أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - خالد الياس رفو - نور لا ينطفئ من سيبار إلى قلب الإيزيدية














المزيد.....

نور لا ينطفئ من سيبار إلى قلب الإيزيدية


خالد الياس رفو

الحوار المتمدن-العدد: 8668 - 2026 / 4 / 5 - 18:50
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


منذ فجر التاريخ، حيث نهضت حضارات بلاد الرافدين على ضفاف دجلة والفرات، لم تكن الشمس مجرد جرم يشرق ويغيب، بل كانت المعنى الأول للنور والحق والعدالة. كانت حضورًا إلهيًا يلامس وجدان الإنسان ويشكل علاقته بالخالق والكون ومع هذا النور تشكلت أقدم العقائد التي رأت في الضوء لغة السماء وفي الشروق وعدًا أزليًا بالحياة.

في مدينة "سيبار"، ارتفع معبد (إي-بابار / E-babbar) بيتًا للنور ومحرابًا للشمس، حيث تجلت فكرة الإله الذي يرى كل شيء ويقيم العدل بين البشر. لم يكن هذا المعبد بناءً من طين وحجر، بل كان تعبيرًا عن عقيدة راسخة سبقت الملوك والإمبراطوريات، عقيدة ترى في الشمس نور الله وفي ضيائها حضورًا دائمًا للحقيقة.

وحين جاء الملك "نارام سين"، لم يكن مؤسسًا لهذا الإيمان بل وارثًا له وحاملًا لسره. لقد وقف في محراب الشمس لا كحاكم متجبر، بل كخادم للنور يستمد شرعيته من ضيائه ويطلب النصر من عدالته ويؤكد في نقوشه أن السلطة الحقة ليست سلطة السيف، بل سلطة الحق المنبثق من النور.

إن فعل الترميم الذي قام به في معبد "سيبار" لم يكن مجرد عمل معماري، بل شهادة تاريخية عميقة على قدم هذه العقيدة. فالترميم لا يكون إلا لشيء قائم في وجدان الناس، راسخ في ذاكرتهم الجمعية وهذا يعني أن الإيمان بالشمس كنور إلهي كان سابق الوجود لأكد وسومر، ممتدًا في جذور الزمن الأول.

وفي نصوصه التي يخاطب فيها الإله شمش، يظهر جوهر العلاقة بين الإنسان والنور، علاقة قائمة على الخضوع للحق والسعي للعدل والخوف من أن يحجب الضوء عن من ينحرف عن طريقه. فالنور هنا ليس ظاهرة طبيعية، بل ميزان كوني يهب الحياة ويمنح الشرعية ويكشف الحقيقة.

هذا المعنى العميق لم ينقطع عبر الزمن، بل ظل حيًا في الديانة الإيزيدية، حيث بقيت الشمس قبلة الروح واتجاه الدعاء ومصدر القسم الأقدس. حين يتوجه الإيزيدي نحو الشروق أو الغروب، فهو لا يعبد جرمًا في السماء، بل يستحضر نور الله كما فهمه أسلافه الأوائل، نورًا لا يحد بكلمات ولا يحتويه كتاب، بل يتجلى كل يوم أمام العيون.

في الإيزيدية، لا يكون الوحي نصًا مكتوبًا، بل تجربة حية مع النور؛ الشمس كتاب مفتوح يقرأه الجميع دون وسيط. وهي ذات الفكرة التي جعلت ملوك الماضي يرون أنفسهم خدماً لمحراب الشمس، لا أصحاب سلطة مطلقة، فالحقيقة لا تُكتب بل تُشرق.

كما أن مفهوم الأولياء "الخاسين" في الإيزيدية ومنهم شيشمس، يعكس استمرارية هذا التراث الروحي، حيث تتجسد البركة والخير في علاقة مباشرة مع النور، في امتداد واضح لفكرة أحباب الشمس "أبناء الشمس" الذين ورد ذكرهم في النصوص الرافدينية القديمة.

إن التلاقي بين دعاء الفجر في الإيزيدية وطقوس الشروق في المعابد القديمة ليس صدفة تاريخية، بل هو استمرارية روحية عميقة تؤكد أن الإنسان في هذه الجغرافيا لم يقطع صلته الأولى بالنور، بل حافظ عليها عبر العصور، رغم تغير الدول وسقوط الإمبراطوريات.

لقد كانت الشمس في الفكر الرافديني تجليًا لعدالة الإله وليست الإله الأعظم ذاته. وهذا الفهم ذاته يتردد في فلسفة ونهج العقيدة الإيزيدية، حيث يبقى النور دليلاً على الخالق لا بديلاً عنه. وهذا التوازن بين الرمز والحقيقة هو ما منح هذه العقيدة قدرتها على البقاء.

من سومر وأكد إلى آشور ومن معابد سيبار إلى مزارات الإيزيدية اليوم، تمتد سلسلة خفية من الإيمان بالنور، سلسلة لم تنكسر بل تغيرت أشكالها وبقي جوهرها حيًا في القلوب.

وهكذا، لا تبدو الإيزيدية كعقيدة منفصلة عن الماضي، بل كامتداد حي لذاكرة روحية عميقة جذورها ضاربة في أقدم طبقات التاريخ، حيث كان الإنسان يقف أمام الشمس، لا ليعبدها، بل ليرى فيها انعكاسًا لنور الله، الحقيقة الأزلية التي لا تنطفئ.

المقال مستوحى من دراسة عن معبد سيبار أو معبد شمش (E-babbar) مركز عبادة الله، دراسة في الجذور الرافدينية للديانة الإيزيدية، قدمها الأستاذ سيروان سليم.



#خالد_الياس_رفو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الأيزيديون في العراق… مأساة مستمرة بين آثار الإبادة وصراعات ...
- حين تعكس أخلاقُنا صورةَ الإله الذي نعبده
- الأيزيديين بين التشويه والحقيقة
- سوريا بين الدم والذاكرة والأقليات تحت تهديد الوجود
- الحق بين سطوة الجهل وجرأة الوعي
- قلام تباع وأخرى تكتب للتاريخ
- تحالف القضية الأيزيدية من الأمل إلى واقع سياسي ملموس
- الهوية الأيزيدية استعادة الذاكرة الرافدينية بين الأسطورة وال ...
- الجذور التاريخية والهوية الرافدينية للشعب الأيزيدي
- معبد لالش النوراني روح وحضارة تتحدى الزمن
- لالش بين القداسة والصفقات
- التطرف الديني.. طاعون العصر الذي يحصد الأبرياء
- إحدى عشرة سنة من الصمت...
- جرائم متكررة بحق الأقليات ... كنيسة مار إلياس جرس إنذار للعا ...
- إزالة تمثال الراوندوزي.. أول خطوة نحو التعايش الحقيقي
- مؤتمر الحوار الإيزيدي - الإيزيدي و الاصلاح
- مصير الأيزيديين بين الاعتراف بالإبادة وخطر الترحيل
- الإبادة مستمرة ماذا فعل قادتنا؟-
- القضية الإيزيدية وموقف المؤسسات العراقية (التشريعية، التنفيذ ...
- مجلس النواب العراقي وتقسيم الغنائم


المزيد.....




- عزيز الشافعي يكشف عن حفل قريب لشيرين عبدالوهاب في السعودية
- تحليل: ما علاقة عبدالرحمن السيد بإعلان ترامب وقف المساعدات ا ...
- -رجل سلام-.. ماذا قال السيسي عن ترامب ودوره في احتواء التصعي ...
- تعذر استجواب والد ميغان ماركل بشأن اعتدائه جنسيا على أطفال
- آيزنكوت يطرح 4 مبادىء لتشكيل حكومة طوارئ وطنية
- مقتل شخصين جراء هجوم أوكراني في زابوروجيه
- رئيس وزراء ألبانيا: التغيير السياسي لن يؤثر على موقف بلغراد ...
- لماذا ينام بعض الأشخاص أربع ساعات فقط يومياً؟
- الانتخابات النصفية الأمريكية.. استفتاء على سياسة ترامب وتحدي ...
- شباب النواب تناقش أزمات مراكز الدقهلية وتؤجل طلب إحاطة لحضور ...


المزيد.....

- حين يصيح الولاء اقوى من الحقيقة / حسين محمود صالح
- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - خالد الياس رفو - نور لا ينطفئ من سيبار إلى قلب الإيزيدية