أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - خالد الياس رفو - الانتحار .. الوجه الصامت للإبادة الجماعية المستمرة














المزيد.....

الانتحار .. الوجه الصامت للإبادة الجماعية المستمرة


خالد الياس رفو

الحوار المتمدن-العدد: 8743 - 2026 / 6 / 21 - 18:13
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


للحديث عن الإبادة الجماعية التي تعرض لها الشعب الأيزيدي على يد الدولة الإسلامية أو ما يعرف بـ"تنظيم داعش الإرهابي" في 3 آب/أغسطس عام 2014، فإن الأنظار تتجه عادة إلى مشاهد القتل الجماعي والسبي والخطف والنزوح القسري وتدمير المزارع والمنازل ودور العبادة.
في الحقيقة هناك وجهٌ آخر لهذه المأساة لا يحظى بالاهتمام الكافي، رغم خطورته المتزايدة ويتمثل في الانهيار النفسي الذي يعيشه عدد كبير من أبناء الشعب الأيزيدي ولا سيما فئة المراهقين والشباب وما نتج عنه من ارتفاع مقلق في حالات الانتحار ومحاولات الانتحار خلال السنوات الأخيرة.

الإبادة الجماعية خلقت جروحاً عميقة في الوعي الجمعي للأيزيديين. فآلاف العائلات فقدت أبناءها وأقاربها وآلاف النساء والأطفال تعرضوا لأبشع أشكال العنف والاستعباد، فيما اضطر مئات الآلاف إلى ترك منازلهم وممتلكاتهم والعيش في مخيمات النزوح أو الهجرة إلى الخارج.
على الرغم من مرور أكثر من عقد على هذه الجريمة، فإن آثارها ما زالت حاضرة بقوة في تفاصيل الحياة اليومية للناجين.

المأساة الحقيقية لا تكمن فقط فيما حدث عام 2014، بل فيما استمر بعد ذلك. فحتى اليوم لا يزال آلاف المختطفين والمختطفات مجهولي المصير ولا تزال عشرات المقابر الجماعية تنتظر استكمال عمليات فتحها وتحديد هويات الضحايا ودفنهم بما يليق بكرامتهم الإنسانية.
كما أن العدالة المنشودة لم تتحقق بالشكل الذي يوازي حجم الجريمة ولم يحصل المتضررون على التعويضات الكافية التي تساعدهم على استعادة حياتهم.
في الوقت ذاته، لا يزال عشرات الآلاف من الإيزيديين يعيشون في النزوح، محرومين من الاستقرار والعودة الآمنة إلى مناطقهم الأصلية.

في الحقيقة سبق أن تناولت هذا الموضوع ونشرت مقالاً عنه، إلا أن إقدام نحو عشرة من الشبان والشابات خلال أسابيع قليلة على الانتحار، فإن هذه خطوة تثير القلق العميق وتفرض علينا إعادة فتح هذا الملف وتسليط الضوء عليه من جديد.
لعل تكرار الحديث عنه يسهم في تسليط الاهتمام الذي يستحقه ويدفع الجهات الحكومية والمنظمات المدنية والإنسانية المعنية إلى الالتفات الجاد لهذه الظاهرة الخطيرة والعمل على اتخاذ إجراءات عاجلة لإنقاذ أهلنا من تداعيات الأزمات والاضطرابات النفسية التي باتت تعصف بالمجتمع وتهدد استقراره ومستقبله.

في ظل هذه الظروف المعقدة والسيئة، نشأ جيل كامل من الشباب الأيزيدي وهو يحمل إرثاً ثقيلاً من الألم والخوف والقلق وعدم اليقين.
الكثير من المراهقين والشباب عاشوا طفولتهم في المخيمات أو في بيئات تفتقر إلى الخدمات الأساسية وفرص التعليم والعمل والترفيه وشاهدوا عن قرب معاناة أسرهم وفقدان أحبائهم واستمعوا إلى قصص القتل والسبي والاختطاف التي أصبحت جزءاً من ذاكرتهم اليومية.

تراكم هذه الصدمات النفسية، إلى جانب استمرار الأزمات المعيشية والاجتماعية، أدى إلى تفشي حالات الاكتئاب واضطرابات ما بعد الصدمة والشعور بالعجز وفقدان الأمل بالمستقبل.
في ظل محدودية خدمات الدعم النفسي وضعف برامج الرعاية الاجتماعية، أصبحت بعض فئات الشباب أكثر عرضة للانهيار النفسي، الأمر الذي انعكس في تزايد حالات الانتحار التي باتت تشكل ناقوس خطر حقيقي يهدد الشعب الأيزيدي.

من الصعب جداً فهم هذه الظاهرة بمعزل عن حالة الإهمال التي أحاطت بالقضية الإيزيدية خلال السنوات الماضية. فالشعب الذي تعرض للإبادة الجماعية ما زال يواجه تحديات أمنية وسياسية واقتصادية كبيرة، بينما تتعثر مشاريع إعادة الإعمار وتتأخر معالجة الملفات الإنسانية العالقة ويستمر غياب الرؤية الشاملة لإعادة بناء الإنسان الأيزيدي قبل إعادة بناء الحجر.

ارتفاع أعداد المنتحرين وانتحار شاب أو شابة أيزيدية لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره حادثة فردية أو مشكلة عائلية خاصة، بل هو مؤشر على أزمة جماعية تتطلب استجابة وطنية وإنسانية عاجلة. فكل حالة انتحار تمثل خسارة جديدة لمجتمع أنهكته الحروب والاضطهادات والإبادات المتكررة عبر التاريخ، وتكشف حجم المعاناة النفسية التي ما زالت تتفاقم بصمت بعيداً عن الأضواء.

هنا تبرز الحاجة الملحة إلى تبني استراتيجية شاملة لمعالجة هذه الأزمة، تبدأ بإنشاء مراكز متخصصة للصحة النفسية في جميع المناطق الأيزيدية ومخيمات النزوح وتوفير كوادر مؤهلة من الأطباء والمعالجين النفسيين وإطلاق برامج دعم نفسي واجتماعي طويل الأمد تستهدف الأطفال والمراهقين والشباب والناجين من الإبادة.
كما يجب أن تترافق هذه الجهود مع معالجة الأسباب الجذرية للأزمة من خلال إنهاء ملف النزوح والكشف عن مصير المختطفين وصرف التعويضات العادلة وإعادة إعمار المناطق المدمرة وتوفير فرص العمل والخدمات الأساسية.

كذلك فإن تحقيق العدالة ومحاسبة جميع المتورطين في جرائم الإبادة الجماعية يمثلان ضرورة أخلاقية وقانونية وإنسانية لا يمكن تجاهلها. فالعدالة ليست مجرد محاكمات وعقوبات، بل هي أيضاً عامل أساسي في ترميم الثقة وإعادة الأمل للضحايا والناجين.

نجا العديد من الأيزيديين من محاولات الإبادة الجسدية، لكنهم ما زالوا يواجهون تحدياً آخر يتمثل في الإبادة النفسية البطيئة التي تفتك بأبنائنا يوماً بعد يوم.
إذا لم تتحرك الجهات المحلية والوطنية والدولية بشكل جاد ومسؤول لمعالجة هذه الأزمة، فإن الشعب الأيزيدي سيبقى يدفع ثمن الإبادة الجماعية لعقود طويلة قادمة.

حماية الأيزيديين وخصوصا الشباب من اليأس والأنتحار ليست قضية صحية أو اجتماعية فحسب، بل هي جزء من مسؤولية إنسانية وأخلاقية تجاه مجتمع تعرض لواحدة من أبشع الجرائم في العصر الحديث وما زال ينتظر العدالة والإنصاف والتعافي الحقيقي.



#خالد_الياس_رفو (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قدسية الدائرة في فكر وفلسفة الأيزدياتي
- سنجار لن تنكسر... من رماد الإبادة يصنع الشباب الحياة والأمل
- العراق وحلم الوطن .. بين آمال التغيير وتحديات بناء الدولة
- حين تتجاوز الكلمات حدود الحرية
- حين كانت المحبة وطنًا للجميع...
- نداء التصحيح ومراجعة شاملة للموروث الأيزيدي الديني والتاريخي
- الأيزيديون بين الإبادة والنسيان فرض الوصاية السياسية والأمني ...
- معبد إيزيدا والأيزيدية قراءة في الجذور التاريخية والدلالات ا ...
- التقويم الأيزيدي امتداد حيّ لحضارة بلاد الرافدين ورؤية الزمن ...
- حقيقة الأيزيديات والاتهامات الكاذبة التي يتم تلفيقها بالأيزي ...
- من الرماد إلى البقاء .. جدلية الإبادة والهوية
- حين تتكلم الذاكرة الأعياد الأيزيدية .. أمتداداً للفكر الكوني ...
- الاندماج وحماية القيم: قراءة في سياسة الهجرة الأوروبية
- نور لا ينطفئ من سيبار إلى قلب الإيزيدية
- الأيزيديون في العراق… مأساة مستمرة بين آثار الإبادة وصراعات ...
- حين تعكس أخلاقُنا صورةَ الإله الذي نعبده
- الأيزيديين بين التشويه والحقيقة
- سوريا بين الدم والذاكرة والأقليات تحت تهديد الوجود
- الحق بين سطوة الجهل وجرأة الوعي
- قلام تباع وأخرى تكتب للتاريخ


المزيد.....




- خطط منتجعات مدعومة من كوشنر في ألبانيا.. ماذا يقول الألبان؟ ...
- مسؤول إيراني: التفتيش الأممي على مواقعنا النووية يُحسم في إط ...
- سنتكوم: القضاء على قيادي بارز في داعش بعد غارة جوية في سوريا ...
- مقترح ترامب بشأن سوريا ولبنان: هل تسند مهمة مواجهة حزب الله ...
- أنفاق كفرتبنيت تحت الحصار.. إسرائيل تخيّر حزب الله بين الاست ...
- إدانة مساعد سابق لسياسي من حزب البديل لألمانيا بالتجسس للصين ...
- الاستخبارات الألمانية تقف بالمرصاد للأنشطة التجسسية الروسية ...
- لافروف: نتوقع انضمام دول الخليج إلى مبادرة موسكو حول المفهوم ...
- نتنياهو ينهي 98 جلسة شهادة في محاكمته ويصف السنوات العشر الم ...
- فيديو يهز مصر.. محاولة استدراج طفلة لفعل فاضح


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - خالد الياس رفو - الانتحار .. الوجه الصامت للإبادة الجماعية المستمرة