أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - خالد الياس رفو - بين جراح الماضي ومخاوف المستقبل















المزيد.....

بين جراح الماضي ومخاوف المستقبل


خالد الياس رفو

الحوار المتمدن-العدد: 8757 - 2026 / 7 / 5 - 22:43
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


في ظل الواقع المأساوي الذي يثقل كاهل المجتمع الايزيدي وبين ضبابية المشهد العام وغموض المستقبل يعيش أبناء هذا الشعب اليوم حالة عميقة من القلق والترقب والخوف وذلك ليس بسبب أزمة عابرة أو ظرف مؤقت، بل يعود إلى تداعيات إبادة جماعية ما تزال آثارها تنخر في تفاصيل حياتهم وتلقي بظلالها الثقيلة على حاضرهم ومستقبلهم.

من الصعب على شعب نجا من واحدة من أبشع جرائم الإبادة الجماعية في العصر الحديث أن يستعيد شعوره بالأمان بينما لا تزال أسباب الخوف قائمة والعدالة غائبة والحقوق مؤجلة والجراح مفتوحة على احتمالات مجهولة.

لقد تجرع الأيزيديين مرارة المأساة بكل تفاصيلها وتعرضوا للقتل الجماعي والخطف والسبي والتهجير القسري وسلبت ممتلكاتهم ودمرت منازلهم وأُحرقت مزارعهم ونهبت ثرواتهم الحيوانية ولم تكن تلك الجريمة تستهدف الإنسان وحده، بل استهدفت وجوده وهويته وتاريخه وذاكرته الجماعية في محاولة لاقتلاع شعب بأكمله من جذوره وتركه يواجه مصيراً تتجاوز قسوته حدود الوصف مخلفاً جراحاً لم تندمل حتى اليوم.

غير أن الأكثر إيلاماً هو أن آثار تلك الإبادة لم تنته بانتهاء العمليات العسكرية فبعد أكثر من عقد من الزمن لا يزال الذين انسحبوا (هربوا) وتركوا أبناء الشعب الأيزيدي فريسة سهلة في أكثر اللحظات خطورة ومصيرية بعيدين عن أي مساءلة أو محاسبة، كما لا يزال كثير ممن تلطخت أيديهم بدماء الأبرياء وارتكبوا جرائم القتل والسبي والإبادة يفلتون من العدالة في وقت ما تزال فيه عشرات المقابر الجماعية شاهدة على هول الجريمة وتنتظر استخراج رفات الضحايا فيها ليواروا الثرى بما يليق بكرامتهم وإنسانيتهم.

في الوقت ذاته ما تزال آلاف الأمهات يحدقن في الطرقات بعيون أنهكها الانتظار وقلوب تتشبث بأمل يكاد ينطفئ في عودة أبنائهن وبناتهن المختطفين وما يزال آلاف الأطفال الذين كانوا رضعاً أو لم يتجاوزوا عمر الخمس سنوات أثناء الإبادة أو ولدوا بعدها في مخيمات النزوح يكبرون وهم لا يعرفون قراهم ولا بيوتهم ولا الأرض التي ينتمون إليها، لقد نشأ الكثير منهم وهو يعرف نفسه بأنه ابن المخيم لا ابن سنجار أو إحدى القرى الايزيدية التي حرم منها بسبب الإبادة.

أما سنجار الجريحة التي دفعت أثماناً باهظة دفاعاً عن وجودها فما تزال تنتظر أن تعود إليها الحياة .. شوارعها ومدارسها ومستشفياتها ومراكزها الصحية وشبكات المياه والكهرباء ومؤسساتها الخدمية جميعها ما تزال تنتظر إعادة الإعمار وكأن الزمن توقف فيها عند لحظة الفاجعة، لتبقى مدينة كاملة معلقة بين الماضي والحاضر تنتظر أن تستعيد روحها فيعود إليها أهلها الذين ما زالوا يعيشون في وطنهم وكأنهم لاجئون.

لقد صنعت هذه التراكمات واقعاً نفسياً بالغ القسوة فالغالبية العظمى من أبناء الشعب الأيزيدي يعيشون اليوم تحت وطأة الصدمات النفسية والكوابيس والقلق المزمن والخوف من المستقبل، إنهم يخوضون معارك صامتة في أعماقهم .. يصرخون بلا صوت ويتمسكون بالحياة رغم ثقل الآلام لكنهم كثيراً ما يشعرون بأن لا أحد يسمع صرخاتهم ولا أحد يكترث لمعاناتهم.

لعل أكثر ما يضاعف من عمق هذه الجراح هو شعور الايزيديين بأنهم تركوا وحدهم في مواجهة الموت والمصير المجهول فالسلطات السياسية في بغداد وأربيل والموصل لم تظهر حتى اليوم اهتماماً يرتقي إلى حجم الفاجعة الإنسانية التي حلت بهذا الشعب، بل بدا في كثير من الأحيان أن القضية الايزيدية تحولت إلى ملف ثانوي مهمل أو إلى ورقة للمساومات السياسية تناقش من دون حضور أصحابها وتتخذ القرارات المتعلقة بمستقبلهم من دون الرجوع إليهم وكأنهم مجرد أرقام في تقارير رسمية لا شعب يمتلك تاريخاً عريقاً وهوية أصيلة وحقوقاً لا يجوز التفريط بها.

في خضم هذا الإحباط المتراكم برزت وللأسف الشديد ظاهرة مؤلمة داخل المجتمع الايزيدي نفسه ففي بعض الأحيان، بدلاً من أن تتحول الجراح المشتركة إلى مصدر للوحدة والتكاتف أصبحت مدخلاً للخلاف والانقسام وبدلاً من أن يسند الأيزيديين بعضهم بعضاً، أخذ بعضهم يهاجم بعضاً ويتبادل الاتهامات والتجريح والتخوين وكأنهم خصوم متنازعون لا أبناء قضية واحدة ومصير واحد.

إن هذه الانقسامات لا تخدم إلا الجهات التي تسعى إلى إضعاف الشعب الايزيدي، فهي تستنزف طاقاته وتعمق جراحه وتؤخر تعافيه وتضعف قدرته على الدفاع عن حقوقه وانتزاع مستقبله ولقد أثبتت تجارب الشعوب التي مرت بالكوارث الكبرى أن النهوض لا يتحقق إلا عندما تتجاوز خلافاتها وتؤمن بأن وحدتها هي الركيزة الأولى للعدالة والتعافي والبقاء.

إن الأجدر بشعبنا الأيزيدي أن يحتضن بعضه بعضاً وأن يصغي إلى اختلافاته بعقل منفتح وأن يدافع أفراده عن بعضهم بعضاً وأن يتصالحوا مع أخطائهم ويقدموا التنازلات المتبادلة من أجل المصلحة العامة. فالاختلاف في الرأي لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة والنقد لا يجوز أن ينحدر إلى الإساءة والتنوع في الأفكار داخل المجتمع يجب أن يكون مصدر قوة لا سبباً للتفكك والانقسام.

إن المرحلة التي يعيشها الأيزيديين اليوم تتطلب وعياً فكرياً عميقاً وإرادة جماعية راسخة وإيماناً بأن مستقبل هذا المجتمع لا يمكن أن يبنى إلا بسواعد أبنائه.
كما تتطلب احتضان الشباب والاستماع إلى أفكارهم وتشجيعهم على المشاركة الفاعلة وعدم الخوف من طموحاتهم أو مبادراتهم فهم ليسوا عبئاً على مجتمعهم بل يمثلون الأمل الحقيقي في إعادة بنائه وصناعة مستقبله.

إن مسؤوليته اليوم لا تكمن في أن يبقى أسرى للماضي، بل في أن يتعلم منه ولا في أن يستسلم للخوف، بل في أن يحوله إلى قوة تدفع نحو العمل والبناء.
القضية الأيزيدية ليست قضية ضحايا فحسب، بل قضية شعب يستحق الحياة والكرامة والعدالة ولن يكون قادراً على حماية وجوده ومستقبله إلا إذا آمن بوحدته واحترم تنوعه وجعل مصلحة مجتمعه فوق كل اعتبار.

لقد آن الأوان لأن يستفيق الشعب الأيزيدي من كابوس الإبادة الجماعية وأن يعيد بناء الثقة فيما بينهم وأن يوحد الصفوف ويوجه طاقاته نحو خدمة المجتمع وقضيته الإنسانية العادلة فالمستقبل لا يصنعه اليأس ولا تبنيه الخلافات وإنما تصنعه إرادة شعب يؤمن بأن النهوض يبدأ من الداخل وأن الوحدة ليست خياراً سياسياً فحسب بل شرطاً أساسياً للبقاء وضمانة حقيقية لصون الوجود وحماية الهوية وصناعة مستقبل أكثر أمناً وعدلاً وكرامة.



#خالد_الياس_رفو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الانتحار .. الوجه الصامت للإبادة الجماعية المستمرة
- قدسية الدائرة في فكر وفلسفة الأيزدياتي
- سنجار لن تنكسر... من رماد الإبادة يصنع الشباب الحياة والأمل
- العراق وحلم الوطن .. بين آمال التغيير وتحديات بناء الدولة
- حين تتجاوز الكلمات حدود الحرية
- حين كانت المحبة وطنًا للجميع...
- نداء التصحيح ومراجعة شاملة للموروث الأيزيدي الديني والتاريخي
- الأيزيديون بين الإبادة والنسيان فرض الوصاية السياسية والأمني ...
- معبد إيزيدا والأيزيدية قراءة في الجذور التاريخية والدلالات ا ...
- التقويم الأيزيدي امتداد حيّ لحضارة بلاد الرافدين ورؤية الزمن ...
- حقيقة الأيزيديات والاتهامات الكاذبة التي يتم تلفيقها بالأيزي ...
- من الرماد إلى البقاء .. جدلية الإبادة والهوية
- حين تتكلم الذاكرة الأعياد الأيزيدية .. أمتداداً للفكر الكوني ...
- الاندماج وحماية القيم: قراءة في سياسة الهجرة الأوروبية
- نور لا ينطفئ من سيبار إلى قلب الإيزيدية
- الأيزيديون في العراق… مأساة مستمرة بين آثار الإبادة وصراعات ...
- حين تعكس أخلاقُنا صورةَ الإله الذي نعبده
- الأيزيديين بين التشويه والحقيقة
- سوريا بين الدم والذاكرة والأقليات تحت تهديد الوجود
- الحق بين سطوة الجهل وجرأة الوعي


المزيد.....




- روسيا تشن هجوما صاروخيا باليستيا على كييف عشية قمة الناتو
- إعلام أوكراني: دوي انفجارات قوية تهز كييف
- كاتب إسرائيلي: المؤشرات الآتية من تركيا لا تبشر بالخير بالنس ...
- الخارجية الروسية: لن يكون هناك حوار مع أوروبا ما لم تأخذ مصا ...
- -ذا سبيكتيتور-: حظر RT في بريطانيا شعور بعدم الأمان وحظر -ما ...
- أزمة -سلطة البث- ليست -سوى البداية-.. معركة دستورية مقبلة في ...
- الدفاع الجوي الروسي يسقط 7 مسيرات كانت متجهة إلى موسكو
- هل اقترب -الزلزال الكبير-؟ دراسة تدق ناقوس الخطر في ولاية كا ...
- مندوب روسيا: لا توجد آلية لاستبعاد روسيا من منظمة الأمن والت ...
- الناتو في عهد ترمب.. من تحالف دفاعي إلى -صفقة تجارية-


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - خالد الياس رفو - بين جراح الماضي ومخاوف المستقبل