مسعد عربيد
الحوار المتمدن-العدد: 8754 - 2026 / 7 / 2 - 12:10
المحور:
القضية الفلسطينية
• تغلغل أفكار الصهيونية - المسيحية في الثقافة الأوروبية
• إرث فولتير
▪️▪️▪️
إرث فولتير
كان فولتير مفكرًا بارزًا بين مفكري عصر التنوير، وترك إرثًا عميقًا تجاوز عصره، ولاتزال أفكاره محل دراسة ونقاش حتى اليوم. ولكن فولتير كان نتاجًا لبيئته وزمانه، أليس هو مَن قال "كل إنسان هو ابن عصره، وقلة هم من يستطيعون الارتقاء بأنفسهم فوق أفكار ذلك العصر"، وعليه، ينبغي محاكمة أفكاره وإرثه على هذا الأساس.
ينفرد فولتير بين غيره من مفكري عصره في سياق أفكاره حول اليهود واليهودية، لأن أفكاره هذه لا تزال محل جدل بين الكثيرين من المختصين، ولأنه يحتل حيزًا هامًا في الأوساط الغربية واليهودي.
أولاً: الإرث الفكري
ترك فولتير إرثًا في العديد من مجالات الفكر والفلسفة والسياسة والأدب وحقوق الإنسان، أهمها الدفاع عن حرية الفكر وتعزيز دور العلم والعقل في تقدم البشرية، نقد الدين المنظم،
مناهضة التعصب الديني، نقد السلطة الاستبدادية والسلطة الثيولوجية (الكنيسة - المؤسسة الدينية) وغيرها.
تأثيره على المفكرين الآخرين: ترك فولتير تأثيراته على جان جاك روسو وإيمانويل كانط ويوهان فيخته وغيرهم من فلاسفة وسياسيي عصره والقرن التاسع عشر الذين استلهموا أفكاره ونقده للدين والاستبداد ودفاعه عن حرية الفكر.
ثانيًا: إرث فولتير حول اليهود واليهودية
1. معاداة اليهود
لم تكن اليهودية (واليهود) مجرد موضوع هامشي في عصر التنوير، بل كانت محورًا رئيسيًا للنقاشات الفكرية والسياسية والدينية. ومن هنا تصدرت مسألة "معاداة فولتير لليهود واليهودية" موقعًا مركزيًا في فكره وإرثه، حيث شكّان مواقفه من هاتين المسألتين أحد الدوافع الرئيسية لانتشار أفكاره وديمومة الجدل حولها.
2. مكانة فولتير
نظرًا لمكانة فولتير الفكرية والفلسفية، نلحظ أن أفكاره حول اليهود واليهودية قد انتشرت وتحديدًا ما يوصف "بمعاداته للسامية"، من خلال كتاباته الغزيرة التي لا تزال تغذي جدلاً مستمرًا في الأوساط الإعلامية والفكرية والأكاديمية. نقول هذا، بالطبع دون التقليل من الحضور اليهودي في هذه الأوساط، حيث يرصد العديد من المثقفين الصهاينة تفاصيل مواقف فولتير ووجهات النظر حيالها، وحيال كل مَن يتجرأ على التصريح برأيٍ ناقدٍ أو معارضٍ للأيديولوجيا الصهيونية وأجندة مشروعها الاستيطاني في فلسطين.
3. تعدد التفسيرات
لا شك أن فولتير وجّه نقدًا وتهجمًا على اليهود واليهودية، ولكنه أيضًا عبّر في كتابات أخرى عن التعاطف معهم، وهو ما لا يقبله معادو السامية. وقد تعرضت أفكاره هذه إلى تفسيرات وادعاءات متباينة وأحيانًا متناقضة.
بوسعنا أن نصيغ هذه الإشكالية على النحو التالي: هل أسهم فولتير في نشر قيم التنوير وحرية الفكر ومحاربة التعصب الديني، وإن صح ذلك، هل يتناقض ذلك مع نقده لليهود واليهودية وتهجمه عليهما. وعليه يصبح السؤال:
- هل تبرر الاقتباسات التي تنتقد اليهود الاستنتاج بأن فولتير كان "معاديًا للسامية"؟ (مع ملاحظة أن معاداة السامية في مفهومها الحديث لم تكن موجودة في عصر فولتير).
- وهل تمّ استخدام بعض هذه الاقتباسات لاحقًا لتبرير أشكال من معاداة السامية الحديثة؟ أم أن كتابات فولتير وفرت مصدرًا ملائمًا لاقتباسات وظّفها الكتّاب والمثقفون كحجج لإثبات وجهة نظرهم؟
هذا ما سنحاول مناقشته في الجزء التالي.
4. التلاعب بالاقتباسات من كتابات فولتير
يعمد الكتّاب إلى الاقتباس من أعمال مفكرين بارزين لإضفاء مصداقية على الحجج المطروحة. وليس خفيًّا أن هذه كثيرًا ما تتعرض للتلاعب والانتقائية، سواء بالتحريف أو الاقتطاع والحذف أو التلفيق والاستخدام خارج السياق، ما يمكن أن يؤدي إلى تحريف المعنى أو قلبه رأساً على عقب.
ينطبق هذا على الكثير من الاقتباسات المتكررة من كتابات فولتير. لذا يلحظ بعض الباحثين أن احتمال التلاعب بالاقتباسات يشكّل أحد الأسباب في التباين في تفسيرات أفكاره حول اليهود واليهودية.
وقد كانت هذه التفسيرات في بعض الأحيان متناقضة، وأدّت إلى جدل حول مواقف فولتير لدى معاصريه والأجيال اللاحقة. ويلاحظ بعض الدارسين لكتابات فولتير أن المعادين لليهود واليهودية يقتبسون من أعماله لإثبات حججهم، أكثر من أولئك المتعاطفين معهم، ما يؤدي إلى الإيحاء بأن فولتير كان معادياً للسامي، وهو أمر قد يصعب تأكيده.
على ضوء هذه الاعتبارات، ينبغي قراءة أفكار فولتير قراءة أكثر دقةً بحيث توازن بين 1) الطبيعة النقدية والهجومية لطروحات فولتير حول اليهود، و2) ونقده للدين المنظم (أي دين) والاضطهاد الديني.
ما نقصده، هو أنه ليس من العسير استخدام بعض الاقتباسات من أعمال فولتير بشكل انتقائي، فأعماله تحتوي على مخزون كبير من العبارات الهجومية والناقدة لليهود. لذا يصعب تحديد ما إذا كان الكتّاب المعاصرون من معادي السامية قد وظفوا هذه الاقتباسات لإثبات حججهم، أم أنهم وجدوا في أعماله ترسانة جاهزة من الآراء التي تتناسب مع قناعات كانوا يتبنونها بالأصل.
ثالثّا: إرث فولتير من وجهة نظر اليهود
هنا أيضًا تتفاوت مواقف اليهود المعاصرين تجاه أفكار فولتير حول اليهود واليهودية وتفسيراتها، ولكننا نستطيع استعراض خطوطًا عريضة لهذه الآراء التي يتسنى استنتاجها من كتابات بعض المثقفين اليهود المعاصرين.
أفكاره التنويرية: يحظى فولتير بتقدير واسع كمفكر تنويري بارز في الأوساط الثقافية اليهودية، وكثيرًا ما يُطرح اسمه كمثال على المبادئ الإنسانية الشاملة لعصر التنوير وإمكانية تعايشها.
فولتير شخصية معقدة: برى بعض الباحثين من مختلف الأطياف السياسية والفكرية، أن فولتير شخصية معقدة، ويتعاملون معه على هذا الأساس: فهم يقرون بإسهاماته في حرية الفكر، وفي الوقت نفسه ينتقدون تهجمه على اليهود.
انتقاد اليهود: ينتقد العديد من المؤرخين والمثقفين اليهود كتابات فولتير المعادية لليهود واليهودية، ما جعل بعضهم يعتبرونها سقطة أخلاقية وفكرية. كما يرى بعضهم أن فولتير لم يمنح اليهود ذات القدر من التسامح الديني الذي منحه للأديان الأخرى.
لم يعادي فولتير اليهود بل عادى الدين: يرى بعض الباحثين اليهود أن انتقادات فولتير كانت موجهة في المقام الأول إلى المؤسسات الدينية المنظمة، بما في ذلك المسيحية والإسلام وغيرهما، وليس إلى اليهودية وحدها. ومع ذلك، يرى بعضهم بأن تهجمه على اليهود تجاوز حدود نقد الدين، وأنه كان ذا طابع عرقي، مما يجعل من الصعب اعتباره مجرد موقف ناقد للمؤسسة الدينية.
فولتير نتاج عصره: يرى البعض أن عدائه كان انعكاسًا لتحيزات أوسع نطاقًا كانت شائعة في أوروبا في القرن الثامن عشر، وليس كراهية لليهود. وكغيره من مفكري عصر التنوير يرى بعضهم في كتاباته مثالًا على إشكالية مفادها أن بعض المدافعين عن الحرية فشلوا في تطبيق تلك المبادئ بشكل مساوٍ على اليهود. فحتى كبار فلاسفة التنوير قد يحملون تحيزات معادية لليهود.
أسهم فولتير في تحرير اليهود: يدرك بعض المثقفين اليهود أن أفكار عصر التنوير والإصلاحات المستوحاة منها أسهمت في النهاية في تحقيق التحرر السياسي لليهود في فرنسا والعديد من الدول الأوروبية.
تغذية معاداة السامية لاحقًا: على النقيض من ذلك، يرى بعض المؤرخين أن أفكار فولتير وإرثه أسهما في تغذية معاداة السامية في أوروبا في العصر الحديث وخلال القرن التاسع عشر، أي في فترة لاحقة لعصر فولتير. وعلى الرغم من أن فولتير لم يتبنَّ نظريات عنصرية أو عرقية بالمعنى الذي ساد في القرن التاسع عشر حين ظهرت معاداة السامية، فأن بعضهم يرى أن تصويره السلبي لليهود أسهم في التأسيس لهذه الظاهرة.
رابعًا: إرث فولتير في التفسيرات الصهيونية
لم تكن الصهيونية السياسة أي الهرتسلية موجودة في عصر فولتير، ولكنه يمكننا استشراف بعض الدلالات على التفسيرات الصهيونية لأفكاره من مطالعة الأدبيات الصهيونية ومشروعها الاستيطاني في فلسطين.
مع غياب موقف صهيوني واحد تجاه أفكار فولتير، نرى أن التيارات الصهيونية المختلفة تتعامل معه على نحو يخدم في نهاية المطاف مصالحها وأيديولوجيتها.
- فقد استخدم بعض الصهاينة كتابات فولتير كمثال على حجة صهيونية تاريخية أوسع كثيرًا ما يستشهدون بها، وهي أن تحقيق المساواة لليهود كمواطنين في المجتمعات الأوروبية ظلّ هشًّا، على الرغم من مُثُل عصر التنوير. علاوةً على أن بعض المثقفين الأوروبيين المستنيرين الذين روّجوا لحرية الفكر والإنسان قد يكنّون تحيزًا عميقًا ضد اليهود.
- انطلاقًا من هذه المقولة، وصل تيودور هرتسل والصهاينة من بعده إلى استنتاج مفاده أنه لا يمكن لليهود الاعتماد على قبولهم داخل المجتمعات الأوروبية واندماجهم فيها. وعليه، فإن حلّ "المسألة اليهودية" يكمن في المشروع الاستيطاني لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين.
- يبدو منطقيا، إذن، أن هذه الحجج تتوافق مع أهداف وتطلعات الصهاينة الأوائل الذين سعوا إلى إقامة "وطن قومي لليهود في فلسطين"، لأنها خدمت مشروعهم الاستيطاني.
فيما يتعلق بالمواقف الصهيونية من فولتير يجدر بنا أيضًا التمييز بين (1) الصهاينة "الليبراليين والعلمانيين" الذين غالبًا ما يُقدّرون إسهاماته في حرية الفكر ودعوته للعقلانية، بينما يُدينون كتاباته المعادية لليهود، و(2) الصهاينة المتدينين الأكثر انتقادًا لفولتير لنقده الدين عمومًا، وخصوصًا اليهودية، ناهيك عنة تهجمه على اليهود. ولكن علينا في كلتا الحالتين أن نضع نُصْبَ عينينا مدى توظيف أيٍ من هذه التفسيرات والادعاءات لخدمة الأهداف الصهيونية ومصالحها، وهو ما يعننا على تفسير مقدار الاهتمام والتركيز على كون فولتير معاديًا للسامية.
بعض المراجع
1. Max Zinkin, Voltaire’s Antisemitism: An Adapted Final Paper, January 5, 2026
2. Richard Diamond, When Reason Became a Host for Antisemitism – Voltaire’s Legacy, Sep 1, 2025
3. Jewish Virtual Library, Voltaire, https://jewishvirtuallibrary.org/voltaire-x00b0
4. Jonathan Israel, “How did the Enlightenment shape the Jews?”, Stroum Center for Jewish Studies
https://jewishstudies.washington.edu/jewish-history-and-thought/did-enlightenment-shape-jews-jonathan-israel/
5. Gotthard Deutsch, Voltaire, Jewish Encyclopedia,
https://www.jewishencyclopedia.com/articles/14730-voltaire
6. Stéphane Lojkine, Voltaire and the Jews: The dark side of Voltaire s force, Aix-Marseille Université, CIELAM
https://utpictura18.univ-amu.fr/en/rubriques/archives/voltaire/voltaire-and-the-jews
#مسعد_عربيد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟