أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - خالد الياس رفو - معبد إيزيدا والأيزيدية قراءة في الجذور التاريخية والدلالات الدينية














المزيد.....

معبد إيزيدا والأيزيدية قراءة في الجذور التاريخية والدلالات الدينية


خالد الياس رفو

الحوار المتمدن-العدد: 8705 - 2026 / 5 / 14 - 16:13
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


يثير سؤال التحول الديمغرافي لمناطق الأيزيديين من حالة الأغلبية إلى الأقلية إشكالية عميقة تتجاوز البعد العددي، لتلامس جذور التاريخ والهوية والاستمرارية الحضارية.
فهذا السؤال لا ينفصل عن البحث في الأصول الفكرية والدينية للأيزيدية وعلاقتها بالموروث الرافديني القديم ولا سيما من خلال دراسة معبد “إيزيدا” بوصفه أحد أبرز الشواهد الأثرية والدينية في تاريخ بلاد الرافدين.
إن الربط بين تسمية الديانة الأيزيدية واسم معبد “إيزيدا” لا يمكن اختزاله في مجرد تشابه لغوي، بل يعكس استمرارية رمزية ومعرفية عميقة.
في اللغة السومرية يتكون الاسم من مقطعين : “E” بمعنى البيت، و“Zida” بمعنى الحق أو الصدق، ليكون المعنى الكلي “بيت الحق” أو “البيت النوراني”.
يتقاطع هذا المفهوم مع الفهم الأيزيدي المعاصر للاسم بوصفه دلالة على العطية الإلهية أو التجلي النوراني، الأمر الذي يعزز فرضية الامتداد التاريخي للفكرة الدينية، لا انقطاعها.
تشير المصادر الأثرية والنصوص المسمارية المكتشفة في معبد “إيزيدا”، سواء في بورسيبا أو النمرود، إلى مكانة هذا المعبد مركزاً دينياً وعلمياً بالغ الأهمية.
من أبرز هذه النصوص ما نُسب إلى الملك نبوخذ نصر، الذي أعلن إعادة بناء المعبد تكريماً للإله نابو، إله الحكمة والكتابة وهو ما يعكس ارتباط “إيزيدا” بالمعرفة .. النور والشرعية الإلهية. كما تكشف نصوص الدعاء المرتبطة بالمعبد عن منظومة أخلاقية تقوم على الاستقامة .. العدل ونصرة الحق وهي قيم ما تزال حاضرة في البنية الروحية والأخلاقية للأيزيدية.
من اللافت أن مفهوم القداسة المرتبط بـ “إيزيدا” يجد صداه في تقديس لالش لدى الأيزيديين، حيث يُنظر إليه بوصفه مركزاً نورانياً وبداية رمزية للخلق. هذا التوازي لا يبدو عرضياً، بل يعكس استمرارية في تصور المكان المقدس باعتباره نقطة اتصال بين العالم المادي والبعد الإلهي.
تحتل فكرة الكائنات النورانية السبعة مكانة محورية في البنية الفكرية والروحية للموروث الديني في بلاد الرافدين، إذ تعود جذورها إلى مفهوم “الأبكالو السبعة”، وهم الحكماء المرتبطون بالحكمة الإلهية والمعرفة الكونية بوصفهم وسطاء بين العالم العلوي والإنسان.
في الديانة الأيزيدية احتفظت هذه الرؤية ببعدها الفلسفي والرمزي العميق من خلال منظومة الملائكة السبعة وعلى رأسهم “تاووس ملك” بوصفه المظهر الأسمى للنور الإلهي والإرادة الكونية.
مع تعاقب الحضارات، انتقلت هذه الفكرة بصيغ متعددة إلى الديانات اللاحقة. فظهرت في الزرادشتية من خلال مفهوم “الأمشاسپند” ثم تجلت في التقاليد الإبراهيمية ضمن تصور الملائكة ووظائفها الروحية.
يعكس هذا الامتداد التاريخي أستمرارية رمزية وفلسفية لفكرة العالم الغيبي ووحدة التصور الإنساني للكائنات النورانية بوصفها تجليات للحكمة والنظام والصلة بين الخالق والوجود.
كما أن التحليل اللغوي لأسماء الملائكة التي تنتهي بالمقطع “إيل” وهو أسم إلهي أكدي قديم، يشير إلى وحدة في الجذر الثقافي واللغوي للمنطقة. هذه الوحدة لا تعني التطابق الكامل بين المنظومات الدينية، بقدر ما تعكس تداخلاً حضارياً وتراكماً معرفياً امتد عبر آلاف السنين.
في سياق تاريخي أوسع، يمكن النظر إلى التحولات السياسية الكبرى، مثل سقوط بابل وصعود الإمبراطورية الفارسية، بوصفها عوامل أسهمت في تفكك المراكز الدينية القديمة وانتقال الجماعات الحاملة لهذه التقاليد إلى مناطق أكثر عزلة، كالأهوار في الجنوب والجبال في الشمال. قد يفسر هذا الانتقال بقاء بعض العناصر الدينية القديمة في صيغ جديدة داخل مجتمعات حافظت على خصوصيتها الثقافية والروحية.
تكشف النصوص الطقسية المرتبطة بمعبد “إيزيدا”، ولا سيما طقوس “بيت السرير” التي جمعت بين “نابو” و“تاشميتو”، عن رؤية دينية تقوم على الانسجام بين الحكمة والرحمة وعلى مفهوم “الفيض الإلهي” بوصفه مصدراً للبركة والنظام في العالم. كما تعبر نصوص اللعنات المرتبطة بسرقة الألواح أو تبديل الأسماء عن وعي عميق بقدسية الكلمة والمعرفة؛ إذ لم تكن الكتابة مجرد وسيلة للتدوين، بل أمانة روحية ترتبط بحفظ الحقيقة وصون النظام المقدس.
يتقاطع هذا التصور مع مفهوم “علم الصدر” في الديانة الأيزيدية، حيث تنتقل المعرفة الدينية شفهياً عبر الأجيال بوصفها ميراثاً مقدساً يحمل أبعاداً روحية وأخلاقية تتجاوز حدود النص المكتوب وتحافظ في الوقت ذاته على استمرارية الهوية والإيمان.
إن قراءة معبد “إيزيدا” في ضوء الأيزيدية المعاصرة لا تهدف إلى إثبات تطابق تاريخي مباشر، بقدر ما تسعى إلى إبراز خيوط الاستمرارية الحضارية والفكرية في منطقة عُرفت بتراكمها الديني والثقافي.
الأيزيدياتي في هذا الإطار .. يمكن فهمها بوصفها إحدى الحلقات الحية في سلسلة طويلة من التصورات الكونية التي نشأت في وادي الرافدين واستمرت عبر التحولات الكبرى، محافظة على جوهرها الرمزي وإن تغيرت أشكال التعبير عنها.
من هنا .. فإن سؤال الأقلية والأكثرية لا يمكن فصله عن سياق تاريخي طويل من التحولات القسرية والهجرات والاضطهادات، لكنه في الوقت ذاته يسلط الضوء على قدرة هذه الجماعة على الحفاظ على هويتها رغم كل الانقطاعات الظاهرية. وهذا ما يجعل دراسة الأيزيدية في علاقتها بمعبد “إيزيدا” مدخلاً لفهم أعمق لاستمرارية الذاكرة الحضارية في واحدة من أقدم مناطق الاستقرار البشري في العالم.

المقال مستوحى من دراسة نشرها الأخ الأستاذ سيروان سليم
المصادر :
تقارير تنقيبات هرمز رسام عالم الآثار
ألواح "نابو" في المتحف البريطاني
مخطوط "عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات"



#خالد_الياس_رفو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- التقويم الأيزيدي امتداد حيّ لحضارة بلاد الرافدين ورؤية الزمن ...
- حقيقة الأيزيديات والاتهامات الكاذبة التي يتم تلفيقها بالأيزي ...
- من الرماد إلى البقاء .. جدلية الإبادة والهوية
- حين تتكلم الذاكرة الأعياد الأيزيدية .. أمتداداً للفكر الكوني ...
- الاندماج وحماية القيم: قراءة في سياسة الهجرة الأوروبية
- نور لا ينطفئ من سيبار إلى قلب الإيزيدية
- الأيزيديون في العراق… مأساة مستمرة بين آثار الإبادة وصراعات ...
- حين تعكس أخلاقُنا صورةَ الإله الذي نعبده
- الأيزيديين بين التشويه والحقيقة
- سوريا بين الدم والذاكرة والأقليات تحت تهديد الوجود
- الحق بين سطوة الجهل وجرأة الوعي
- قلام تباع وأخرى تكتب للتاريخ
- تحالف القضية الأيزيدية من الأمل إلى واقع سياسي ملموس
- الهوية الأيزيدية استعادة الذاكرة الرافدينية بين الأسطورة وال ...
- الجذور التاريخية والهوية الرافدينية للشعب الأيزيدي
- معبد لالش النوراني روح وحضارة تتحدى الزمن
- لالش بين القداسة والصفقات
- التطرف الديني.. طاعون العصر الذي يحصد الأبرياء
- إحدى عشرة سنة من الصمت...
- جرائم متكررة بحق الأقليات ... كنيسة مار إلياس جرس إنذار للعا ...


المزيد.....




- شاهد.. رئيس بلدية كييف يزور موقع الهجوم الروسي على العاصمة ا ...
- -بدأ بطير واحد هارب من قفص-.. شاهد طواويس تجتاح بلدة إيطالية ...
- هيئة محلفين أميركية تلزم -بوينغ- بدفع تعويضات ضخمة لعائلة شا ...
- بعد نيل حكومته الثقة.. الزيدي يتعهد بـ-حصر السلاح بيد الدولة ...
- الحرب في إيران : دول الخليج ومأزق التوازنات
- ترمب: الصين عرضت المساعدة في ملف إيران وتعهدت بعدم تزويدها ب ...
- بدعم قطري.. مطار بيروت يفتتح البوابة الشرقية
- أطفال صُم تربط إسرائيل عودتهم لغزة بالتخلي عن الأجهزة السمعي ...
- الشيباني يرفع علم سوريا بالرباط ويبحث تعزيز العلاقات مع المغ ...
- من يعطل دخول -اللجنة الوطنية لإدارة غزة- إلى القطاع؟


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - خالد الياس رفو - معبد إيزيدا والأيزيدية قراءة في الجذور التاريخية والدلالات الدينية