أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - أحمد الجوهري - ماركس ونقد المثالية الهيجلية: كيف أوقف الديالكتيك على قدميه؟














المزيد.....

ماركس ونقد المثالية الهيجلية: كيف أوقف الديالكتيك على قدميه؟


أحمد الجوهري
مهندس مدني *مهندس تصميم انشائي* ماركسي-تشومسكي|اشتراكي تحرري

(Ahmed El Gohary)


الحوار المتمدن-العدد: 8756 - 2026 / 7 / 4 - 18:51
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


أن كارل ماركس كان في شبابه منتميًا إلى تيار الهيجليين الشبان، أو ما عُرف لاحقًا باسم اليسار الهيجلي، إلى جانب لودفيغ فيورباخ، وفريدريك إنجلز، وبرونو باور وغيرهم. وقد انطلق ماركس من الفلسفة الهيجلية نفسها، لكنه انتهى إلى نقدها نقدًا جذريًا، وخاصة في كتابه الشهير "نقد فلسفة الحق عند هيجل".

ولعل أشهر تعبير يلخص هذا التحول هو ما ذكره ماركس لاحقًا في مقدمة الطبعة الثانية من كتاب "رأس المال"، عندما أوضح أنه قلب الديالكتيك الهيجلي بعد أن كان "واقفًا على رأسه"، ليصبح "واقفًا على قدميه". وهذه العبارة ليست مجرد استعارة بلاغية، وإنما تعبر عن انقلاب كامل في المنهج الفلسفي.

ولتقريب الفكرة يمكن تشبيه الفلسفة بإنسان يمشي على قدميه. فالمثالية الهيجلية، من وجهة نظر ماركس، جعلت هذا الإنسان يسير ورأسه إلى أسفل وقدماه إلى أعلى، أي جعلت الفكر هو الأصل الذي ينتج الواقع. أما ماركس فقد أعاد الأمور إلى طبيعتها، فاعتبر أن الواقع المادي والاجتماعي هو الأصل، وأن الأفكار ليست سوى نتاج لهذا الواقع.

وأهم أوجه نقد ماركس لفلسفة هيجل يمكن تلخيصها فيما يلي:

أولًا، رأى ماركس أن هيجل قلب العلاقة بين الفكر والواقع. فقد اعتبر هيجل أن الفكرة، أو الروح المطلقة، هي الأصل، وأن الطبيعة والمجتمع والدولة والتاريخ ليست إلا تجليات لها. أما ماركس فرفض هذا التصور، ورأى أن الأفكار لا تخلق العالم، وإنما العالم المادي والاجتماعي هو الذي ينتج الأفكار. ولهذا كتب في "الأيديولوجيا الألمانية": "ليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم، بل وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم."

ثانيًا، انتقد ماركس تحويل هيجل للمجردات إلى ذوات مستقلة. ففي فلسفة هيجل تبدو مفاهيم مثل الدولة، والعقل، والإرادة العامة، والروح المطلقة وكأنها كيانات قائمة بذاتها تمارس الفعل التاريخي، بينما يرى ماركس أن الفاعل الحقيقي هو الإنسان. فالدولة ليست ذاتًا مستقلة تمتلك إرادة فوق إرادة الأفراد، ولا العقل يحكم بنفسه، ولا الروح المطلقة هي التي تصنع التاريخ، بل البشر هم الذين يصنعونه.

ثالثًا، رأى ماركس أن هيجل منح الدولة مكانة فلسفية عليا، فاعتبرها أعلى تجسد للعقل والأخلاق، والتعبير الأسمى عن الحرية الموضوعية. أما ماركس فرفض النظر إلى الدولة باعتبارها كيانًا ميتافيزيقيًا أو سلطة تعلو على المجتمع، ورأى أنها نتاج للعلاقات الاجتماعية والاقتصادية السائدة داخله.

رابعًا، انتقد ماركس الطريقة التي قلب بها هيجل العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني. ففي حين جعل هيجل الدولة هي الأصل، والمجتمع المدني مجرد لحظة داخلها، رأى ماركس أن المجتمع المدني، بما يتضمنه من علاقات إنتاج، وأنماط ملكية، وبنية طبقية، هو الذي ينتج الدولة، وليس العكس.

خامسًا، انتقد ماركس تصور هيجل للبيروقراطية باعتبارها ممثلة للمصلحة العامة. فالبيروقراطية، في نظر ماركس، تتحول إلى فئة لها مصالحها الخاصة، لكنها تقدم هذه المصالح باعتبارها مصالح المجتمع كله، وهو ما يؤدي إلى تحويل الدولة من وسيلة لخدمة المجتمع إلى غاية قائمة بذاتها.

سادسًا، رفض ماركس دفاع هيجل عن الملكية الدستورية. فقد رأى هيجل أن الملك يجسد وحدة الدولة، بينما اعتبر ماركس أن هذا ليس سوى تبرير فلسفي لنظام يقوم على الوراثة. ولهذا طرح سؤالًا استنكاريًا مفاده: إذا كانت الدولة عقلانية، فلماذا يكون ميلاد شخص في أسرة معينة شرطًا لعملها؟

سابعًا، وجه ماركس نقدًا جذريًا إلى منهج هيجل نفسه. فبينما يبدأ هيجل من المفاهيم المجردة ثم يفسر الواقع في ضوئها، يبدأ ماركس من الواقع المادي الملموس، ثم يستخلص منه المفاهيم. ولذلك رأى أن هيجل كثيرًا ما يُخضع الواقع لأفكاره، بدلًا من أن يستمد أفكاره من تحليل الواقع.

ثامنًا، رفض ماركس استخدام مقولة هيجل الشهيرة: "كل ما هو واقعي فهو عقلي، وكل ما هو عقلي فهو واقعي" بوصفها مبررًا للنظام القائم. فالفلسفة، في نظر ماركس، ليست مهمتها تبرير الواقع، ولا حتى الاكتفاء بتفسيره، وإنما تغييره. ولهذا كتب في أطروحاته حول فيورباخ: "لقد اكتفى الفلاسفة بتفسير العالم بطرق مختلفة، أما المطلوب فهو تغييره."

تاسعًا، اختلف ماركس مع هيجل في مفهوم الحرية. فبينما رأى هيجل أن الحرية تتحقق داخل الدولة باعتبارها التجسد الأعلى للحياة الأخلاقية، رأى ماركس أن الحرية لا تتحقق بمجرد الاعتراف القانوني بها، وإنما تحتاج إلى شروط مادية واجتماعية حقيقية، لأن الإنسان الواقع تحت الفقر والاستغلال لا يكون حرًا بالمعنى الفعلي.

عاشرًا، أعاد ماركس الإنسان إلى مركز الفلسفة. فبدلًا من الانطلاق من الروح المطلقة أو الأفكار المجردة، بدأ تحليله من الإنسان الواقعي، ومن العمل، والطبيعة، والإنتاج، والعلاقات الاجتماعية، ثم انتقل إلى تفسير الأفكار بوصفها نتاجًا لهذه الشروط المادية.

الحادي عشر، انتقد ماركس القراءة المثالية للتاريخ عند هيجل. فقد رأى هيجل أن التاريخ هو المسار الذي تزداد فيه الروح المطلقة وعيًا بحريتها، بينما رأى ماركس أن التاريخ ليس حركة لأفكار مجردة أو لروح ميتافيزيقية، وإنما هو تاريخ الصراعات المادية والاجتماعية، وعلى رأسها الصراع بين الطبقات.

وأخيرًا، لم يرفض ماركس الديالكتيك الهيجلي نفسه، بل احتفظ به بعد أن حرره من إطاره المثالي. فإذا كان هيجل يرى أن حركة التاريخ تنبع من تطور الأفكار وتناقضاتها، فإن ماركس رأى أن مصدر الحركة الجدلية هو التناقضات المادية داخل المجتمع، وعلى رأسها التناقض بين قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج، وبين الطبقات الاجتماعية.

وبذلك يمكن القول إن ماركس لم يرفض هيجل رفضًا مطلقًا، بل انطلق من إنجازه الفلسفي، وأعاد صياغته على أسس مادية. ولهذا ظل الديالكتيك حاضرًا في فلسفة ماركس، لكنه لم يعد جدلًا بين الأفكار، وإنما أصبح جدلًا بين الوقائع والعلاقات المادية التي تشكل التاريخ والمجتمع.



#أحمد_الجوهري (هاشتاغ)       Ahmed_El_Gohary#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين فيورباخ وسبينوزا: من نقد الإله الشخصي إلى نقد الجوهر الم ...
- نمط الإنتاج والتحليل المادي للتاريخ قراءة في البنية العميقة ...
- الماركسية كفلسفة مادية جدلية: نحو فهم علمي لحركة الواقع والت ...
- الجانب الآخر من الأمل: المنفى، البيروقراطية، وأشباح التضامن ...
- الملكية الذاتية، الحرية، والمساواة: مراجعة ماركسية للأسس الل ...
- الكومونة الباريسية: مخطط للاشتراكية بلا دولة
- الإقتصاد بين السوق والدولة والصراع الطبقي: قراءة في النيوكلا ...
- الفيزياء وخلود الروح (مُترجم للعربية)
- النكبة من منظور الماركسية–التشومسكية الاشتراكية التحررية: ال ...
- فنلندا الأخرى: البروليتاريا المنسيّة في دولة الرفاه
- الاشتراكية لا تولد من رحم السلطة: رد تحرري على الاشتراكية وا ...
- أرض وحرية: صرخة من القبر لا تزال تتردد
- الاشتراكية لا تمر عبر الدولة: نقد تحرري لمقال من الدولة إلى ...
- نقد جذري لمقال -نحو تجديد ماركسي-لينيني يتجاوز المأزق اللاسل ...
- البجعة السوداء – مأساة السعي نحو الكمال
- توليف اشتراكي تحرري: نقد لكتاب جيرالد كوهين نظرية ماركس للتا ...
- نقد اشتراكي ليبرتاري لإعادة البناء التحليلية للمادية التاريخ ...
- البحث عن الإله في أدبيات نجيب محفوظ – الحلقة الثانية: ثلاثية ...
- البحث عن الإله في أدبيات نجيب محفوظ – الحلقة الأولى: أولاد ح ...
- من الإقطاع إلى النيوليبرالية: قراءة مادية جدلية في “حديث الص ...


المزيد.....




- صدارات مركز مندلي/ ج3
- مرتديًا الزي العسكري.. السيسي يفتتح مقر -الأوكتاغون- بالعاصم ...
- جنازة المرشد الإيراني علي خامنئي -تفاجئ- ترامب: كنت أعتقد أن ...
- -أصرّ على المشاركة-.. تقرير: مجتبى خامنئي مُنع من حضور تشييع ...
- اتهام طالب أميركي في القدس بالتجسس لصالح إيران.. ما المهام ا ...
- موسيقات جنائزية و-آيات مختارة-، كيف قرأت منصات التواصل مراسم ...
- السيسي يظهر بالبدلة العسكرية في عرض عسكري مهيب
- رئيس الوزراء البولندي: وارسو تنتظر من كييف خطوة أولى بعد فضي ...
- مصر تشدد على ضرورة انسحاب إسرائيل من قطاع غزة.. وتكشف تطورات ...
- حزب -البديل من أجل ألمانيا- يعيد انتخاب فايدل وكروبالا لرئاس ...


المزيد.....

- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - أحمد الجوهري - ماركس ونقد المثالية الهيجلية: كيف أوقف الديالكتيك على قدميه؟