أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - خالد الياس رفو - قلام تباع وأخرى تكتب للتاريخ














المزيد.....

قلام تباع وأخرى تكتب للتاريخ


خالد الياس رفو

الحوار المتمدن-العدد: 8578 - 2026 / 1 / 5 - 23:31
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم تكن الكلمة في تاريخ الهوية الأيزيدية أداة تعبير محايدة بل كانت دوماً ساحة صراع مفتوحة على الوعي .. الشرعية والسلطة ، فكل قراءة سياسية لتاريخ هذا الشعب تكشف أن المعركة على السردية لا تقل خطورة عن المعركة على الأرض ، لأن السردية هي التي تحدد كيفية فهم التاريخ .. تعريف الهوية ورسم حدود الشرعية وحين تخضع هذه السردية لمنطق المصالح السياسية والايديولوجية تتحول الكلمة من أداة معرفة إلى وسيلة هيمنة وينتج عن ذلك تاريخ مكتوب بوعي منحاز يخلق صوراً مشوهة ونمطيات مغلوطة لا تسيء إلى الشعب الأيزيدي فحسب بل تمتد لتطال ديانته .. هويته .. تاريخه .. ثقافته وجغرافيته ، وتعيد تقديمه خارج سياقه الحقيقي بما يخدم مشاريع الإقصاء ونزع الشرعية وتبرير تغييب أيزيدخان عن الوعي السياسي والتاريخي.

الكتابة الحرة في هذا السياق ليست فعلاً ثقافياً مجرداً بل فعل سياسي بامتياز ، لأنها تسعى إلى كشف الحقيقة وتصحيح الخلل في وعي الرأي العام وإعادة التوازن إلى فهم الواقع ، فالتاريخ يثبت أن الشعوب لا تهمش بسبب ضعفها الفكري أو الثقافي بقدر ما تهمش بسبب رفضها الاندماج القسري في مشاريع الهيمنة السياسية والدينية.

فالشعوب التي تمتلك وعياً مستقلاً وسردية ذاتية تشكل دائماً عائقاً أمام السلطات المركزية التي تسعى إلى توحيد الهوية بالقوة .. ومن هذا المنظور يمكن قراءة حالة الشعب الأيزيدي بوصفها نموذجاً واضحاً للتهميش المنهجي القائم على الاستهداف السياسي ، الثقافي ، الديني .

يعد الشعب الأيزيدي من أقدم شعوب ميزوبوتاميا المستمرة تاريخياً وترتبط هويته ارتباطاً عضوياً بديانة حية ضاربة في عمق التاريخ ، ديانة توحيدية سبقت الأديان الإبراهيمية في مفهوم التوحيد وتطورت ضمن سياق حضاري ميزوبوتامي يسبق نموذج الدولة الدينية المركزية .
هذا البعد التاريخي والعقائدي كان من الأسباب الرئيسية لاستهداف الأيزيديين عبر قرون لأنه يمثل نموذجاً لهوية دينية مستقلة غير خاضعة لمنظومات التبشير أو الإكراه العقائدي .

إن التعامل مع الديانة الأيزيدية بوصفها ظاهرة هامشية أو انشقاقاً دينياً ليس قراءة علمية بل قراءة سياسية موجهة تخدم مشاريع نزع الشرعية التاريخية عن الأيزيديين وتبرر إقصاءهم من السرديات الرسمية ، كما تسهم في تحويلهم من شعب أصيل إلى جماعة معزولة بلا عمق تاريخي وهو ما ينعكس مباشرة على حقوقهم السياسية والقانونية في الحاضر.

في السياق ذاته جرى تغييب جغرافية أيزيدخان عمداً من الخطاب السياسي والتدوين الرسمي، لا بوصفه خطأً معرفياً ، بل كجزء من سياسة تفكيك الهوية، فطمس الأسماء وتغيير الجغرافيا يمثلان أدوات كلاسيكية في إدارة الصراع على الأرض والذاكرة ، لأن الاعتراف بالجغرافيا يعني الاعتراف بالحق التاريخي .. وهو ما سعت قوى متعددة إلى تفاديه عبر إعادة تعريف المكان وتسويقه بهويات مفروضة.

هذا التزييف لم يمارس فقط من قبل سلطات معادية صريحة بل ساهم فيه أيضاً بعض المحسوبين على الأيزيديين ممن قدموا أنفسهم بوصفهم مثقفين أو باحثين واستخدموا اللغة الأكاديمية لتسويق قراءات مشوهة للديانة والهوية تتماهى مع سرديات السلطة وتخدم مصالح سياسية أو شخصية .. وهنا تكمن خطورة التزييف الداخلي لأنه يمنح الخطاب المهيمن غطاءً معرفياً ويضعف القدرة الجماعية على مقاومة النمطية المفروضة.

إن اختزال الهوية الأيزيدية في تعريفات وظيفية أو تفريغ الديانة من بعدها التاريخي أو التعامل مع أيزيدخان بوصفها مساحة وجدانية لا جغرافيا تاريخية، هي ممارسات ذات أثر سياسي مباشر لأنها تعيد إنتاج علاقة التبعية وتشرعن الإقصاء وتضعف المطالب الحقوقية المشروعة.

من هنا تبرز مسؤولية النخب الفكرية والإعلامية الأيزيدية الحرة بوصفها فاعلاً سياسياً لا مجرد ناقل للمعلومة ، مسؤولية تقوم على إنتاج خطاب معرفي مستقل يعيد الاعتبار للتاريخ الأيزيدي ويفكك السرديات النمطية المفروضة ويؤسس لوعي جمعي قائم على الحق لا على التكيف القسري.

فالكلمة في هذا السياق ليست ترفاً ثقافياً بل أداة دفاع سياسي عن الوجود والهوية وشكلاً من أشكال المقاومة السلمية في مواجهة التزييف والإنكار والتاريخ يثبت أن السرديات التي تكتب بضمير معرفي حي هي وحدها القادرة على الصمود بينما تسقط الخطابات المصنوعة مهما طال عمرها.

إن استعادة الحقيقة الأيزيدية ليست شأناً ماضوياً بل شرطاً أساسياً لأي مشروع سياسي عادل في الحاضر والمستقبل، لأن الشعوب التي تفقد سرديتها تفقد قدرتها على الدفاع عن حقوقها، أما الشعوب التي تمتلك وعياً بتاريخها فتمتلك أدوات البقاء مهما تغيرت موازين القوة.



#خالد_الياس_رفو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تحالف القضية الأيزيدية من الأمل إلى واقع سياسي ملموس
- الهوية الأيزيدية استعادة الذاكرة الرافدينية بين الأسطورة وال ...
- الجذور التاريخية والهوية الرافدينية للشعب الأيزيدي
- معبد لالش النوراني روح وحضارة تتحدى الزمن
- لالش بين القداسة والصفقات
- التطرف الديني.. طاعون العصر الذي يحصد الأبرياء
- إحدى عشرة سنة من الصمت...
- جرائم متكررة بحق الأقليات ... كنيسة مار إلياس جرس إنذار للعا ...
- إزالة تمثال الراوندوزي.. أول خطوة نحو التعايش الحقيقي
- مؤتمر الحوار الإيزيدي - الإيزيدي و الاصلاح
- مصير الأيزيديين بين الاعتراف بالإبادة وخطر الترحيل
- الإبادة مستمرة ماذا فعل قادتنا؟-
- القضية الإيزيدية وموقف المؤسسات العراقية (التشريعية، التنفيذ ...
- مجلس النواب العراقي وتقسيم الغنائم
- زيارة دمشق وتناقضات العدالة
- قانون الإبادة الجماعية الإيزيدية - خطوة ضرورية لتحقيق العدال ...
- الجولاني بين ماضيه الدموي و الحاضر المنفتح ...
- سقوط حلب .. أم عودة دولة الخلافة ؟


المزيد.....




- زيلينسكي عن بوتين: -إذا أعطيناه كل ما يريد.. فسنخسر كل شيء- ...
- من إسكوبار إلى إل مينتشو: هل انتهى عصر أباطرة المخدرات؟
- إيران تسمح لطلاب الجامعات بالتظاهر وتحذرهم من تجاوز -الخطوط ...
- المساهمة المغربية في مجلس السلام : الأبعاد والحدود
- السفير الأمريكي يتجاهل استدعاءه.. هل تشعر باريس بالإهانة؟ وم ...
- تعرف على أبرز التصريحات بين أمريكا وإيران بخصوص الملف الإيرا ...
- 4 قتلى بتحطم مروحية عسكرية وسط إيران
- إيران تسعى لإبعاد خطر الحرب وترمب يمنح مبعوثيه وقتا إضافيا ل ...
- آنثروبيك تتهم شركات صينية باستغلال -كلود- في تدريب نماذجها ل ...
- ثلاثة أجيال تواجه فضائح أندرو.. كواليس الصراع الذي هز عرش بر ...


المزيد.....

- مقاربة تقييمية لليسار التونسي بعد الثورة / هشام نوار
- من مذكرات شيوعي أردني جهاد حمدان بين عامين: 1970-1972 / جهاد حمدان
- المواطن المغيب: غلاء المعيشة، النقابات الممزقة، والصمت السيا ... / رياض الشرايطي
- حين يصبح الوعي عبئا: ملاحظات في العجز العربي عن تحويل المعرف ... / رياض الشرايطي
- الحزب والدين بوصفه ساحة صراع طبقي من سوء الفهم التاريخي إلى ... / علي طبله
- صفحاتٌ لا تُطوى: أفكار حُرة في السياسة والحياة / محمد حسين النجفي
- الانتخابات العراقية وإعادة إنتاج السلطة والأزمة الداخلية للح ... / علي طبله
- الوثيقة التصحيحية المنهجية التأسيسية في النهج التشكيكي النقد ... / علي طبله
- الطبقة، الطائفة، والتبعية قراءة تحليلية منهجية في بلاغ المجل ... / علي طبله
- قراءة في تاريخ الاسلام المبكر / محمد جعفر ال عيسى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - خالد الياس رفو - قلام تباع وأخرى تكتب للتاريخ