أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - أحمد الجوهري - بين فيورباخ وسبينوزا: من نقد الإله الشخصي إلى نقد الجوهر الميتافيزيقي














المزيد.....

بين فيورباخ وسبينوزا: من نقد الإله الشخصي إلى نقد الجوهر الميتافيزيقي


أحمد الجوهري
مهندس مدني *مهندس تصميم انشائي* ماركسي-تشومسكي|اشتراكي تحرري

(Ahmed El Gohary)


الحوار المتمدن-العدد: 8755 - 2026 / 7 / 3 - 15:37
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


يُنظر إلى باروخ سبينوزا عادةً بوصفه أحد أبرز الفلاسفة الذين وجهوا ضربة قوية إلى مفهوم الإله الشخصي السائد في الأديان الإبراهيمية. فقد رفض تصور الإله بوصفه كائنًا متعاليًا، منفصلًا عن العالم، يمتلك إرادة شخصية ويتدخل في مجريات الطبيعة، واستبدل بذلك مفهومًا آخر يتمثل في مقولته الشهيرة: "الله أو الطبيعة" (Deus sive Natura)، حيث تصبح الطبيعة والإله تعبيرين عن جوهر واحد.

وقد رأى لودفيغ فيورباخ في هذا التحول إنجازًا فلسفيًا بالغ الأهمية، لأنه مثل خطوة كبيرة في تجاوز التصور اللاهوتي التقليدي للإله. غير أن هذا التقدير لم يمنعه من توجيه نقد جذري إلى فلسفة سبينوزا، وخاصة إلى مفهوم الجوهر الذي تقوم عليه.

يرى فيورباخ أن الجوهر عند سبينوزا يظل مفهومًا ميتافيزيقيًا مجردًا، وليس واقعًا ماديًا ملموسًا. ومن ثم، فإن استبدال الإله الشخصي بمفهوم "الجوهر" أو "الطبيعة" لا يمثل، في نظره، قطيعة كاملة مع اللاهوت، بل مجرد استبدال لمسمى بآخر يؤدي الوظيفة الفلسفية نفسها. فبدلًا من الإله الشخصي المتعالي على العالم، أصبح لدينا جوهر ميتافيزيقي متعالٍ على جميع الموجودات، تنبثق عنه الأشياء بوصفها أطوارًا أو أنماطًا له.

ومن هنا جاء شعار فيورباخ الشهير: "ليس الله أو الطبيعة، بل إما الله أو الطبيعة" (Aut Deus aut Natura). فبالنسبة إليه، لا يوجد مبرر فلسفي للجمع بين المفهومين. فإذا كانت الطبيعة قادرة على تفسير ذاتها بذاتها، فإن الإبقاء على لفظ "الله" لا يؤدي أي وظيفة فلسفية حقيقية، بل يمثل بقايا من اللغة اللاهوتية داخل البناء الفلسفي.

وفي تقديري، فإن هذه النقطة تمثل أحد أقوى الانتقادات التي وجهها فيورباخ إلى سبينوزا. فإذا كانت الطبيعة عند سبينوزا فاعلة بذاتها، فلا يبدو أن هناك ضرورة فلسفية للإبقاء على مفهوم "الله"، حتى وإن كان هذا المفهوم قد أُعيد تعريفه تعريفًا مختلفًا عن التصور الديني التقليدي.

وترتبط هذه الإشكالية بمشكلة أخرى أكثر عمقًا، وهي مفهوم الجوهر نفسه. إذ يرى سبينوزا أن جميع الموجودات، بما فيها الإنسان، والحيوان، والنبات، والطبيعة بأسرها، بل والحركة والسكون أيضًا، ليست سوى أنماط أو أطوار لذلك الجوهر الواحد. أما فيورباخ، فيرفض الانطلاق من افتراض وجود جوهر ميتافيزيقي ثابت، ويرى أن الفلسفة ينبغي أن تبدأ من الإنسان الواقعي والطبيعة الملموسة، لا من بناء ميتافيزيقي مجرد يُفترض أنه الأصل الذي يصدر عنه كل شيء.

وبهذا المعنى، يمكن القول إن سبينوزا نجح في هدم اللاهوت اليهودي والمسيحي التقليدي في عصره، لكنه، من وجهة نظر فيورباخ، أقام مكانه لاهوتًا ميتافيزيقيًا جديدًا تحت اسم "الجوهر". لذلك لم يرَ فيورباخ في فلسفة سبينوزا خروجًا كاملًا من الإطار اللاهوتي، وإنما إعادة صياغة له بلغة فلسفية.

وعلى النقيض من ذلك، تقوم فلسفة فيورباخ على رد جميع الظواهر إلى الإنسان والطبيعة والعالم المادي. ومن أشهر أطروحاته أن فكرة الله ليست سوى إسقاط أو انعكاس لجوهر الإنسان خارج ذاته، وأن الإنسان هو الذي يخلق الآلهة في وعيه، لا العكس. ومن ثم، فإن تفسير العالم ينبغي أن يستند إلى العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية، مثل الأنثروبولوجيا والآثار والتاريخ، بدلًا من اللجوء إلى كيانات ميتافيزيقية تُستخدم لتفسير الواقع.

ولا يهدف هذا المقال إلى الانتصار لأحد الموقفين أو تبنيهما، وإنما إلى عرض أحد أهم أوجه النقد الذي وجهه فيورباخ إلى فلسفة سبينوزا، خاصة أن كثيرًا من المعاصرين يعلنون تبنيهم لفكرة "إله سبينوزا" دون التوقف أمام الاعتراضات الفلسفية الجوهرية التي أثارها فيورباخ ضد هذا التصور. ومن ثم، فإن العودة إلى هذا الجدل تمثل فرصة لإعادة التفكير في مدى نجاح سبينوزا في تجاوز اللاهوت، أو ما إذا كان قد أعاد إنتاجه في صورة ميتافيزيقية جديدة.



#أحمد_الجوهري (هاشتاغ)       Ahmed_El_Gohary#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نمط الإنتاج والتحليل المادي للتاريخ قراءة في البنية العميقة ...
- الماركسية كفلسفة مادية جدلية: نحو فهم علمي لحركة الواقع والت ...
- الجانب الآخر من الأمل: المنفى، البيروقراطية، وأشباح التضامن ...
- الملكية الذاتية، الحرية، والمساواة: مراجعة ماركسية للأسس الل ...
- الكومونة الباريسية: مخطط للاشتراكية بلا دولة
- الإقتصاد بين السوق والدولة والصراع الطبقي: قراءة في النيوكلا ...
- الفيزياء وخلود الروح (مُترجم للعربية)
- النكبة من منظور الماركسية–التشومسكية الاشتراكية التحررية: ال ...
- فنلندا الأخرى: البروليتاريا المنسيّة في دولة الرفاه
- الاشتراكية لا تولد من رحم السلطة: رد تحرري على الاشتراكية وا ...
- أرض وحرية: صرخة من القبر لا تزال تتردد
- الاشتراكية لا تمر عبر الدولة: نقد تحرري لمقال من الدولة إلى ...
- نقد جذري لمقال -نحو تجديد ماركسي-لينيني يتجاوز المأزق اللاسل ...
- البجعة السوداء – مأساة السعي نحو الكمال
- توليف اشتراكي تحرري: نقد لكتاب جيرالد كوهين نظرية ماركس للتا ...
- نقد اشتراكي ليبرتاري لإعادة البناء التحليلية للمادية التاريخ ...
- البحث عن الإله في أدبيات نجيب محفوظ – الحلقة الثانية: ثلاثية ...
- البحث عن الإله في أدبيات نجيب محفوظ – الحلقة الأولى: أولاد ح ...
- من الإقطاع إلى النيوليبرالية: قراءة مادية جدلية في “حديث الص ...
- من الوهم إلى الواقع: قراءة ماركسية تحليلية لتحولات السلطة في ...


المزيد.....




- صرخ قائلا: -كريستيانو رونالدو-.. مراسلة CNN تروي تفاصيل جهود ...
- في مناسبة يوم كندا.. 10 أطباق تعكس مساحة البلاد وتنوّعها
- صنادل على شكل زنابق الماء.. لماذا يسيطر هوس الأقدام على منصّ ...
- ظهور علني نادر لقائد الحرس الثوري الإيراني قبل جنازة خامنئي ...
- معرض VivaTech.. ساعة ذكية تقرأ مشاعر الإنسان باستخدام الذكاء ...
- سويسرا تفوز على الجزائر بلا عناء، وإسبانيا والبرتغال تلتقيان ...
- اندفاع لشراء المكيفات يتسبب بمشادات في متاجر ليدل في فرنسا
- توتر متجدد: وزير الخارجية التركي يصف إسرائيل بـ-العبء العالم ...
- إطلاق دببة الصفراء المُنقذة في غابة في الدنمارك
- توتر أمني في السويداء.. استهداف متبادل بين مجموعات مسلحة وقو ...


المزيد.....

- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب
- تحليل نظرية روزا هارتموت النقدية في علم الاجتماع / علي حمدان
- -الدولة الأخلاقية- تفكيك ظاهرة المدنية والتمدن / احسان طالب
- جدوى الفلسفة، لماذا نمارس الفلسفة؟ / إحسان طالب
- ناموس المعالي ومعيار تهافت الغزالي / علاء سامي
- كتاب العرائس / المولى ابي سعيد حبيب الله
- تراجيديا العقل / عمار التميمي
- وحدة الوجود بين الفلسفة والتصوف / عائد ماجد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - أحمد الجوهري - بين فيورباخ وسبينوزا: من نقد الإله الشخصي إلى نقد الجوهر الميتافيزيقي