أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحمد الجوهري - أرض وحرية: صرخة من القبر لا تزال تتردد














المزيد.....

أرض وحرية: صرخة من القبر لا تزال تتردد


أحمد الجوهري
مهندس مدني *مهندس تصميم انشائي* ماركسي-تشومسكي|اشتراكي تحرري

(Ahmed El Gohary)


الحوار المتمدن-العدد: 8340 - 2025 / 5 / 12 - 11:24
المحور: الادب والفن
    


"يمكنهم قتل الجسد، لكنهم لا يستطيعون قتل الفكرة."

مشاهدة فيلم أرض وحرية لأول مرة تشبه اكتشاف ركن منسي من التاريخ، حيث لا تزال الأفكار حيّة، ملتهبة، متوقدة. إنه ليس مجرد فيلم، بل وثيقة نضالية، قصيدة عصيان، وجرح مفتوح يرفض أن يندمل. من إخراج كين لوتش عام 1995، يغوص هذا العمل العظيم في عمق الحرب الأهلية الإسبانية، دون أن يقع في فخ التجميل أو التبسيط، بل يقدم صورة صادقة وموجعة عن التناقضات الداخلية لليسار، وعن ثمن الخيانة، وعن جمال الأمل الجماعي حين يولد من رحم الكفاح.

تابعته بعيون اشتراكي تحرري، نقابي لا سلطوي، يحمل قناعاته كندبة وعهد. كنت أنتظر مشاهد بطولية ضد الفاشية، لكن ما لم أكن أتوقعه هو أن أشعر بأنني مرآة لهذا الفيلم، متورط فيه، وأني جزء من هذا الألم الممتد، وهذا الحلم الذي لم يمت.

الذاكرة والإرث

يبدأ الفيلم في بريطانيا المعاصرة، حين تعثر حفيدة ديفيد كار — الشاب الشيوعي من ليفربول — على صندوق يحتوي على رسائل وصور ومنديل أحمر. هذه ليست فقط مدخلاً سرديًا، بل هي مفتاح لبوابة الماضي. الماضي لا يندثر، بل ينتظر. ينتظر في الصناديق القديمة، في الأوراق الصفراء، في الجروح التي تنتقل من جيل إلى جيل. حين تبدأ الحفيدة بقراءة مذكرات جدها، فإنها لا تكتشف قصة، بل تتسلم شعلة لم تُطفأ.

مثاليات الثورة في مواجهة واقعية السلطوية

قلب الفيلم لا يكمن في المعارك، بل في الخنادق الفكرية. ينضم ديفيد إلى صفوف حزب العمال الماركسي الموحد (POUM)، وهو تيار ماركسي ثوري حليف للأناركيين والاشتراكيين التحرريين. لا نشاهد جنودًا منظمين، بل رفاقًا يحلمون بعالم جديد يولد من رماد العالم القديم.

وفي لحظة ما، ينجحون. نرى قرية تُحرر من الفاشيين، ويبدأ النقاش بين المقاتلين والفلاحين حول مصير الأرض، حول الديمقراطية الحقيقية، حول إعادة توزيع السلطة والثروة. هذه اللحظة هي تجسيد لليوتوبيا، بكل فوضويتها وصدقها، بكل جمالها القائم على المشاركة والندية.

لكن الحلم يبدأ في الانهيار من الداخل. الحزب الشيوعي، المدعوم من ستالين والاتحاد السوفيتي، يبدأ في قمع الحلفاء الثوريين باسم "الوحدة". هنا تنكشف الخيانة. يتم التخلي عن الثورة لصالح التحالفات الدولية والمساومات الدبلوماسية. يتم قمع من قاموا بالقتال، وتشويههم وتصفيتهم.

ديفيد، ككثير من المثاليين، يجد نفسه ممزقًا بين الولاء والضمير. ينضم إلى الجيش النظامي، آملاً أن يكون له أثر أكبر، لكنه يرى بعينيه كيف أن رفاقه يُعتقلون ويُعدمون لمجرد أنهم رفضوا الخضوع للخط الستاليني. حين يمزق عضوية الحزب الشيوعي، لا يفعل ذلك من فراغ، بل كصرخة ضد خيانة الفكرة.

بلانكا: قلب الثورة النابض

من بين الشخصيات، تبرز بلانكا. امرأة مقاتلة، معلمة، حُرّة. تمثل جوهر الاشتراكية التحررية: التضامن، وضوح الرؤية، ورفض السيطرة. حضورها هو روح الثورة، وغيابها هو فجيعة الفكرة.

لكن دفنها في أرض حررها الفلاحون يحوّل موتها إلى زرع. جسدها يعود إلى الأرض التي قاتلت لأجلها. موتها يصبح بذرة. وحين تسكب الحفيدة حفنة من تراب قبر بلانكا في قبر ديفيد، فإن اللحظتين تتوحدان. الماضي والحاضر، الجسد والفكرة، النضال والإرث، يجتمعان إلى الأبد.

فن في مواجهة النسيان

إخراج لوتش يتميز بالبُعد عن الزيف والافتعال. لا بهرجة، لا بطولات مصطنعة. معظم الممثلين غير محترفين، وهو ما أضفى على الفيلم روحًا واقعية مؤلمة. النقاشات بين المقاتلين حول الملكية والأرض والديمقراطية تبدو وكأنها نُقلت من أرض الواقع، لا من ورق السيناريو. الفيلم لا يفرض رأيًا، بل يفتح مجالًا للتأمل العميق: ما هي الحرية؟ هل يمكن محاربة الفاشية دون الوقوع في نفس بنيتها السلطوية؟ وهل تستحق الوحدة أن نضحي من أجلها بالمبدأ؟

الجواب الذي يقدمه الفيلم صعب ولكنه واضح: لا ثورة تنجح إن خانت نفسها. لا يمكنك أن تقاوم الفاشية وأنت ترتدي زيها بلون مختلف.

شهادة شخصية

أرض وحرية لم يهزني فقط سياسيًا، بل إنسانيًا. كمن يرى العالم من زاوية الصراع الطبقي والحرية الشعبية، شعرت أن هذا الفيلم يخاطب روحي. ذكّرني بأن الخيانة لا تأتي فقط من العدو، بل كثيرًا ما تأتي من من نادوا يومًا بالعدالة.

لكن الفيلم ذكرني أيضًا بشيء أقدّسه: حتى في الهزيمة، هناك نصر في الحلم. حتى في القبر، نحن لم ننتهِ. أفكارنا يمكن أن تعيش، إن ورثناها لأجيال جديدة بصدق وشجاعة.

هذا الفيلم أصبح جزءًا من مكتبتي الأساسية، لا كعمل سينمائي فقط، بل كدرس، كنصب تذكاري، كبذرة جديدة.

"إلى الذين ماتوا وهم يقاتلون، ليس من أجل علم، ولا من أجل حكومة، بل من أجل بعضهم البعض."



#أحمد_الجوهري (هاشتاغ)       Ahmed_El_Gohary#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الاشتراكية لا تمر عبر الدولة: نقد تحرري لمقال من الدولة إلى ...
- نقد جذري لمقال -نحو تجديد ماركسي-لينيني يتجاوز المأزق اللاسل ...
- البجعة السوداء – مأساة السعي نحو الكمال
- توليف اشتراكي تحرري: نقد لكتاب جيرالد كوهين نظرية ماركس للتا ...
- نقد اشتراكي ليبرتاري لإعادة البناء التحليلية للمادية التاريخ ...
- البحث عن الإله في أدبيات نجيب محفوظ – الحلقة الثانية: ثلاثية ...
- البحث عن الإله في أدبيات نجيب محفوظ – الحلقة الأولى: أولاد ح ...
- من الإقطاع إلى النيوليبرالية: قراءة مادية جدلية في “حديث الص ...
- من الوهم إلى الواقع: قراءة ماركسية تحليلية لتحولات السلطة في ...
- نقد التجارب الاشتراكية الزائفة -رأسمالية الدولة- بين فؤاد زك ...
- من الوهم إلى الحقيقة: عبد الناصر لم يكن يسارياً ومصر لم تكن ...
- يزيد المصري: ثنائية الخالق والمادة في حديث الصباح والمساء — ...
- نقد الظاهرة الدينية: دراسة حول النبوة والإله الإبراهيمي من م ...
- في العالم الكمومي، حتى وجهات النظر غير مؤكدة (ترجمة إلى العر ...
- من الوهم إلى الواقع: إلغاء الدولة كشرط لتحرير الإنسان وبناء ...
- من الوهم إلى الواقع: نقد آليات النيوليبرالية في توزيع الثروة ...
- إيلون ماسك: ادعاءات الابتكار وتركيز السلطة – قراءة نقدية لاس ...
- الحوسبة الكمومية: تحليل شامل للمبادئ والتطور التاريخي والتطب ...
- الاقتصاد العالمي الناشئ (مترجم الي العربية)
- إذا أردت فهم الماركسية، اقرأ جيرالد ألان كوهين (مترجم الي ال ...


المزيد.....




- التحقيق في مصرع منتج سينمائي مصري بطريقة مأساوية
- الثقافة المركزية السودانية.. إرث تاريخي أم ورقة تفاوض سياسي؟ ...
- موسكو تُعيد إحياء منزل -المعلّم- من رواية -المعلّم ومارغريتا ...
- اختبار اللغة السويدية للحصول علي الجنسية قد يتأجل مجددا
- مصر.. مصرع منتج سينمائي غرقا
- إعلام لبناني: إخلاء سبيل فضل شاكر في 3 ملفات وترجيح حسم الرا ...
- في الذكرى الـ 250 للاستقلال، كيف أعادت أمريكا اختراع اللغة ا ...
- أعقاب سجائر ومفتاح مكرر يكشفان سارقي منزل الفنانة منى واصف
- -خطوة صبيانية-.. سخرية واسعة على منصة -إكس- من نواب بريطانيي ...
- فنانو اليمن بين الحرب والجوع.. حين تُباع اللوحات لتبقى الحيا ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - أحمد الجوهري - أرض وحرية: صرخة من القبر لا تزال تتردد