل دائرة سياسية مستقلة ومنفصلة عن الدائرة الدينية: وفي موازاة ذلك اخذت تشكل دائرة ثقافية (فكرية وادبية وفنية) مستقلة أكثر فأكثر عن الدائرة الدينية، وقد رافق ذلك كله تطور وارتقاء في البحث العلمي أدى الى تغير في صورة العالم والانسان، والى ابداعات تكنولوجية غيرت أسلوب الحياة في المجتمع. - وشهد الوعي الانساني تحولا جذريا من الاهتمام بالمسائل الأخروية التي تواكبها وتقوم عليها مؤسسات دينية مسيطره وذات نفوذ وتحالف مع السلطة ، وتمتلك الموارد الكبيرة على حساب فقراء الشعب وبسطاءه الى الاهتمام بالحياة الانسانية على الأرض، وتمت هذه العملية منذ البداية من خلال صراع اجتماعي سياسي وفكري مع القوى الدينية والسياسية المهيمنة على المجتمع في العصور الوسطى. هذا التحول في الوعي الانساني وما نتج عنه من تغير في نمط الحياة الانسانية، تم من خلال ابعاد الهيمنة المعرفية للسلطة الدينية ، وهو ما يسمى بالعلمنة، وهي عملية ذات جوانب ومستويات متعددة، لذلك وصفها علماء الاجتماع والمشتغلون بالثقافة بطرق مختلفة وفقاً للجانب او المستوى الذي يتم التركيز عليه، وللزاوية او المنظور الذي يتم تناولها من خلاله، ثم وفقاً لتعريفهم للدين. ان العلمانية – كما يضيف عاطف أحمد- تكتسب لدينا حالياً طابعاً نظرياً جدالياً بوصفها مفهوماً يؤسس لعملية ابعاد الدين عن السيطرة على مجالات الحياة المدنية المختلفة، والتي هي بطبيعتها تقع خارج نطاق الدين، المنظرين لسيطرة الدين على الحياة المدنية، يعتبرون أنفسهم ممثلين للدين، فهم لا يرون في العلمانية سوى أنها لا دينية بمعنى أنها ضد الدين كدين، وقليل منهم من يبرز الوجه الحقيقي للعلمانية باعتبارها دفاعاً عن استقلال الحياة المدنية ضد أي سيطرة معرفية تدعى أنها فوق بشرية. فالعلمانية اذن ليست منافسة للدين، وليست مذهباً أو تياراً فلسفياً وليست نظرية معرفية، ولا هي نظرية في علم من العلوم ، كما ان العلمانية بالنسبة لنا ، لا تعني عقيدة لا دينية ، ولا استبعاد الدين من الحياة العامة ، ولا تقييد الحريات الدينية ، انها تعني حياد الدولة ومؤسساتها تجاه الاديان والعقائد حتى تضمن –كما يقول برهان غليون- المساواة الكاملة بين مواطنيها بصرف النظر عن اعتقاداتهم ، وعدم انخراطها في النقاشات العقائدية والدينية أو استخدام الدين للتغطية على اختياراتها وممارساتها السياسية ، سواء كانت هذه الاختيارات والممارسات سليمة وصائبة ام خاطئة واشكالية . اذن العلمانية ليست ضد الدين لكنها ضد الوثنية الدينية وضد سلطة رجال الدين وتدخلهم في حياة الانسان، العلمانية عملية تاريخية او سيرورة تقدم في التاريخ والمعرفة، فالعلمانية لغوياً مشتقة من العالم الدنيوي او عالم البشر الذي يصنعون تاريخهم بأنفسهم، وهي بذلك تقيم سلطة العقل والمنطق، وتعلن نسبية الحقيقة وتاريخيتها وتغيرها. العلمانية أيضا الى جانب الديمقراطية بالطبع ، ضرورة من ضرورات ومستلزمات العصر، لا يمكن الاستغناء عنهما من دون الارتداد الى شيء قروسطي (أي الخروج من العصر نهائياً) اذ لا مواطنة ولا مساواة امام القانون ولا ديمقراطية جدية ولا تطور اقتصادي من دون مجتمع مدني علماني. - إذن العلمانية تؤكد نفسها ليس كوجهة نظر، بل كمسألة حياة أو موت، (في كافة المجتمعات، والمتخلفة منها بشكل خاص)، فالعلمانية هي شرط من شروط الديمقراطية التي لا يمكن تحققها وترسيخها بدون حد أدنى من المجتمع المدني العلماني التي يتجاوز الولاءات الطائفية او الجهوية او المذهبية او العشائرية ويستوعبها في في علاقة المواطنة وقيمها. - بالطبع هناك تعريف للعلمانية في حدودها الدنيا، وآخر في حدودها العليا: - العلمانية في حدودها الدنيا، هي الحياد الايجابي للدولة واجهزتها ومؤسساتها، ازاء الأديان والطوائف والمذاهب التي يتألف منها المجتمع. - اما العلمانية بمعانيها وممارساتها القصوى – فهي كما يقول صادق العظم – غير معروضة علينا واقعياً في الوقت الحاضر (بسبب التخلف الشديد والتبعية والهبوط ... الخ) فالعلمانية – في حدودها القصوى او العليا- لا تفرض نفسها عادة الا في اللحظات الثورية الكبرى كما في الثورة الفرنسية والثورة البلشفية (علمانية اتاتورك منزلة بين المنزلتين (الحدين الأدنى والأقصى) (أما علمانية الناصرية فقد كانت اضعف من الكمالية) العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية: يشير مصطلح "العلمانية" إلى وجود فصل واضح بين المؤسسات أو السلطة السياسية وبين المؤسسات أو السلطة الدينية. أما في المجال السياسي، فان المصطلح يشير إلى أن الأحزاب السياسية، والهويات والبرامج المعتمدة تستند إلى منطلقات، وديناميكيات وعوامل تختلف عن مثيلاتها في المجال الديني. وهناك عدد من المثقفين والمفكرين العرب تحدثوا عن مصطلح العلمانية المؤمنة لحل الإشكالية بين الدين والتقدم، معتبرين أن العلمانية المؤمنة تفصل الدين عن الدولة وتقدم تصوراً يقوم على احترام الدين وحرية ممارسته، ويرون أن رجال الدين المتنورين يتحملون مسئولية تجديد الخطاب الديني كضمان لتجديد الخطاب الثقافي. بالنسبة لنا – كفلسطينيين- فقد تأثر الحقل الوطني السياسي الفلسطيني الذي شكلته منظمة التحرير الفلسطينية بشكل أساسي بأيديولوجيات علمانية (القومية العربية، الاشتراكية، وأيديولوجيات حركات التحرر الوطني) ، وقد تم التعبير عن الهوية والحقوق الفلسطينية بعيد النكبة في العام 1948 على أساس "علماني"، حيث مثلت منظمة التحرير الفلسطينية مظلة سياسية للحركة الوطنية الفلسطينية منذ أواخر الستينات إلى يومنا هذا، ولم تلجأ المنظمة في أي لحظة إلى الدين أو الأسطورة لتبرير ذاتها وتشريع سياساتها ،رغم التمسك والتركيز الدائم على المقدسات الدينية الإسلاميه والمسيحية في فلسطين ، وفي هذا الجانب يمكن ان نفسر موقف حماس ، باعتبارها فرع من الاخوان المسلمين ، وامتناعها عن المشاركة في م.ت.ف . - وقد كان الوضع كذلك ما قبل عام 1948 ، (الدين لله والوطن للجميع) ، واستمر بعد ذلك بإعادة انبعاث الوطنية الفلسطينية في الستينات ، لذلك، بقيت عقيدة انبعاث الوطنية الفلسطينية (حق تقرير المصير، حق العودة، والحق في دولة مستقلة ذات سيادة) مستقلة عن أي منحى سلفي أو أصولي يهددها كما هو حالنا اليوم في ضوء الانقسام أو الانقلاب الحمساوي المتواصل منذ 18 حتى اللحظة وكان ومازال مكسبا صافيا للعدو الصهيوني . - من ناحية ثاني أشير إلى أن التحدي الداخلي للعلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية الذي لم ينشأ إلا في عقد الثمانينات، فقد برز هذا التحدي بعد أن ضعفت منظمة التحرير الفلسطينية بفعل تلاقي عدد من الأحداث والتغييرات على الأصعدة المحلية، والإقليمية والدولية وتأسيس ونشأة المجمع الإسلامي في غزة آنذاك ثم حركة حماس في أغسطس 1987. فقد تم في تلك الفترة إخراج مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان بعيد الغزو الإسرائيلي للبلد وحصار عاصمته خلال صيف 1982 ، وتبع ذلك بعد فترة قصيرة مجزرة صبرا وشاتيلا على أيدي الكتائب اللبنانية وبدعم إسرائيلي. وقد شهد هذا العقد أيضا انقسام حركة فتح. - كما شهدت الثمانينات أيضا حروبا ضد المخيمات الفلسطينية في لبنان، على أيدي حركة أمل. وشهد أواخر العام 1987 اندلاع الانتفاضة الأولى ضد الاحتلال الإسرائيلي. وجدير بالذكر أن أواخر السبعينات شهدت توقيع اتفاقية كامب ديفيد (1979)، ونجاح الثورة الإيرانية، فيما شهدت بداية التسعينات انهيار الاتحاد السوفييتي والكتلة الاشتراكية، واللذين شكّلا الحليف الدولي الرئيسي لمنظمة التحرير الفلسطينية. أما حرب الخليج الثانية، فقد أدت إلى نشوء بنى لقوى إقليمية جديدة، التي كان لها انعكاساتها على مكانة ودور منظمة التحرير الفلسطينية. - ومع تراجع الدور الفكري والسياسي لليسار وبروز الإسلام السياسي (خاصة حماس) كقوة ذات قاعدة جماهيرية ، وتحول فتح إلى حزب سياسي حاكم قبل تشكل دولة وطنية مستقلة وذات سيادة، الى جانب انهيار المشروع القومي العربي، تولدت توترات جديدة في الحقل السياسي الوطني. وأحد هذه التوترات كان بين التوجهات العلمانية الوطنية وتوجهات الإسلام السياسي. - أن انحسار مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية الوطنية، والثقافة السياسية الفلسطينية ثقافة التحرير، والنضال من أجل الحرية، والوحدة الوطنية ، ثم بدايات الهبوط السياسي بعد أوسلو والاعتراف باسرائيل وتراكمات مظاهر الفساد ، أعقبها تراجع في المنحى العلماني لهذه الثقافة ،وقد جاء إنشاء السلطة الفلسطينية ليعزز هذا الانحسار، حيث عمدت حركات الإسلام السياسي وتبعتها السلطة الفلسطينية لاستخدام التدين الشعبي والتضامن "التقليدي" في عملية الصراع على الحيز العام. التيارات السلفية خصم جدي للعلمانية : قلنا إن الحركة الأصولية هي ردة فعل على التطورات الجارية في المجتمع (بهدف وقف عملية التقدم او الانفتاح العقلاني واستعادة السيطرة الدينية على المجتمع) اذ ان العودة الى شعار اعادة تطبيق الشريعة الإسلامية معناه من وجهة نظرهم ان الشريعة غير مطبقة، وبالتالي يرفعون شعار الأصولية التي تعني استعادة الوضع الذي كان سائداً في السابق، أي أسلمة المجتمعات الإسلامية ، ومن هنا نجدهم يرفضون أعظم شعار رفعه التاريخ العربي الحديث: "الدين لله والوطن للجميع". لقد جرى تبلور فكرة الإسلام السياسي الحديث في الهند بداية القرن العشرين، لكن "ابو الاعلى المودودي" كان من اوائل الذين تبنوا فكرة الإسلام السياسي وبشروا بها، وهكذا تبنى "المودودي، فكرة الحاكمية لله، مؤكداً على أن الدولة عليها أن تطبق قانون الشريعة الإسلامي. ففي حين ان اوروبا تطورت وانتقلت من العصور الوسطى، عصور الظلام وهيمنة الكنيسة ، الى عصر النهضة عبر حركات الاصلاح، وبروز مفاهيم التنوير والحداثة والعقلانية والحريات الفردية والملكية الخاصة، وحركات الاصلاح الديني. هذا وقد بقيت المجتمعات العربية اسيرة للتخلف العميق في كل مظاهر الحياة المادية والروحية التي ظلت محكومة للرؤى والمنطلقات الرجعية قبل الاستعمار التركي واثناءه والى اليوم. بالطبع كاان ظهور الإسلام السياسي الذي مثلته "حركة الاخوان المسلمين" وما تفرع منها ، شكل قطيعة مع تيار الاصلاح الديني الذي روج له كل من الافغاني ومحمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي. إن تنامي الحركات الدينية السياسية قد أصبح يشكل منذ السبعينيات من القرن الماضي احد الملامح الهامة للتغيير السياسي والاجتماعي في عدد من المجتمعات الإسلامية. أما في بلادنا العربية عموما ، فإننا نلاحظ تصاعد الفعاليات السياسية باسم الدين ، خاصة وان مجتمعاتنا تدين أغلبيتها بالإسلام ، علاوة على أن الدين ما زال يملك تأثيرا فعالا وأساسيا في بنية أجهزة الدولة الايدولوجية . وفي هذا المناخ المهزوم والمأزوم الذي تتزايد فيه عوامل الإحباط والقلق والتخلف والتبعية ، بفعل الهيمنة الامبريالية الصهيونية من ناحية، وهزيمة أو تراجع وتفكك القوى الوطنية والقومية واليسارية العربية من ناحية ثانية ، تنامت الحركات الدينية السياسية بشكل ملحوظ . ان الاساس في هذه الحركات هو دعوتها الى معالجة القضايا المعاصرة، الاجتماعية والاقتصادية والسياسية...، عبر منطق تراجعي، من خلال الدعوة للعودة، بحسب ادعاء هذه الحركات، الى الماضي والى اصول الايمان والاعتقاد. فالحركات الأصولية الدينية، على نحو ما تبين لنا، تتخلق في ارحام الازمات الهيكلية لمجتمعاتها، وتولد، وتنمو مع تفاقم هذه الازمات وازدياد حدة اثارها المواكبة لها والناجمة عنها. أما بالنسبة للعالم العربي في السبعينات والثمانينات من هذا القرن، فيمكن القول ان هذه المرحلة تمثل زمن الانتقال والتحول لاعادة ادماج معظم المنطقة العربية من جديد في النظام الراسمالي العالمي عبر تبعية خاضعة. وبالتالي فاننا نواجه حركات اجتماعية سياسية ذات شكل ديني، ( حماس او أي فرع من فروع حركة الاخوان المسلمين) لها جذورها الاجتماعية الضاربة في اعماق تناقضات مجتمعاتها وصراعاتها ، الى جانب تفاقم اوضاع التبعية والتخلف والاستبداد والاستغلال والخضوع والفقر المدقع في معظم بلدان النظام العربي ، وهي أوضاع تجسد المناخات الملائمة تماما لانتشار حركات الإسلام السياسي في أوساط الفقراء من أبناء شعوبنا في الوطن العربي ، الآمر الذي يفرض ويحتم الضرورة الملحة بالتصدي السياسي والثقافي لهذه الحركات من كافة القوى الوطنية عموما والقوى التقدمية اليسارية خصوصا من خلال التركيز على فضح أفكارهم والمطالبة بتحقيق الحريات الفردية والعامة عبر الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروة والدخل والتنمية المعتمدة على الذات وفصل الدين عن الدولة وإلغاء وتجاوز كل أوضاع ومظاهر الاستبداد والاستغلال والتخلف والتبعية ، وهنا بالضبط تتحدد الرؤى والبرامج المرتبطة بممارسة النضال السياسي الطبقي الديمقراطي في أوساط الجماهير الشعبية من العمال والفلاحين الفقراء وكافة المضطهدين التي ستقرر مستقبل القوى التقدمية ونهوضها .
#غازي_الصوراني (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
استعادة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين لدورها مرهون بتواصلها م
...
-
نداء الى كل القوى الوطنية في مغرب ومشرق الوطن العربي
-
أحمد بهاء شعبان الأمين العام للحزب الإشتراكي المصري _ -قوة ا
...
-
الماركسية في كل من المشهد الراهن للنظام الرأسمالي العالمي وو
...
-
حول الحل المرحلي والحل المستقبلي للمسألة الفلسطينية وفق المظ
...
-
الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين... وجذورها القومية المرتبطة بحر
...
-
اللاجئون الفلسطينيون بعد 78 عاما من النكبة وتواصل مسيرة النض
...
-
المادة وأشكال وجودها وحركتها
-
هل المعرفة نسبية أم مطلقة وما هو دور الممارسة في تبلور المعر
...
-
تاريخ التأسيس التنظيمي لـ-الصهيونية الدينية- ومبادئها ونموها
...
-
إعادة إحياء وتجدد الوعي بطبيعة الدولة الصهيونية، ودورها وظيف
...
-
على طريق النضال الوطني التحرري الكفاحي والتقدمي الديمقراطي
-
باختصار حول تطور مفهوم فلسفة الاخلاق والتنوير مع بزوغ عصر ال
...
-
في الذكرى الخمسين ليوم الأرض
-
رؤية المفكر الراحل سمير امين للتاريخ والصراع الطبقي والعلاقا
...
-
143 عاما على رحيل الفيلسوف المادي كارل ماركس
-
المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا
...
-
التاسع من آذار .. يوم الشهيد الجبهاوي.... يوم الوفاء للشهداء
...
-
أزمة المجتمعات العربية ورهانات المستقبل
-
الكيان الصهيوني لا مستقبل له في بلادنا
المزيد.....
-
ألعاب نارية تصيب طائرة ركاب خلال هبوطها بأمريكا.. وتحقيق جار
...
-
مسؤول إيراني بارز: تنفيذ الاتفاق مع أمريكا صعب لكنه ممكن
-
البريطانيون يرسلون ناقلات نفط لاعتراض السفن الحربية الروسية
...
-
حريق غابات شرقي إسبانيا يجبر مئات السكان على الفرار
-
حمامات جليدية وساونا وغرف نقص الأكسجين: داخل روتين إرلينغ ها
...
-
الجزائر تنضم إلى المهمة الإفريقية لإرساء السلام في جنوب السو
...
-
غضب إسرائيلي بعد رفض معاقبة حسام حسن
-
سوريا.. توغل قوة إسرائيلية في محيط قرية صيدا الجولان بمحافظة
...
-
ما الحد الأقصى لعمر الإنسان؟.. عالم روسي يجيب
-
أول اختبار لـ-التاكسي الطائر- مع راكب في روسيا (فيديو)
المزيد.....
-
خواطر في المسألة العربية
/ ياسين الحاج صالح
-
سبل تعاطي وتفاعل قوى اليسار في الوطن العربي مع الدين الإسلام
...
/ غازي الصوراني
-
المسألة الإسرائيلية كمسألة عربية
/ ياسين الحاج صالح
-
قيم الحرية والتعددية في الشرق العربي
/ رائد قاسم
-
اللّاحرّية: العرب كبروليتاريا سياسية مثلّثة التبعية
/ ياسين الحاج صالح
-
جدل ألوطنية والشيوعية في العراق
/ لبيب سلطان
-
حل الدولتين..بحث في القوى والمصالح المانعة والممانعة
/ لبيب سلطان
-
موقع الماركسية والماركسيين العرب اليوم حوار نقدي
/ لبيب سلطان
-
الاغتراب في الثقافة العربية المعاصرة : قراءة في المظاهر الثق
...
/ علي أسعد وطفة
-
في نقد العقلية العربية
/ علي أسعد وطفة
المزيد.....
|