أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - خالد الياس رفو - قدسية الدائرة في فكر وفلسفة الأيزدياتي














المزيد.....

قدسية الدائرة في فكر وفلسفة الأيزدياتي


خالد الياس رفو

الحوار المتمدن-العدد: 8736 - 2026 / 6 / 14 - 20:03
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


منذ أن رفع الإنسان عينيه نحو السماء وتأمل حركة الأفلاك والنجوم ، أدرك أن للكون نظاماً خفياً يقوم على التناغم والدوران والاستمرارية .
لم يكن شكل الدائرة مجرد صورة هندسية عابرة ، بل بدا وكأنه اللغة السرية التي كتب بها الخالق العظيم « خودي » النظام الذي تسير به الخليقة .
اضافة الى ان الزمن لايبدأ ولاينتهي لانه شئ دائري ، ولاننسى بان الدائرة اكمل الاشكال الهندسية .
الكون كله يتحرك ضمن نسق دائري متكامل : " الشمس والقمر والكواكب " و " تعاقب الليل والنهار " و " دورة الفصول " و " الولادة والموت " حتى الزمن نفسه يعود في هيئة دائرة لا تنتهي .

في فلسفة الأيزدياتي تحتل الدائرة مكانة روحية عميقة ، لأنها ترمز إلى الكمال والوحدة واللانهاية .
هي الشكل الذي " لا بداية له ولا نهاية " وكأنها تعبير رمزي عن سر الوجود الإلهي الذي لا يحده زمان ولا مكان .
من هنا ارتبطت الدائرة في الوعي الأيزيدي بالنور الإلهي والنظام الكوني المقدس .

تتجلى قدسية الدائرة بوضوح في البنية الدينية الأيزيدية ، حيث تقوم القبب فوق المزارات والمعابد على قاعدة دائرية ، ثم ترتفع بشكل هرمي تتجمع أضلاعه نحو القمة كما تتجمع الأشعة نحو الشمس وفي أعلى القبة تستقر الكتلة الكروية التي ترمز إلى اكتمال الكون ووحدته وفوقها الشواخص التي تحمل الكرات الدائرية والشمس المقدسة في صورة تختزل العلاقة بين الأرض والنور والسماء .

في العقيدة الأيزيدية لا يقتصر حضور الدائرة على البناء الديني فحسب ، بل يمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية والطقوس الدينية وحتى الملابس فالأيزيديون يرتدون لباساً دينياً أبيض ، دلالة على النقاء وبفتحة دائرية يعرف باسم « توك » في إشارة رمزية إلى الوحدانية والكمال والحماية الروحية .
كما يرتدي بعض رجال الدين حزاماً تتوسطه قطعة دائرية تسمى « خادم » بينما يضع الأيزيديون في معاصمهم خيطاً دائرياً مقدساً يعرف باسم « بازمبار » وكأن الدائرة ترافق الإنسان منذ طفولته حتى شيخوخته بوصفها رمزاً للعهد الروحي والارتباط بالمقدس .

في معبد لالش النوراني ، القلب الروحي للأيزيديين ، تتجلى فلسفة الدائرة بصورة أكثر وضوحاً وهيبة .
في طقس « السما » يتحرك رجال الدين الأيزيديون بحركات دائرية منتظمة تشبه دوران الكواكب حول الشمس في انسجام روحي يعكس وحدة الكون وخضوعه للقانون الإلهي .
كذلك يطوف الزوار حول المزارات بشكل دائري ، في استحضار رمزي لحركة الأفلاك وللدوران الأبدي للحياة حول مركز النور الإلهي .

حتى « السناجق - الطواويس المقدسة » تحمل في تكوينها أقراصاً دائرية وكرات موضوعة فوق بعضها بعضاً وكأنها تعبير بصري عن طبقات الكون وعوالمه الروحية .

في الأيزدياتي ، ليست الدائرة مجرد شكل هندسي ، بل هي فلسفة وجود كاملة ورمز عميق لوحدانية الخالق الذي لا بداية له ولا نهاية .
كما أنه عندما يولد الطفل الأيزيدي يوضع حوله خيط أو حزام على هيئة دائرة لمدة أربعين يوماً ، بما يؤكد أن الدائرة ، بوصفها رمزاً لوحدانية الخالق ، ترافق الأيزيديين منذ الولادة حتى الممات .
وعليه ، فإنها التعبير الأصدق عن حركة الكون الأزلية وعن التناغم الذي يجمع عناصر الوجود وعن العودة الدائمة إلى الأصل الذي انبثقت منه الحياة وإليه تنتهي الرحلة .

لقد أدركت الحضارات القديمة والديانات الروحية أن للدائرة سراً يتجاوز حدود الرياضيات والهندسة ، غير أن هذا الرمز اكتسب في الأيزدياتي بعداً روحياً ووجدانياً فريداً ، حتى غدت الدائرة رمزاً للنور والخلود وعلامة على وحدة الخلق وترابطه في دائرة كونية لا تنكسر .
لم تكن الدائرة رمزاً نظرياً فحسب ، بل تجسدت فيه أيضاً أسمى معاني الثبات والإيمان .

في أزمنة الفرمانات والمحن ، حين كانت جحافل الموت تهاجم القرى والمزارات الأيزيدية ، كان المقاتلون الأيزيديون يتخذون مواضعهم الدفاعية ويرسمون حول أنفسهم دائرة ، ثم يقفون داخلها وقفة العهد المقدس ، فلا يتجاوزون حدودها مهما اشتدت المعركة أو تعاظمت الأخطار وكانوا يفضلون السقوط شهداء داخل تلك الدائرة على مغادرتها ، لأنها لم تكن مجرد خط مرسوم على الأرض ، بل كانت رمزاً لعهدهم مع الخالق وتجسيداً لانتمائهم الأيزيدي وهويتهم الروحية .
البقاء داخل الدائرة كان بقاءً على العهد ، أما كسرها والخروج منها فكان يُظر إليه بوصفه خروجاً عن ذلك الرابط المقدس الذي يجمع الإنسان بخالقه وإيمانه وأصله .

وهكذا أصبحت الدائرة صورةً للكون حين يكون في توازنه الكامل وصورةً للروح حين تعود نقية إلى مركزها الأول .

هكذا تبقى الدائرة في الفكر الأيزيدي أشبه بمرآة للكون الكبير ، فكل شيء يبدأ منها ويعود إليها وكل دوران في هذا الوجود ما هو إلا تذكير بأن الحياة ليست خطاً منقطعاً ، بل دائرة مقدسة تستمر إلى الأبد .
ولا ننسى، سبق وان كتب الكاتب والناقد خالد علوكة عن قدسية الدائرة عند الأيزيديين في احدى مقالاته .



#خالد_الياس_رفو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سنجار لن تنكسر... من رماد الإبادة يصنع الشباب الحياة والأمل
- العراق وحلم الوطن .. بين آمال التغيير وتحديات بناء الدولة
- حين تتجاوز الكلمات حدود الحرية
- حين كانت المحبة وطنًا للجميع...
- نداء التصحيح ومراجعة شاملة للموروث الأيزيدي الديني والتاريخي
- الأيزيديون بين الإبادة والنسيان فرض الوصاية السياسية والأمني ...
- معبد إيزيدا والأيزيدية قراءة في الجذور التاريخية والدلالات ا ...
- التقويم الأيزيدي امتداد حيّ لحضارة بلاد الرافدين ورؤية الزمن ...
- حقيقة الأيزيديات والاتهامات الكاذبة التي يتم تلفيقها بالأيزي ...
- من الرماد إلى البقاء .. جدلية الإبادة والهوية
- حين تتكلم الذاكرة الأعياد الأيزيدية .. أمتداداً للفكر الكوني ...
- الاندماج وحماية القيم: قراءة في سياسة الهجرة الأوروبية
- نور لا ينطفئ من سيبار إلى قلب الإيزيدية
- الأيزيديون في العراق… مأساة مستمرة بين آثار الإبادة وصراعات ...
- حين تعكس أخلاقُنا صورةَ الإله الذي نعبده
- الأيزيديين بين التشويه والحقيقة
- سوريا بين الدم والذاكرة والأقليات تحت تهديد الوجود
- الحق بين سطوة الجهل وجرأة الوعي
- قلام تباع وأخرى تكتب للتاريخ
- تحالف القضية الأيزيدية من الأمل إلى واقع سياسي ملموس


المزيد.....




- ترامب يحتفل بيوم ميلاده الـ80 وسط تساؤلات حول حالته الصحية.. ...
- إيران تعلق على ضربات إسرائيل في بيروت: لن تمر دون رد
- أوباما يعلق على اتفاق ترامب المحتمل مع إيران: لن يكون أفضل م ...
- -وقعت في يوم مميز-.. أول تعليق من ترامب على ضربات إسرائيل في ...
- أوشكوف: بوتين يجري مكالمة هاتفية مع ترامب ويهنئه بمناسبة عيد ...
- مصادر لـ-معاريف-: نتنياهو يرفض ضغوط ترامب للانسحاب من أراض س ...
- جدل ليبي أوروبي بشأن ملف الهجرة
- أوباما يعلق على ميل ترامب لـ-القنابل الجذابة- في تعامله مع ن ...
- البنتاغون يؤكد قدرة الجيش الأمريكي على تطهير هرمز من الألغام ...
- سياسية ألمانية: الدعاية غطت على حقيقة المختبرات البيولوجية ا ...


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - خالد الياس رفو - قدسية الدائرة في فكر وفلسفة الأيزدياتي