مسعد عربيد
الحوار المتمدن-العدد: 8745 - 2026 / 6 / 23 - 23:09
المحور:
القضية الفلسطينية
تغلغل أفكار الصهيونية - المسيحية في الثقافة الأوروبية
فولتير: إشكاليات وتناقضات
تستحق الإشكاليات التي أحاطت بمواقف فولتير من اليهود واليهودية، وما تضمنته من تفسيرات متباينة وأحيانًا متناقضة، وقفة للنقاش لأنها تتجاوز فولتير ذاته، لتضيء على الجدل الذي دار بين التيارات الفكرية التي تصارعت في تلك الفترة من عصر التنوير، ولا يزال قائمًا في الأوساط الثقافية والأكاديمية المعاصرة.
يرى بعض الباحثين أن أفكار فولتير تجاه اليهود واليهودية اتسمت بالتناقضات والتعقيدات التي
يمكن تكثيفها في إشكالية محورية مفادها: أن أفكاره تتراوح بين آراء تهجمية ومهينة لليهود، من جهة، والتعاطف معهم من جهة أخرى.
وبشيءٍ من التفصيل، نرى أن القارئ يقع في إشكالية خلافية:
- فبعض الباحثين يرون أن فولتير عادى اليهود ووصفهم بنعوت سلبية، وتهجم عليهم وعلى ديانتهم وكتبهم الدينية، واعتبرهم "همجًا" و"ومتعصبين" وكائنات غريبة ودخيلة على المجتمع.
- وفي الوقت نفسه، لا ينكر آخرون أن فولتير تهجم على اليهود واليهودية، ويؤكدون أن (فولتير) كان يرفض اضطهادهم أو ممارسة العنف ضدهم، وينادي بالتسامح الديني تجاههم ومنحهم حقوق المواطنة المتساوية، وإلى دمجهم كمشاركين فاعلين في المجتمع. علاوة على أنه كان يقرّ بوجود يهود محترمين، ويحافظ على علاقات ودية مع بعض المثقفين والشخصيات اليهودية البارزة في عصره.
أسئلة تبحث عن إجابات
في ثنايا هذ الإشكالية تتكشف تباينات بين (1) مَن يتهم فولتير بمعاداة اليهود واليهودية، بل يذهبون إلى توظيف مصطلح "معاداة والسامية"، من ناحية، و(2) أولئك الذين ينفون ذلك بل يشيدون بإسهاماته في دعم اليهود و"تحريرهم"، من ناحية أخرى.
هذه الإشكالية ليست جديدة بين الباحثين الذين درسوا فلسفة فولتير وأفكاره، بل هي قائمة منذ عدة قرون، ومن هنا ظهرت عدة مدارس متباينة حولها.
تفرز هذه الإشكالية عدة أسئلة.
فبعض الباحثين يساءل: هل يُعقل أن فولتير، أحد أبرز دعاة حرية الفكر والنزعة الإنسانية والتسامح الديني في القرن الثامن عشر، كان هو نفسه متحيزًا ضد اليهود ومعاديًا لديانتهم؟
أم أنه، كما يرى آخرون، انتقد اليهودية والتوراة في المقام الأول في سياق نقده للمسيحية وبهدف تدعيم نقده لها؟
بعبارة أخرى، هل قصد فولتير من خلال انتقاداته للكتب الدينية اليهودية (العهد القديم) توجيه انتقادات مبطنة للعهد الجديد (المسيحي) والعقيدة المسيحية التي قامت عليه.
أذا ما وضعنا الإشكالية على هذا الشكل، فإننا قد نقع في حيرة، لأننا سنجد في كتابات فولتير وأقواله تهجمًا وتجريحًا باليهود، وهو صحيح، ولكننا قد نجد في أقوالٍ أخرى تعاطفًا معهم، مع أن الأخيرة قد تكون أقل شيوعًا وأكثر صعوبة في العثور عليها وترويجها من قبل الباحثين.
تعدد التفسيرات
في محاولة الإجابة، بعد عدة قرون ووفرة غزيرة من الأدبيات، يبرز عاملان هامان يقفان خلف هذه الإشكالية وديمومتها، وهما:
1. تعدد التفسيرات المتباينة لمواقف فولتير من اليهود واليهودية، دون أن يعني ذلك أن تفسيرًا معينًا يطغي على غيره، أو أن يلغي أحدها التفسيرات الأخرى.
2. وفرة الاقتباسات من كتابات فولتير والاستشهاد بأقواله، ما يترك مجالاً رحبًا للانتقائية وتوظيف هذه الاقتباسات في اثبات وجهات نظر متعددة ومتناقضة أحيانًا.
معاداة السامية لم تكن موجودة
بدايةً، وقبل الولوج إلى مزيد من مناقشة إلصاق "معاداة السامية" بفولتير، ينبغي التذكير بأن هذا المصطلح، الذي تمّ نحته بمفهومه المعاصر في أواخر القرن التاسع عشر، وما جرّى عليه من تحوير وتوظيف لخدمة الصهيونية وسياساتها ودعايتها وأيديولوجيتها، لم يكن موجودًا أو متبلورًا في عصر فولتير، إذ غالبًا ما كانت معاداة اليهود في عصره ذات أبعادًا دينية مسيحية. من هنا، وعلى الرغم من الافراط في استخدام هذه المصطلح في الأدبيات التي تعالج أفكار فولتير، فإن استخدامه يظل محفوفًا بالمخاطر وينبغي الحذر والتنبه من استعماله، والأدق أن نقول "معادة اليهود" أو "معاداة اليهودية".
▪️▪️▪️
سنتناول فيما يلي أبرز هذه الإشكاليات:
- علمانية فولتير ومعاداة اليهود
- عقلانية فولتير ومعاداة اليهود
- نقدُ اليهودية ... أم نقدٌ للمسيحية!
- هل دعا فولتير حقًا إلى التسامح الديني مع اليهود!
▪️▪️▪️
(1)
أولاً: علمانية فولتير ومعاداة اليهود
تصبح صورة فولتير وأفكاره تجاه اليهود واليهودية أكثر تعقيدًا إذا ما اقتربنا من مسألة العلمانية، خصوصًا عند مطالعة المصادر اليهودية أو الصهيونية. * فقد كتب فولتير العديد من الانتقادات والعبارات السلبية عن اليهود واليهودية، مما دفع بعض الباحثين إلى وصفه بأنه معادٍ للسامية. ومن هنا نرى أن مسألة معاداة فولتير لليهود وللسامية تحظى باهتمام كبير في الأوساط الفكرية والأكاديمية. كما أن ذلك يعود ذلك جزئياً إلى أنها تنطوي على تناقض، كما ألمحنا، بين تهجمه على اليهود واليهودية وانكار ذلك.
وعليه، يصبح السؤال كما صاغه بعض الكتّاب:
هل كان فولتير معادياً لليهود (للسامية)؟
وهل أدّت علمانية فولتير إلى معاداة اليهود واليهودية؟
وبالنتيجة، هل أسهم فولتير في التأسيس، بشكل مباشر أو غير مباشر، للشكل المعاصر لهذه الظاهرة؟
أم أنه - كما ذهب بعضهم- انتقد اليهود واليهودية منطلقًا (1) من رفضه الجذري للدين المنظم (أي دين)، و(2) وبما لا يقل أهمية، من نقده للمسيحية؟
▪️▪️▪️
يجادل مروجو فكرة "فولتير معادٍ للسامية"، أن فولتير لم يكن مجرد ناقد للدين (الدين المنظم)، بل كان أيضًا معادياً لليهود وأسهم في إرساء الأسس الفكرية لمعاداة السامية الحديثة. (لاحظ استخدامهم لمصطلح معاداة السامية). ولإثبات وجهة نظرهم هذه، عاد هؤلاء إلى الجذور الفكرية لآراء فولتير التي استمدها من باروخ سبينوزا، حيث كانت نقطة الانطلاق عند الأخير أن الكتاب المقدس عند اليهود يجب أن يُفهم كوثيقة تاريخية وسياسية وليس كنص إلهي أبدي.
- مع انتشار أفكار سبينوزا، بدأ بعض المفكرين والكتاب بتصوير اليهود القدامى على أنهم بدائيون ومتخلفون، وهو ما حوّل نقد الكتاب المقدس إلى تهجم على اليهود أنفسهم. بعبارة أخرى، ساعد نهج سبينوزا في تفسير الكتاب المقدس على نقل نقد اليهودية من الإطار الديني إلى الإطار العلماني.
- وهنا نصل إلى فولتير الذي تبنى نهج سبينوزا وعززه. فبموازاة دفاعه عن التسامح الديني ونقد الكنيسة المسيحية، دأب فولتير على وصف اليهود بعبارات سلبية ونمطية، وأن عيوب اليهود القدماء لا تزال قائمة لدى اليهود المعاصرين، ما يعني أن تحيزه يتجاوز مجرد نقد الدين ويمس اليهود أنفسهم.
- خلاصة القول، أن نقد فولتير للكتاب المقدس وعلمنة فهمه ك"وثيقة تاريخية سياسية" بدلاً من كونه "كتابًا مقدسًا"، قد تجاوز حدود نقد الدين ليتطور إلى معاداة اليهود، وإلى قناعة بالدونية المتأصلة فيهم، ما جعل فولتير وأفكاره شخصيةً محوريةً في الـتأسيس لنشوء معاداة السامية وصياغة إطارها في شكلها الحديث.
ولكن قبل أن نختم مناقشتنا لمقولة معاداة فولتير لليهود، يجدر بنا أن نتوقف عند بعض الأبعاد الخلفية في الموقف المسيحي تجاه اليهود في ذلك العير. قد تبدو هذه الخلفية للوهلة الأولى مجرد تفصيل، ولكنها في حقيقة الأمر سادت في الفكر الديني المسيحي في زمن فولتير وترسخت في الوعي والوجدان المسيحي الغربي منذ ذلك الحين، ونراها اليوم متجلية في عقيدة الصهيونية المسيحية.
تتمثّل هذه الفرضية، في توقع المسيحيين الغربيين بأن اليهود قد يتعرفون يومًا على المسيح ويعتنقون الديانة المسيحية (مع أن التاريخ يثبت أن هذا لم يحصل حتى يومنا هذا). ويذهب أصحاب هذه الفكرة إلى أن دعوة فولتير إلى العلمانية، بما فيها نزعته نحو علمنة الفكر المعادي لليهود، قد أزالت هذه التوقعات وأسهمت في جعل معاداة اليهود أكثر خطورة، سواء بشكل مقصود أو غير مقصود، وعززت النظر إلى "دونية اليهود" كسمة دائمة ومتأصلة في الشخصية اليهودية عبر الأجيال. وهو الأمر ساعد في تمهيد الطريق لأشكال لاحقة من معاداة السامية في القرن التاسع عشر.
ثانيًا: دفاعًا عن فولتير
الحجج المضادة
في الرد على هذه الادعاءات، ينكر كتّاب آخرون أن فولتير لعب دورًا أو أسهم في معاداة السامية، بل يؤكدون على أنه، على العكس من ذلك، كان رائدًا في رفض التعصب الديني ومدافعًا عن التسامح الديني وحرية الفكر، على الرغم من انتقاده لليهود واليهودية. ويصرون، في هذا السياق، على أن آراء فولتير كانت تعبّر عن موقف فكري بعيدًا عن مشاعر أو تجارب شخصية تجاه اليهود واليهودية، وأن انتقاداته، من حيث الجوهر، كانت موجهة إلى الدين والمؤسسات الدينية وليس إلى اليهود. كما يمضي هؤلاء إلى القول إن تهجم فولتير على اليهود لم يكن بنيته التعميم عليهم كافةً، لأنه كان في الكثير من عباراته يعبّر عن الانفتاح على اليهود والتعاطف معهم والاعتراف بوجود "يهود محترمين"، كما أنه حافظ على صداقات مع مثقفين يهود.
يضيف آخرون أن آراء فولتير، علاوة على دفاعه عن الحرية الفكرية والتسامح الديني والحقوق المدنية والفصل بين الكنيسة والدولة، أدّت إلى إرساء الإطار الفكري والثقافي الذي مهد الطريق في نهاية المطاف لتحقيق تحرر المجتمع بما فيه اليهود وهدم أسوار "الغيتو" وفتح الطريق أمام اليهود لنيل المواطنة الكاملة في المجتمعات الأوروبية.
خاتمة
ربما بوسعنا أن تكون الإجابة على هذه الإشكالية أكثر دقة وإنصافًا إذا ضغناها على النحو التالي:
- على الرغم من كتابات فولتير التي تضمنت صوراً نمطية معادية لليهود واليهودية، والترويج أن بعضها أسهم في تغذية حجج لاحقة معادية لليهود؛
- على الرغم من ذلك، فإن علمانية فولتير بحد ذاتها لم تكن سبباً في كراهية اليهود أو معاداتهم، وأنه ينبغي الفصل بين "علمانية فولتير" (دعوته للفصل بين الدين والسلطة)، من جهة، وموقفه من اليهود واليهودية، من جهة أخرى.
▪️▪️▪️
سنتابع في الحلقة القادمة الإشكاليات حول موقف فولتير من اليهود:
- علمانية فولتير ومعاداة اليهود
- عقلانية فولتير ومعاداة اليهود
- نقدُ اليهودية ... أم نقدٌ للمسيحية!
- هل دعا فولتير حقًا إلى التسامح الديني مع اليهود!
* على سبيل المثال لا الحصر:
https://www.jewishvirtuallibrary.org
https://www.jewishencyclopedia.com
Jerusalem Post - https://www.jpost.com
#مسعد_عربيد (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟