أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - خالد الياس رفو - الاندماج وحماية القيم: قراءة في سياسة الهجرة الأوروبية














المزيد.....

الاندماج وحماية القيم: قراءة في سياسة الهجرة الأوروبية


خالد الياس رفو

الحوار المتمدن-العدد: 8671 - 2026 / 4 / 8 - 00:14
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


عندما تلتقي الحرية بالقانون ونكون أمام قراءة في واقع الهجرة إلى أوروبا وإشكالية الاندماج في ظل القيم العلمانية.
نجد أن اللجوء أصبح يمثل عقبة بين المعاناة الإنسانية وتحديات الاستقرار المجتمعي بسبب بعض التوجهات الفكرية الدخيلة على القيم العلمانية.

تشهد أوروبا في السنوات الأخيرة تحولات عميقة في سياساتها تجاه الهجرة واللجوء، بعد عقود من الانفتاح الذي استند إلى مبادئ إنسانية وقانونية راسخة.
هذه التحولات لا تعني بالضرورة التخلي عن تلك القيم، بل تعكس محاولة لإعادة التوازن بين حماية الإنسان وحفظ المنظومة القانونية والثقافية التي أسست عليها الدول الأوروبية الحديثة.

إن الهجرة في جوهرها ليست عبئاً، بل يمكن أن تكون فرصة حضارية وإنسانية واقتصادية إذا ما أُديرت ضمن إطار قانوني واضح يحفظ حقوق الجميع.
الكثير من المهاجرين لم يغادروا أوطانهم عن إرادةٍ حرة، بل فراراً من العنف والقمع والاستبداد ومن هيمنة أنماط فكرية متشددة ضيّقت على الحريات الفردية والجماعية التي مورست عليهم الاضطهاد والتنكيل وإلغاء هوياتهم المستقلة.
لجأ هؤلاء إلى أوروبا بحثاً عن حياة كريمة، حيث يضمن القانون والدستور والقيم العلمانية المساواة والعدالة للجميع.

التحدي الحقيقي لا يكمن في الهجرة نفسها، بل في كيفية الاندماج واحترام القوانين في الدول المستقبلة.
فالدول الأوروبية تستند إلى أسس دستورية واضحة، تقوم على الفصل بين الدين والدولة واحترام الحريات الشخصية وحقوق الإنسان.
ومن هذا المنطلق، أي محاولة لفرض أنظمة فكرية أو قوانين موازية، أو شريعة لا تنتمي إلى القيم الأوروبية وتتعارض مع هذه الأسس، تمثل إشكالية حقيقية تهدد الاستقرار المجتمعي وتثير التوترات الداخلية.

من هنا تبرز ضرورة التفرقة بين فئتين من المهاجرين: الفئة الأولى تضم أولئك الذين فارّوا من القمع والتطرف سعياً للعيش في ظل القانون المدني الحديث وهؤلاء يستحقون الحماية والدعم الكاملين لأنهم في جوهرهم متوافقون مع القيم التي تحكم المجتمعات الأوروبية.
وتشمل هذه الفئة العديد من أبناء الأقليات الدينية والقومية الذين تعرضوا عبر التاريخ للاضطهاد والإقصاء وفرضت عليهم هويات وثقافات قسرية لا تعبر عنهم.

أما الفئة الثانية فهي التي تحاول نقل الصراعات والأفكار المتشددة إلى المجتمعات الأوروبية وتسعى لفرض رؤى تتعارض مع مبادئ الديمقراطية والعلمانية.
وهنا يصبح من حق الدولة، بل من واجبها، اتخاذ الإجراءات القانونية لحماية نظامها العام وصون دستورها من أي تجاوز.
فسيادة القانون ثابتة ولا يمكن التهاون في تطبيقها تحت أي ظرف.

إن حماية الهوية الدستورية لأوروبا لا تتناقض مع قيمها الإنسانية، بل تعززها.
الديمقراطية الحقيقية لا تعني الانفتاح غير المشروط، بل تشمل أيضًا حماية الإطار الذي يضمن استمرار هذا الانفتاح.
لذلك، ينبغي مراقبة التنظيمات المثيرة للشكوك أو التي تسعى إلى زعزعة الاستقرار المجتمعي ضمن الأطر القانونية، بما يحفظ الحقوق والحريات دون تعسف.

لا يمكن فهم ظاهرة اللجوء إلى أوروبا بمعزل عن البنية الاجتماعية المعقدة في دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، حيث تعيش فسيفساء واسعة من الأقليات الدينية والقومية التي كثيرًا ما لم تحظَ بحماية قانونية حقيقية أو باعتراف كامل بهويتها.
الفئات مثل الإيزيديين والمسيحيين والصابئة في العراق والدروز والمسيحيين والإيزيديين و الكورد في سوريا والأقباط في مصر، إلى جانب الأمازيغ والطوارق والتبو في شمال أفريقيا، تمثل جميعها مجتمعات عريقة ذات جذور تاريخية عميقة، لكنها واجهت على مر الزمن أشكالًا مختلفة من التهميش، الإقصاء، أو الضغط الثقافي والديني.

يشكل جزء كبير من موجات اللجوء إلى أوروبا خلال العقود الأخيرة نتيجةً ليس فقط للحروب أو الأزمات الاقتصادية، بل أيضًا لشعور عميق بانعدام الأمان الوجودي لدى هذه الفئات، التي وجدت نفسها أمام خيارات محدودة: الاندماج القسري، العزلة أو الهجرة.
لذلك، لا يمكن التعامل مع طالبي اللجوء بطريقة واحدة أو سطحية، بل يتطلب فهماً دقيقاً لخلفياتهم الاجتماعية والدينية والتفريق بين من يسعى للحماية والاندماج ضمن منظومة القانون وبين من يحمل صراعات أو رؤى قد تتعارض مع أسس الدولة الحديثة.

في هذا السياق، تقع على عاتق الدول الأوروبية مسؤولية تطوير سياسات لجوء أكثر حساسية للواقع، تراعي خصوصية الأقليات التي تعرضت للاضطهاد وتمنحها الحماية اللازمة باعتبارها فئات هشة تحتاج إلى دعم إضافي.
ولا تقتصر حماية هذه الفئات على الالتزام الإنساني فحسب، بل تسهم أيضًا في تعزيز نموذج الاندماج الإيجابي، حيث يصبح القادم الجديد أكثر قدرة على التفاعل مع قيم الدولة واحترام قوانينها، لأنه اختارها ملاذًا بدل أن تكون ساحة صراع.

وبهذا المعنى، فإن إعادة صياغة سياسات اللجوء مع فهم عميق للتنوع في بلدان المنشأ يمكن أن تشكل خطوة أساسية لتحقيق التوازن بين الواجب الإنساني وضرورات الاستقرار، وهو التحدي الحقيقي الذي تواجهه أوروبا اليوم.

في المقابل، تبقى مسؤولية أوروبا الأخلاقية قائمة تجاه الفئات المستضعفة التي فارّت من الاضطهاد الديني أو القومي.
هؤلاء لا يسعون إلى تغيير المجتمعات التي استقبلتهم، بل إلى الأمان والكرامة. ومنحهم الحماية وعدم إعادتهم إلى الأماكن التي هربوا منها يمثل التزامًا إنسانيًا وقانونيًا يعكس جوهر القيم الأوروبية.

في النهاية، التحدي لا يكمن في الاختيار بين الانفتاح أو الانغلاق، بل في بناء نموذج متوازن يحقق العدالة ويحافظ على الاستقرار.
نموذج يقوم على احترام الإنسان دون التنازل عن القانون ويصون الهوية دون إقصاء الآخر وبهذا فقط يمكن لأوروبا أن تظل وفية لقيمها وتقدم نموذجًا حضاريًا قادرًا على الصمود في عالم مضطرب ومتغير.



#خالد_الياس_رفو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نور لا ينطفئ من سيبار إلى قلب الإيزيدية
- الأيزيديون في العراق… مأساة مستمرة بين آثار الإبادة وصراعات ...
- حين تعكس أخلاقُنا صورةَ الإله الذي نعبده
- الأيزيديين بين التشويه والحقيقة
- سوريا بين الدم والذاكرة والأقليات تحت تهديد الوجود
- الحق بين سطوة الجهل وجرأة الوعي
- قلام تباع وأخرى تكتب للتاريخ
- تحالف القضية الأيزيدية من الأمل إلى واقع سياسي ملموس
- الهوية الأيزيدية استعادة الذاكرة الرافدينية بين الأسطورة وال ...
- الجذور التاريخية والهوية الرافدينية للشعب الأيزيدي
- معبد لالش النوراني روح وحضارة تتحدى الزمن
- لالش بين القداسة والصفقات
- التطرف الديني.. طاعون العصر الذي يحصد الأبرياء
- إحدى عشرة سنة من الصمت...
- جرائم متكررة بحق الأقليات ... كنيسة مار إلياس جرس إنذار للعا ...
- إزالة تمثال الراوندوزي.. أول خطوة نحو التعايش الحقيقي
- مؤتمر الحوار الإيزيدي - الإيزيدي و الاصلاح
- مصير الأيزيديين بين الاعتراف بالإبادة وخطر الترحيل
- الإبادة مستمرة ماذا فعل قادتنا؟-
- القضية الإيزيدية وموقف المؤسسات العراقية (التشريعية، التنفيذ ...


المزيد.....




- دول خليجية تعلن اعتراض صواريخ ومسيرات إيرانية قبل انتهاء -مه ...
- المرشد الإيراني مجتبى خامنئي..يهدد إسرائيل في أول ظهور علني ...
- خبراء للجزيرة نت: أوامر ترمب تضع الجيش الأمريكي في مأزق قانو ...
- خبير عسكري إسرائيلي: واشنطن اختارت دفن اليورانيوم بأصفهان
- -سرقة اليورانيوم-.. كيف تحولت عملية إنقاذ الطيار الأمريكي بإ ...
- الاعتداء على الخليج يقوض مبادئ القانون وحسن الجوار
- واشنطن بوست: مسؤولون يشككون بمصداقية تصريحات هيغسيث بشأن إير ...
- من الحسم السريع إلى لعبة القط والفأر.. كيف تعقدت الحرب على إ ...
- قبل انتهاء مهلته لإيران.. ترامب يكشف آخر تطورات المفاوضات مع ...
- البيت الأبيض ينفي -الخيار النووي- ضد إيران.. وتقارير تشير إل ...


المزيد.....

- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني
- تأملات علمية / عمار التميمي
- في رحيل يورغن هبرماس / حامد فضل الله
- بين نار الإمبريالية وقيد السلطة: مهمة الماركسيين في زمن الحر ... / رياض الشرايطي
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش
- أطلانتس / فؤاد أحمد عايش


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - خالد الياس رفو - الاندماج وحماية القيم: قراءة في سياسة الهجرة الأوروبية