أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - خالد الياس رفو - حين كانت المحبة وطنًا للجميع...














المزيد.....

حين كانت المحبة وطنًا للجميع...


خالد الياس رفو

الحوار المتمدن-العدد: 8720 - 2026 / 5 / 29 - 18:07
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ذاكرة التعايش في أحضان الجبال قبل تسلل التطرف إلى القلوب في هذه الأرضِ التي تعرف اليوم بإقليم كوردستان العراق، ما تزال تختبئ حكايات دافئة من زمنٍ كانت فيه الإنسانية أوسع من الانتماءات الضيقة وكان الإنسان أقرب إلى أخيه الإنسانِ من أي تعريفٍ آخر.
كانت القرى الإيزيدية الممتدة في ولات شيخٍ ولحفا قائديا ودفرا دنا ودفرا هويريا وسواها من المناطق المتجاورة مع القرى المسلمة تنبض بروح الألفة والمحبة، حيث لم يكن الناس ينظرون إلى بعضهم بعين انتماء الدين والطائفة، بل بعيون الجوارِ والعيش المشترك والمصير الواحد.

في أواخر الستينات وسبعينات وثمانينات القرن الماضي، لم تكن العلاقات الاجتماعية مجرد مجاملاتٍ عابرة، بل كانت حياة كاملة تقوم على الثقة والمودة والتكافل الإنساني.
كان لأغلب العائلات الإيزيدية تقريباً كريف دم مسلم، تربطهم علاقة تتجاوز حدود العرف الاجتماعي إلى معنى القرابة الحقيقية وكانت الطرقات الريفية شاهدة على الباعة الكورد المسلمين وهم يحملون سلال العنب والتفاح والتين والحبة الخضراء إلى القرى الإيزيدية ليبادلوها بالقمح والحبوب والبرغل في صورة إنسانية نادرة لاقتصاد اجتماعي تحكمه المحبة قبل المصالح وتغذيه الألفة قبل الحاجة.

الكورد المسلمون كانوا ينامون في بيوت الإيزيديين ويأكلون من " الطعامِ ذاته " دون خوفٍ أو حرجٍ أو شعورٍ بالغربة وكأن الجميع أبناء بيتٍ واحدٍ اسمه الإنسانية.
ذلك الزمن لم يكن مثالياً فحسب، بل كان يحمل معنىً عميقاً للشراكة الإنسانية الصادقة، حيث كانت القلوب أكثر اتساعاً من الانقسامات وكانت الروابط الاجتماعية أقوى من كل الفوارق الدينية والقومية.

في تلك السنوات، تحولت البيوت الإيزيدية إلى مراكز دعم وسند لثوّار الحركة التحررية الكوردية وأنصار الشيوعيين، كانت القرى الإيزيدية تقدم الغذاء والملبس والمأوى والحماية لمقاتلي حركة التحرر الكوردستانية دون تردد أو حسابات ضيقة.
لم يكن السؤال يومها عن الدين أو القومية، بل عن الإنسان وعن الموقف الأخلاقي تجاه معاناته وقضيته وكانت تلك الروح دليلاً حقيقياً على أن التعايش والعيش المشترك، لا تصنعه القوانين وحدها، بل تصنعه القلوب حين تتحرر من الخوف والكراهية والتعصب.

لكن صورة المجتمع بدأت تتغير تدريجياً مع بدايات التسعينات من القرنِ المنصرم، بعد تشكيل إقليمِ كوردستان العراق، حين تسللت التنظيمات الإسلامية المتشددة والنزعات القومية والصراعات السياسية إلى الإقليمِ وبدأ الخطاب الديني المتشدد والفكر القومي الإقصائي يزرع الشكوك والحواجز النفسية بين أبناء المجتمع الواحد.
مع اتساع هذا الفكر، انكمشت مساحة الثقة وتراجعت العلاقات الإنسانية التي كانت يوماً عنواناً للحياة المشتركة.
شيئاً فشيئاً تحول الاختلاف الديني من مصدر غنى وتنوع إلى سبب للعزلة والنفور والانقسام.

اليومَ يشعر كثير من الإيزيديين بأنهم غرباء وضيوف ومواطنون من الدرجة الثانية والثالثة داخل فضائهم الاجتماعي، بعدما فقدت الأسواق والمطاعم والمحال التجارية والمزارع أضف إلى مؤسسات الدولة الحكومية والشبه حكومية ذلك الشعور القديم بالأمان والقبول الإنساني.
لقد أفرز التطرف وعياً مشوهاً يقوم على الإقصاء والتمييز وأضعف الروابط التي حافظت لعقود على وحدة النسيج المجتمعي في الإقليم وللحقيقة هذه التحولات لا تهدد مكوناً بعينه، بل يهدد جوهر المجتمع الكوردستاني بكل مكوناته، لأن المجتمعات لا تنهار دفعةً واحدةً، بل تتكل بصمتٍ حين تفقد قدرتها على احترام تنوعِها الداخلي.

إن الحاجة اليوم لم تعد مجرد دعوةٍ عاطفيةٍ للتسامح، بل أصبحت ضرورة أخلاقيةً ووطنيةً لحماية مستقبل الأجيال القادمة.
أن حكومة الإقليمِ ومعها النخب الثقافية والدينية والاجتماعية مطالبة وبشدةٍ بوضع مشروع حقيقي يعيد الاعتبار لقيم المحبة والتعايش السلمي والعيش المشترك ويواجه خطر خطابات الكراهية والتطرف بكل أشكاله.

لبناء مجتمعٍ متماسكٍ فذلك لا يتحقق بالشعارات وحدها، بل عبر إعداد برامج علمية من خلال التربية والتعليم والإعلام ودورات تثقيفية والقوانين العادلة التي تكرس احترام الإنسان، مهما كان دينه أو قوميته أو توجهه السياسي.

لقد أثبت التاريخ القريب أن الناس قادرون على العيشِ معاً حين تكون الإنسانية أعلى من التعصب وأن العيش المشترك أقوى من خطابات الكراهية.
وما أحوج كوردستان اليوم إلى استعادة تلك الروحِ القديمة التي جعلت من القرى البسيطة نموذجاً للأخوة الصادقة والتعايش الحقيقي.
التعايش المشترك ليس حلماً مستحيلاً، بل حقيقةً عاشها الناس فعلاً حين كانت القلوب أكثر نقاءً وكانت المحبة والمودة والألفة هي لغة الجميعِ.



#خالد_الياس_رفو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نداء التصحيح ومراجعة شاملة للموروث الأيزيدي الديني والتاريخي
- الأيزيديون بين الإبادة والنسيان فرض الوصاية السياسية والأمني ...
- معبد إيزيدا والأيزيدية قراءة في الجذور التاريخية والدلالات ا ...
- التقويم الأيزيدي امتداد حيّ لحضارة بلاد الرافدين ورؤية الزمن ...
- حقيقة الأيزيديات والاتهامات الكاذبة التي يتم تلفيقها بالأيزي ...
- من الرماد إلى البقاء .. جدلية الإبادة والهوية
- حين تتكلم الذاكرة الأعياد الأيزيدية .. أمتداداً للفكر الكوني ...
- الاندماج وحماية القيم: قراءة في سياسة الهجرة الأوروبية
- نور لا ينطفئ من سيبار إلى قلب الإيزيدية
- الأيزيديون في العراق… مأساة مستمرة بين آثار الإبادة وصراعات ...
- حين تعكس أخلاقُنا صورةَ الإله الذي نعبده
- الأيزيديين بين التشويه والحقيقة
- سوريا بين الدم والذاكرة والأقليات تحت تهديد الوجود
- الحق بين سطوة الجهل وجرأة الوعي
- قلام تباع وأخرى تكتب للتاريخ
- تحالف القضية الأيزيدية من الأمل إلى واقع سياسي ملموس
- الهوية الأيزيدية استعادة الذاكرة الرافدينية بين الأسطورة وال ...
- الجذور التاريخية والهوية الرافدينية للشعب الأيزيدي
- معبد لالش النوراني روح وحضارة تتحدى الزمن
- لالش بين القداسة والصفقات


المزيد.....




- موسكو تحذر: سنرد بحزم لحماية مواطنينا في بريدنيستروفيه إذا ت ...
- -إن بي سي نيوز-: هيغسيث يخطط لقلب الطاولة على الجميع.. يدرس ...
- -نيويورك تايمز-: قاض عسكري أمريكي يستبعد اعترافا رئيسيا في ق ...
- تقدم روسي ورفض للهدن في النزاع الأوكراني
- الخارجية الأمريكية: نحذر مواطنينا في أوكرانيا من مخاطر اضطرا ...
- سوريا.. اشتباكات مسلحة في السويداء تلحق أضرارا بمنازل وتثير ...
- -سبيس إكس- تنتشل مركبة -ستارشيب- من المحيط الهندي بعد شهر من ...
- رئيس الوزراء الأوكراني يكشف تفاصيل الحرائق والانفجارات المتت ...
- السودان.. المسيَّرات تلاحق المدنيين وتخلق واقعا إنسانيا صعبا ...
- النازحون يعيشون أوضاعا صعبة في مخيم قوز السلام بالسودان


المزيد.....

- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم
- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - خالد الياس رفو - حين كانت المحبة وطنًا للجميع...