أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - خالد الياس رفو - حين تتجاوز الكلمات حدود الحرية














المزيد.....

حين تتجاوز الكلمات حدود الحرية


خالد الياس رفو

الحوار المتمدن-العدد: 8724 - 2026 / 6 / 2 - 00:20
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


إن مسؤولية الكلمة وحدود المساءلة في زمن تتسارع فيه الكلمات أكثر من الفكرة وتسبق فيه الضوضاء صوت العقل، برزت ظاهرة مقلقة تتمثل في أشخاص يتخذون من منصات التواصل الاجتماعي منابر لإطلاق الإهانات والتحريض والتجاوز على كرامات الآخرين دون وازع أخلاقي أو مسؤولية إنسانية، هؤلاء لا يعبرون عن حرية رأي بقدر ما يكشفون عن خلل عميق في فهم معنى الحرية وحدودها.

الحرية في جوهرها ليست انفلاتاً من القيم، بل هي التزام واعٍ بكرامة الإنسان الآخر وكما قال الفيلسوف أرسطو:
"إن الإنسان الفاضل هو من يضبط نفسه قبل أن يطالب الآخرين بالانضباط".

اللسان حين يتحول إلى أداة أذى يفقد صاحبه إنسانيته قبل أن يسيء إلى غيره ويصبح الكلام مرآة لما في الداخل من اضطراب وفقر أخلاقي، أي إن "كل إناء بما فيه ينضح".

إن من يعتاد الإساءة ثم يتذرع بالاعتذار المتكرر لا يمارس الندم الحقيقي، بل يكرس نمطاً سلوكياً قائماً على الإفلات من المسؤولية.

هناك حكمة تقول: "ليس الندم كلمات تقال، بل سلوك لا يعاد".

الاعتذار الذي لا يسبقه وعي ولا يتبعه تغيير هو مجرد محاولة لتبييض الفعل لا لإصلاحه وقد قيل في الحكمة القديمة: "إن الخطأ إذا تكرر لم يعد خطأ بل صار اختياراً".

الهجوم على كرامات الناس وخاصة على النساء والناجيات من مآسٍ إنسانية عميقة ليس مجرد انحراف لفظي، بل هو اعتداء معنوي يمس جوهر العدالة والضمير الجمعي: "الطعن في كرامة الجريح، جريمة مضاعفة لا تغتفر بالصمت".

المجتمعات التي تسمح بإهانة الضحايا أو التشكيك في شرفهم إنما تساهم في إعادة إنتاج الألم وتطبيع القسوة وهذا أخطر من الفعل الفردي ذاته.

إن التطاول على المعتقدات الدينية ورموزها والقول: من الأفضل أن يكون رأس الهرم لأبناء الديانة الإيزيدية رجل مسلم، ليس دليلاً على قوة أو جرأة، بل يعكس ضحالة في الفكر وعجزاً عن الحوار الحقيقي، "قوة الفكرة تقاس بحجتها، لا بحدة لسان صاحبها".

الفكر القوي لا يحتاج إلى الشتيمة، بل إلى الحجة والاحترام وعليه يعد الاحترام لغة الأقوياء والشتيمة ملاذ الضعفاء وكما قال أحد الحكماء: "إن من يرفع صوته فقد حجته".

غير أن المسؤولية لا تقع على الفرد وحده، بل تمتد إلى من يتابع ويشجع ويصفق فالمتابع الذي يبرر الإساءة أو يستهين بها يشارك بشكل غير مباشر في نشرها ويمنحها شرعية زائفة، "من صفق للإساءة، صار شريكاً فيها".

إن الصمت عن الخطأ أو التفاعل معه بدافع التسلية يحوله إلى ظاهرة ويمنح صاحبه شعوراً بالقوة والاستمرار والمتابع الذي يضحك للإهانة يوقع على شرعنتها ويصبح جزءاً منها.

من هنا تبرز الحاجة الملحة إلى موقف قانوني واجتماعي واضح يضع حدوداً صريحة لمثل هذه السلوكيات، فحرية التعبير لا يمكن أن تكون غطاءً للإساءة أو التحريض أو انتهاك كرامة الآخرين ومن واجب القوانين أن تحمي الأفراد والجماعات من خطاب الكراهية وأن تفرض عقوبات رادعة على من يتجاوز هذه الحدود، ليس انتقاماً بل حماية للنسيج الإنساني.

وفي المقابل يحتاج المجتمع إلى وعي أخلاقي يرفض هذا الانحدار ويعيد الاعتبار لقيم الاحترام والمسؤولية، المجتمع لا يحميه القانون وحده، بل وعي يرفض الإساءة، فالقانون وحده لا يكفي إذا لم يسانده ضمير حي وثقافة ترفض الإساءة وتحتفي بالكلمة الطيبة، الحكمة تقول: "إن الكلمة الطيبة ثقافة، لا نص قانوني فقط".

إن الكلمة ليست مجرد صوت عابر، بل أثر يبقى وقد تكون سبباً في جرح لا يندمل أو في بناء لا ينهار وبين هذين الخيارين يتحدد معدن الإنسان، فإما أن يكون صانع نور أو ناشر ظلام.

إن المسؤولية لا تقتصر على الرفض الأخلاقي أو الاستنكار الإعلامي، بل تستوجب موقفاً عملياً وحازماً من الجهات المعنية.

وعليه على المسؤولين الإيزيديين في دهوك وأربيل وكذلك في نينوى وبغداد وكما على سمو الأمير وقداسة البابا شيخ والمجلس الروحاني، إلى جانب المحامين والقانونيين الإيزيديين، اتخاذ خطوات جدية وفاعلة تتمثل في رفع دعاوى قضائية ضد كل من يسيء إلى الشعب الإيزيدي أو ديانته أو رموزه المقدسة أو يتطاول على كرامة الإيزيديات.

كما يتوجب العمل على الدفع نحو سن تشريعات ونصوص دستورية وقانونية واضحة تجرم خطاب الكراهية والتحريض وتضمن محاسبة كل من يتجاوز على حقوق الإيزيديين وسائر الأقليات.

إن السكوت عن هذه الانتهاكات لم يعد خياراً، بل إن مواجهتها قانونياً ومجتمعياً هو السبيل الوحيد لوقف دوامة الإساءة ووضع حد لكل أشكال التحريض الصادرة عن شخصيات سياسية أو دينية أو اجتماعية أو إدارية أو ثقافية أو إعلامية أو حتى من أفراد عاديين، حفاظاً على كرامة الإنسان وصوناً للسلم المجتمعي.



#خالد_الياس_رفو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين كانت المحبة وطنًا للجميع...
- نداء التصحيح ومراجعة شاملة للموروث الأيزيدي الديني والتاريخي
- الأيزيديون بين الإبادة والنسيان فرض الوصاية السياسية والأمني ...
- معبد إيزيدا والأيزيدية قراءة في الجذور التاريخية والدلالات ا ...
- التقويم الأيزيدي امتداد حيّ لحضارة بلاد الرافدين ورؤية الزمن ...
- حقيقة الأيزيديات والاتهامات الكاذبة التي يتم تلفيقها بالأيزي ...
- من الرماد إلى البقاء .. جدلية الإبادة والهوية
- حين تتكلم الذاكرة الأعياد الأيزيدية .. أمتداداً للفكر الكوني ...
- الاندماج وحماية القيم: قراءة في سياسة الهجرة الأوروبية
- نور لا ينطفئ من سيبار إلى قلب الإيزيدية
- الأيزيديون في العراق… مأساة مستمرة بين آثار الإبادة وصراعات ...
- حين تعكس أخلاقُنا صورةَ الإله الذي نعبده
- الأيزيديين بين التشويه والحقيقة
- سوريا بين الدم والذاكرة والأقليات تحت تهديد الوجود
- الحق بين سطوة الجهل وجرأة الوعي
- قلام تباع وأخرى تكتب للتاريخ
- تحالف القضية الأيزيدية من الأمل إلى واقع سياسي ملموس
- الهوية الأيزيدية استعادة الذاكرة الرافدينية بين الأسطورة وال ...
- الجذور التاريخية والهوية الرافدينية للشعب الأيزيدي
- معبد لالش النوراني روح وحضارة تتحدى الزمن


المزيد.....




- -حان الوقت لنقول لصديقنا ترامب لا-.. لماذا غضب وزراء وسياسيو ...
- اتفاق مبدئي على إنشاء مراكز ترحيل خارج الاتحاد الأوروبي
- 40 نقطة عسكرية و8 مواقع مستحدثة.. أين يبني الاحتلال قواعده ا ...
- حرب إيران مباشر.. ترمب يؤكد استمرار المفاوضات مع طهران ويعلن ...
- أول تعليقات -رسمية- من إسرائيل ولبنان بشأن إعلان ترامب عن -و ...
- إيران تختار “الحل المؤقت” لتجنب تنازلات نووية وحسم -هدية- هر ...
- فرنسا تحظر مشاركة مسؤولين إسرائيليين بمعرض يوروساتوري للدفاع ...
- شائعة استقالة الرئيس الإيراني تثير ضجة واسعة.. وإيران تحسم ا ...
- هل هناك أغذية خاصة تقوي الرغبة الجنسية؟ إليك ما يقوله العلم ...
- الانتخابات الإثيوبية.. عيون على البرلمان وقلوب على لقمة العي ...


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - خالد الياس رفو - حين تتجاوز الكلمات حدود الحرية