أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - مسعد عربيد - المشروع الاستيطاني الصهيوني: بين الترانسفير … والإبادة، الحلقة الرابعة والثلاثون (والأخيرة)















المزيد.....



المشروع الاستيطاني الصهيوني: بين الترانسفير … والإبادة، الحلقة الرابعة والثلاثون (والأخيرة)


مسعد عربيد

الحوار المتمدن-العدد: 8591 - 2026 / 1 / 18 - 10:02
المحور: القضية الفلسطينية
    


هرتسل ومستقبل المشروع الصهيوني

شكر وتقدير
أتوجه بالشكر إلى الصديق شحادة موسى الذي واكب هذا العمل وبذل مجهودًا دؤوبًا في مراجعة النص والتدقيق اللغوي وإبداء الملاحظات القيّمة.
▪️▪️▪️
فلسطين ومستقبل المشروع الاستيطاني

مرّ على مشروع هرتسل (1896) ما يقارب القرن وثلث القرن، وعلى قيام الكيان الصهيوني ("الكيان") سبعة وسبعون عامًا. فإذا كان هذا المشروع في تصور هرتسل يجسد "وطنًا قوميًا لليهود" وحلًا للمسالة اليهودية ومشاكل اليهود في أوروبا أواخر القرن التاسع عشر؛ فالسؤال يكون: أين يقف هذا المشروع اليوم؟ وماذا عن مستقبله؟
قد لا يتسنى تقديم إجابة سريعة عن هذا السؤال، ولكننا نقدم هنا محاولة للتفكير والتأمل في ضوء تقييم ما انتهت إليه الرؤية الصهيونية الهرتسلية. وفي هذه السياق نسلط الضوء على بعض العوامل والمؤشرات التي تهدد المشروع الصهيوني، ودون أن ندّعي أننا نقدم إجابة شاملة ووافية، بل نُبقي الباب مفتوحًا أمام نضوج الإرهاصات السياسية والتاريخية وتداعياتها على هذا المشروع، دون الخوض في تفاصيل التنبؤات والتكهنات في ما يتعلق بتوقيت انهيار الكيان. فهذه أسئلة تنتظر الإجابة، ومَن الذي يملك القدرة على التّنبّؤ بالتّطوّرات السياسية والتاريخية وتداعياتها حين يخبئ التاريخ الكثير من المنعطفات والمفاجآت!
مستقبل الصهيونية
يثير سؤال مستقبل الصهيونية والكيان جدلًا واسعًا. فالآراء بشأنه متباينة، والتوقعات متشعبة بين السياسية والتاريخية والإيديولوجية، والدينية. ولا يقتصر الأمر هنا على الكتابات والأطروحات الصهيونية، بل يشمل أيضًا تصورات عربية وغربية يتمحور جلًها حول تراجع المشروع الاستيطاني وقدرته على مواجهة التحديات والتغييرات الجوهرية التي تهدد وجوده واستمراره.
بعض هذه الكتابات والتنظيرات، خصوصًا بعد طوفان السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، ينذر بدخول الصهيونية والكيان الصهيوني مرحلة الانحدار والتراجع، بفعل عوامل داخلية وخارجية، وعلى المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية وحتى الثقافية. وخلاف ذلك، يذهب محللون آخرون إلى أن الدولة التي تصورها هرتسل قد وُلدت، وأن ميلادها أعطى معنى جديدًا "للهوية القومية اليهودية"، سواء داخل الكيان أو في ما يسمونه الشتات اليهودي (الدياسبورا)، ويعتقدون أنه لا يُمكن تدمير هذه الهوية، ليس فقط لأنها "مميّزة"، ولكن لأنها أيضًا ضرورية لليهود وللعالم والقوى الفاعلة في النظام العالمي.
"دولة لليهود" أم "دولة يهودية"؟

"أي مجد ينتظر أولئك الذين يكافحون من أجل هدف غير أناني! من أجل ذلك اعتقد أن جيلًا جديدًا من اليهود سينبثق إلى الوجود، سينهض "المكابيون" مرة أخرى" .
ثيودور هرتسل
مؤسس الصهيونية
كان لدعوة هرتسل إلى إقامة دولة لليهود وقع كبير كي ينهضوا ويأخذوا مصيرهم بأيديهم ويتوقفوا عن انتظار معجزة الخلاص. وبعد 122 عامًا من طرح رؤية هرتسل (1896)، لا يزال خطابه حاضرًا بين المستوطنين الصهاينة. فقد سنّ الكنيست الصهيوني في 19 تموز/يوليو 2018 "قانون القومية الإسرائيلي"، الذي يعرّف الكيان الصهيوني بأنه "الوطن القومي للشعب اليهودي الذي يمارس فيه حقوقه الطبيعية والثقافية والدينية والتاريخية لتقرير المصير". بعبارة أخرى، فإن هذا القانون يحدّد الأساس الذي يقوم عليه وجود "إسرائيل"، بوصفها دولة قومية للشعب اليهودي، وهو ما يتسق مع تصور مؤسس الصهيونية هرتسل.
▪️▪️▪️
سنوزع التحديات التي يواجهها الكيان الصهيوني على المستويات التالية:
• الأوضاع والأزمات الداخلية
• العوامل الفلسطينية - العربية
• العوامل الخارجية: الإقليمية والدولية
أولًا: الأوضاع والأزمات الداخلية
1- مأزق الكيان الإستراتيجي: يعيش الكيان الصهيوني مأزقًا وانسدادًا تاريخيًا يتجليان في حالةٍ من الإنهاك على مستويات الدولة والمجتمع والأوضاع الداخلية: تفاقم التحديات الاقتصادية والسياسية والعسكرية والديموغرافية، وما يرافقها من تغيّرات في الأوضاع الفلسطينية والعربية، والإقليمية (التحديات التي تُجسدها إيران)، والدولية (تراجع الهيمنة الإمبريالية).
2- التداعيات السياسية والاقتصادية: الناتجة عن إنهاك الكيان داخليًا وخارجيًا، وتآكل قدراته على البقاء والحفاظ على "مشروع الدولة اليهودية" على المدى الطويل، بما فيها تردي الأوضاع الاقتصادية (تباطؤ في النمو، ارتفاع في العجز الاقتصادي، ضعف الاستثمارات نتيجة تردد المستثمرين ... وغيرها). ويعتقد بعضهم أن الأوضاع العصيبة التي يعيشها الكيان، قد تدفعه إلى تصعيد عسكري والمزيد من العدوانية والحروب توهمًا منه بأن القوة العسكرية وحدها قادرة على ضمان استقرار وبقاء المشروع الصهيوني، وهي ظاهرة شهدها التاريخ في مشاريع استعمارية عدة.
3- الانقسامات الداخلية: يسلّط بعض المحللين الضوء على الانقسامات العميقة داخل المجتمع الصهيوني، ويرون أنها مؤشر على احتمال تفكك الكيان من الداخل وربما انهيار الدولة. ومن أبرز تجليات هذه الانقسامات المتفاقمة منذ عقود:
- الانقسامات المستمرة بين الفئات الدينية المختلفة في الكيان مثل العلمانيين والحريديم، أو المتدينين والعلمانيين؛
- توترات عرقية واجتماعية (بين الأشكناز والمزراحيم مثالًا)؛
- انقسامات سياسية بين التيارات والأحزاب السياسية المختلفة، وأزمة الحكومة والمعارضة، وبين أطراف القيادة الصهيونية المؤثرة في صنع القرار.
4- الخطر الديمغرافي: ترى وجهة النظر هذه أن الخطر الأساسي الذي يهدد الكيان الصهيوني هو توقف أو تراجع الهجرة اليهودية، ما سيؤدي إلى فقدان الكيان "دمًا جديدًا" واضمحلال دولته. وبالدلالة ذاتها ينظر هؤلاء إلى ظاهرة الهجرة المعاكسة المتصاعدة ومغادرة المستوطنين للكيان وعودتهم إلى بلادهم الأصلية. فالمعطيات الديمغرافية الرسمية الواردة من مصادر صهيونية واستطلاعات الرأي العام في الكيان الصهيوني، تشير إلى تحولات ديموغرافية عميقة.
□ تراجع الهجرة اليهودية إلى الكيان في العام 2025 تراجعًا ملحوظًا مقارنة بالعام السابق، وخصوصًا في انخفاض أعداد المهاجرين القادمين من روسيا.
□ في المقابل هناك ارتفاع في أعداد المهاجرين القادمين من الولايات المتحدة، وفرنسا، والمملكة المتحدة، ودول غربية أخرى، في سياق تصاعد ظاهرة معاداة السامية وهجمات على اليهود ومؤسساتهم على المستوى العالمي.
□ تبلغ نسبة المستوطنين اليهود الذين يملكون جنسيات مزدوجة (الجنسية "الإسرائيلية" وجنسية البلد الأصلي)، حوالي 15%، وهي في ارتفاع مستمر. فالمستوطنون لا يشعرون بالأمن ولا بالاستقرار، لذلك نراهم يشترون شققًا فى الخارج تحسبًا للمستقبل. والواقع أن نسبةً مرتفعة من هؤلاء تركوا الكيان نهائيًّا عائدين إلى بلادهم الأصلية أو باحثين عن أماكن جديدة.
□ من جهة أخرى، يُعد العامل الديمغرافي الفلسطيني (الخطر الصامت) تهديدًا إضافيًا؛ فارتفاع عدد الفلسطينيين (خصوصًا في فلسطين المحتلة عام 1948) يؤدي إلى تغييراتٍ سياسيَّةٍ مستقبليَّة.
في المحصلة، تؤكد هذه المعطيات أن التحديات لا تقتصر على جذب مستوطنين جدد، بل تتجاوز ذلك إلى القدرة على الاحتفاظ بالمواطنين وبناء شعور دائم بالأمن والاستقرار وضبط العامل الديمغرافي الفلسطيني .
5- القلق المزمن في الوجدان الصهيوني: يرى هرتسل أن الدولة ستمنح اليهود الأمن والاستقرار، وتعطي معنى جديدًا للهوية اليهودية، في حين يذهب آخرون إلى عمق القلق المزمن والمتجذر في المجتمع الصهيوني ووجدان المستوطنين الصهاينة. وذلك، مثل الشعور بالقلق في ما يتعلق بالغد والمستقبل، وغياب الأمن والسلام، والهجرة العكسية، والخطر الديمغرافي. يقول عبد الوهاب المسيري: "ابتداءً لا بد من أن نذكر حقيقة تاهت عن الكثيرين فى العالم العربي وهي أن موضوع نهاية إسرائيل متجذر فى الوجدان الصهيوني. فحتى قبل إنشاء الدولة أدرك كثير من الصهاينة أن المشروع الصهيوني مشروع مستحيل وأن الحلم الصهيوني سيتحول إلى كابوس" .
6- مستقبل الكيان الصهيوني بوصفه "مستوطنة استيطانية بيضاء"
في سياق مناقشة النهايات التي وصلت إليها المستوطنات البيضاء، يأخذنا جوزيف مسعد الى السؤال التالي: لماذا يطارد هاجس النهاية الإسرائيليين؟
ويؤكد مسعد في إجابته أن من أهم أسباب ذلك أن المستوطنين المستعمِرين يدركون من تجاربهم في القرون الماضية، أن الاستعمار الاستيطاني مشروعٌ لا يكتمل إلا بإبادة السكان الأصلانيين. هذا ما يثبته تاريخ المستعمرات الاستيطانية البيضاء في الولايات المتحدة، وأستراليا، وكندا، ونيوزيلندا، وبعض بلدان أمريكا الوسطى والجنوبية.
وعليه، استقر في وعي المستوطنين الصهاينة إدراكهم "أن ثمة قانونًا يسري على كل الجيوب الاستيطانية، وهو أن الجيوب التي أبادت السكان الأصليين (مثل أمريكا الشمالية، واستراليا) كُتب لها البقاء، أما تلك التي أخفقت في إبادة السكان الأصليين (مثل ممالك الفرنجة التي يقال لها الصليبية، والجزائر، وجنوب أفريقيا) فكان مصيرها الزوال. ويدرك المستوطنون الصهاينة جيدًا أن جيبهم الاستيطاني ينتمي إلى هذا النمط الثاني وأنه ليس استثناءً لهذا القانون" . وفي هذا استشراف لفشل المحاولات الصهيونية في إبادة الفلسطينيين، وهو ما سنناقشه لاحقًا.
7- التنبؤات الدينية: تتضمن تفسيرات بعض النبوءات التوراتية أن الكيان سائر إلى الانهيار. وهناك تكهنات وإشارات يجري تأويلها على أنها تتنبأ بزوال "دولة إسرائيل" في مرحلة معينة. ويعتمد بعض هذه التنبؤات على علامات دينية تشير إلى حتمية نهاية الصهيونية وزوال كيانها، وأنها من علامات النهاية: "مجيء المسيح الذي سيقضي على اليهود".
ثانيًا: العوامل الفلسطينية - العربية
1- صمود الشعب الفلسطيني وفشل الرهان على إبادته
على خلاف تجارب الاستعمار الاستيطاني المذكورة آنفًا ونجح فيها المستعمِر في إبادة الشعوب الأصلانية، فإن المشروع الصهيوني لم ينجح لما يزيد عن قرن في إبادة الفلسطينيين، من ناحية، ولا في ضمان أمنه ومستقبله، من ناحية ثانية. فقد أفشل صمود الشعب الفلسطيني محاولات الكيان المستمرة لإبادته وكسر إرادته، ولم يتمكن جيشه من إنهاء المقاومة أو القضاء عليها سواء بالقوة العسكرية أو بالتهجير القسري أو بالتضييق عليهم في حياتهم اليومية والمعيشية. وأمام حملات الاقتلاع والتشريد والإبادة، تمسك الفلسطينيون بوطنهم وأرضهم، بل هم يزدادون ديمغرافيًا أينما وجدوا.
ونعرض في ما يلي بعض المعطيات والإحصائيات ذات الصلة:
□ يعيش في فلسطين المحتلة عام 1948 مليونان و65 ألف فلسطيني، أي ما يعادل 21% من التعداد السكاني للكيان الصهيوني؛
□ وفي الضفة الغربية يبلغ تعداد الفلسطينيين ما يزيد عن ثلاثة ملايين؛
□ وفي قطاع غزة يزيد تعدادهم عن مليونين؛
□ أمّا فلسطينيو الشتات فيقارب تعدادهم 7.8 مليون.
2- فشل الرهان على التطبيع مع الشعوب العربية

"عظمة إسرائيل ليست في قنبلتها الذريّة ولا في ترسانتها العسكريّة، ولكن عظمة إسرائيل تكمن في انهيار ثلاث دول: مصر والعراق وسوريّة".
دافيد بن غوريون
مؤسس دولة الكيان
التطبيع العربي بين الرسمي والشعبي
لا بدّ من التمييز في الحالة العربية بين المواقف الرسمية للأنظمة الحاكمة، من جهة، والمواقف الشعبية، من جهة أخرى.
1- بدايةً ننطلق من أن المشروع الصهيوني وحروب الكيان على الفلسطينيين (بما فيها الحرب الجارية للإبادة الجماعية والتهجير القسري في غزّة والضفة الغربية)، تأتي في سياق الحروب الإمبريالية على الوطن العربي، على كل الأصعدة العسكرية والاقتصادية والسياسية، التي تستهدف تجزئة هذا الوطن ونهب ثرواته.
2 - تفاوتت المواقف الرسمية العربية بين التطبيع مع الكيان، والخيانة والتواطؤ والانصياع للإملاءات الإمبريالية الغربية، وتقديم التنازلات عن الوطن والأرض والكرامة والسيادة من أجل ضمان بقائها في الحكم وحماية مصالحها. فمنذ توقيع الكيان اتفاقية كامب دافيد مع مصر (1979)، تواردت اتفاقيات التطبيع مع أنظمة عربية أخرى: اتفاق أوسلو مع م.ت.ف. (1993)، ووادي عربة مع الأردن (1994)، واتفاقيات إبراهيم (2020) التي شاركت فيها الإمارات العربية المتحدة، ومملكة البحرين، والمملكة المغربية، والسودان.
3 - أمّا على المستوى الشعبي العربي والصراع التناحري والوجودي بين الكيان والشعوب العربية، فتشير استطلاعات الرأي في البلدان العربية إلى أن أكثر من 90% من الشعوب العربية يرفضون التطبيع مع الكيان وما يُسمى "اتفاقات السلام"، ويدركون أخطار المشروع الصهيوني وأهدافه التوسعية، لا على فلسطين وحسب بل على الوطن العربي باسره تحت مظلة الهيمنة الصهيو-أميركية. وعليه، فإن محاولات التطبيع أو فرض ترتيبات سلام على الشعوب العربية لن تُغيّر من مواقفها.
4 - أمّا فيما يتعلق بما تُسمّى اتفاقيات إبراهيم (أبرهام)، فالحديث عنها - بغض الطرف عن النقاش الدائر بشأن إبراهيم والإبراهيمية، وإن كان وجوده حقيقةً تاريخية أو قصة زائفة وملفقة - هو حديث يجري في سياق مشروع سياسي لا علاقة له بالدين ويسعى للهيمنة على الوطن العربي وثرواته.
تأتي سردية إبراهيم واتفاقياته في سياق البحث الحثيث والمستمر منذ نشأة المشروع الصهيوني في فلسطين، عن سردية زائفة بهدف اختلاق مرجعٍ ل "هوية يهودية" وادّعاء الحق بأرضٍ وعدهم الله بها ليقيموا عليها "وطنهم القومي"، فيما تؤكد حقائق التاريخ أن الكنعانيين سبقوهم اليها بقرون طويلة. بكلمات أخرى تأتي سردية إبراهيم واتفاقياته لخدمة مشروع استيطاني استعماري، وإقامة كيان صهيوني ليهود جاءوا من أقاصي المعمورة ومن أصول متعدّدة لا تمتّ إلى فلسطين بصلة، لا جغرافيًا ولا تاريخيًا.
في مقابل هذه الادعاءات التوراتية والإملاءات الصهيو- إمبريالية، تهرول بعض الأنظمة العربية للتطبيع مع الكيان خدمةً لمشروع سياسي بغطاء ديني زائف من بوابة اتفاقيات "أبراهام".
ثالثًا: العوامل الخارجية: الإقليمية والدولية
1- الكيان الصهيوني: من "قاعدة" إلى "محمية" إمبريالية
تفاقم أزمات الرأسمالية وتراجع الهيمنة الإمبريالية
في ظلّ تفاقم الأزمة البنيوية لرأس المال في الدول الإمبريالية الغربية، نشهد تراجع هذه القوى وقدرتها على الحفاظ على هيمنتها، وعلى ابتزاز الدول الأخرى وفرض إملاءاتها عليها. هذا التراجع، وإن كان بطيئًا وأحيانًا غير بانٍ للعيان، يتجلّى في ملامح عدة، أهمها:
□ تفكك الأوضاع الداخلية في المجتمعات الرأسمالية.
□ لقد بات النظام العالمي أكثر هشاشة في ظلّ تراجع الهيمنة الرأسمالية - الإمبريالية وصعود قوى وازنة ومنافسة. وليس في هذا التشخيص تضخيمًا لقدرات القوى الصاعدة، ولا مبالغة في وهن الإمبريالية، بقدر ما هو قراءة موضوعية في الاتجاه الذي يتحرك العالم على إيقاعه.
□ تبحث القوى الإمبريالية عن حروب خارجية للهروب من هذه الأزمات، كما فعلت من قبلها الإمبراطوريات المنهارة في الماضي، ما يسهم في تفاقم أوضاعها الاقتصادية نتيجة الكلفة العالية لهذه الحروب وتداعياتها على المجتمع والدولة.
□ ما زالت الولايات المتحدة قادرة على الهيمنة على القرار الدولي لتحقيق مصالحها، ولكنها اليوم أمام تعقيدات كبيرة وأفقٍ مسدود، وتبدو عاجزة على تأليف إجماع دولي كانت في الماضي قادرة على تحقيقه (احتلال العراق مثالًا)، مع ما تبذله من محاولات تسييس العدالة واعتمادها القوة العسكرية لتطبيق "القانون الدولي".
□ على وقع هذه التطورات، ظهر تحركٌ نحو ولادة التعددية القطبية التي تتألف من قوى صاعدة تتحالف فيما بينها لبناء نظام دولي جديد أكثر تعددية وتنوعًا. في هذا السياق، نفهم صعود الصين وروسيا وغيرهما في العقود الأخيرة.
□ نعود إلى العلاقة بين الكيان والإمبريالية الغربية. تقوم هذه العلاقة في الجوهر على دعمٍ واعتماد: اعتماد الكيان على دعم الإمبريالية كي يقوم بحماية مصالحها. وعليه، ينبغي الربط بين تراجع قوة الإمبريالية وهيمنتها وتداعيات ذلك على الكيان، فتراجع قوة الإمبريالية يُعد نقطة ضعف رئيسة للكيان وعاملًا خطيرًا يهدد مستقبله وقدرته على البقاء.
ولمزيد من التوضيح، يجدر بنا التأكيد أن الكيان قام، منذ تأسيسه، بدعم القوى الإمبريالية الغربية، ووسع عدوانه المستمر على الأراضي العربية واحتلالها، وخاض حروبه كلها بدعم هذه القوى. غير أن اعتماده على هذه القوى، وخصوصًا الولايات المتحدة، ازداد في العقود الأخيرة ولم يعد قادرًا على الاستمرار في بقائه وحروبه من دون المشاركة المباشرة لهذه القوى على المستويات المختلفة (الاقتصادية والعسكرية والاستخباراتية والتكنولوجية ... وغيرها) وبكلفةٍ عالية. فالتقارير تشير إلى أن الولايات المتحدة، على سبيل المثال، تحملت ما يقارب 21.7 مليار دولار من الميزانية العسكرية الصهيونية في عام 2024، وأنها (الولايات المتحدة) استهلكت 25% من صواريخ «ثاد» الاعتراضية للدفاع عن الكيان.
هنا ينبري سؤال يطرحه كثيرون: على ضوء المخاطر المحيطة بالكيان الصهيوني، متى ستحين لحظة زواله؟
والحقيقة أن الإجابة الموضوعية عن سؤال مستقبل الكيان لا تكمن في التكهنات بشأن توقيت انهياره، بقدر ما ينبغي علينا إدراك حقائق ثلاث:
أ- إن مكافحة الكيان والمشروع الاستيطاني، ومكافحة الإمبريالية هي كفاح واحد في مواجهة عدوٍ واحد.
ب - وإن هذا الكفاح عربي يتطلب مشاركة الشعوب العربية وليس فلسطينيًا وحسب، لأن الصراع في طبيعته وأهدافه صراع عربي - صهيوني والمستهدف هو الوطن العربي لا فلسطين وحدها.
ج - سيكون هذا الكفاح معقدًا وعسيرًا وطويل المدى.
لقد أضحى جليًا، في سياق " طوفان الأقصى" منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، أن الكيان الصهيوني أصبح عاجزًا عن حماية نفسه ومواجهة التحديات الوجودية وأزماته البنيوية. وازدادت حاجته إلى الدعم الخارجي ما دفع القوى الإمبريالية الغربية وخصوصًا الولايات المتحدة إلى التدخل المباشر (في مجالات التسليح والتكنولوجيا والاستخبارات وغيرها). وهو ما حوّل الكيان موضوعيًا من "قاعدة إمبريالية" إلى "محمية إمبريالية"، حسب ما يرى المفكر العروبي عادل سماره .
2- العزلة الدولية
أ- العالم يرفض الكيان
يقف الكيان الصهيوني اليوم أمام موجة غير مسبوقة من العزلة الدولية والرفض العالمي وخسارة الرأي العالمي. فمنذ قيامه، نشهد للمرة الأولى، أحكامًا دوليّة بحق قادته لارتكابهم إبادة جماعية وجرائم حرب ضد الإنسانيّة.
صحيح أن ما يُسمى "المجتمع الدولي" لن يعاقب الكيان على جرائمه وحروبه، وصحيح أيضًا أن الإمبريالية الغربية ستدعم الكيان في النجاة من المحاسبة الدوليّة، وستحول دون اتخاذ أي قرار بحقه. إلاّ أن هذا لا يقلل من أهمية العزلة والرفض الدوليين لهذا الكيان، ولن يتمكن حلفاؤه، وهم أنفسهم يعانون من الوهن وتراجع قوتهم وهيمنتهم، من إضعاف أو تعطيل ديناميكية التحول العالمي عنه إلى أمدٍ طويل.
ب- تحولات في الرأي العام العالمي
إلى جانب الرفض العالمي الرسمي للكيان، شهدت السنوات الأخيرة تحوّلات جوهريّة في الموقف الشعبي العالمي. وسقطت الأقنعة عن المشروع الصهيوني، وأخذت الشعوب تدرك في وعيها أن هذا الكيان مشروع استيطاني أبيض، وتدرك حقيقة جرائمه بحق الشعب الفلسطيني.
دخلت هذه التغيُّرات إلى وعي الشعوب، وهي تبشّر بالانتقال في النظر إلى الكيان من "ضحية" إلى محتل استيطاني استعماري ومجرم حرب وإبادة جماعية. قد يكون هذا الانتقال بطيئًا
وتدريجيًا وقد يتخذ أنماطًا مختلفة، ولكنه يُعدُّ نقلة إستراتيجية لا يجوز التقليل من أهميتها حتى لو لم تكتمل نتائجها بعد. وهي نقلة هزّت سيطرة الصهيونية والإمبريالية الغربية على السردية، وتشير إلى ما يحمله قادم الأيام من تحول في الرأي العام والفعل الشعبي في العالم، وخصوصًا في الغرب الأميركي والأوروبي.
بمقدورنا أن نقول في الخلاصة، إن العالم يسير اليوم نحو: (1) فهم أفضل للقضية الفلسطينية وجذور نشأتها وجوهر الصراع العربي - الصهيوني، (2) اكتشاف حقيقة الكيان الصهيوني وتعرية أكاذيبه التاريخية والسياسية والأخلاقية والإعلامية.
ج- الكيان الصهيوني يخسر معركة السردية
لا ينحصر الصراع العربي - الصهيوني في المعارك العسكرية والسياسية، بل تمحور دومًا حول معركة الوعي والسيطرة على السردية. فالكيان الصهيوني، حتى وإن حقق انتصارات عسكرية وسيطر على أرض المعركة، إلاّ أنه خسر معركة الرأي العام العالمي (والغربي تحديدًا)، ولم تستطع هذه الانتصارات أن تكسر صمود الشعب الفلسطيني وإرادته. وسواء أدرك الكيان أنه فقد سيطرته على السردية الصهيونية المضللة أم لا، فإنه لم يعد قادرًا على ضبط التحولات العميقة في وعي شعوب العالم وموقفها، ولا على السيطرة على الرأي العام خصوصًا بين "جيل الشباب" في الغرب وفي العالم. فهذا الجيل يزداد تشددًا وتمردًا على السردية الصهيونية (التظاهرات الشعبية المؤيدة لفلسطين في أنحاء شتى من العالم، والاعتصامات الطلابية في الجامعات الأميركية مثالًا)، وارتباط الأجيال اليهودية الشابة بالصهيونية والكيان الصهيوني أخذ بالتراجع والانحسار.
والغرب أيضًا يفقد الهيمنة على السردية
لقد عملت وسائل الإعلام، التي تحتكرها الدول الرأسمالية، على إخفاء وتزييف حقيقة ما يحدث في فلسطين المحتلة. وبعد عقود من هذه الهيمنة الإعلامية، أخذ الرأي العام العالمي يرى ويسمع الواقع كما هو: إبادة وجرائم وحروب وحشية منقطعة النظير بعد أن كان ينظر إلى الكيان على أنه ضحية للنازية.
غير أنّ كسر الحصار الإعلامي وخسارة الهيمنة على السردية لا يقتصر على الكيان، بل يشمل الغرب الإمبريالي أيضًا. فقد انكشفت الإمبريالية ومشاركتها المباشرة في حروب الإبادة على الشعب الفلسطيني، ما مهّد لتعريتها أمام الرأي العام العالمي. والغرب الذي نتحدث عنه هنا ليس الأنظمة الحاكمة أو القوى المعارضة وحسب، بل يشمل الشعوب والمجتمعات والثقافات والقيم السائدة وما يُسمى ب “المجتمع المدني" و"الشرعية الأخلاقية" للغرب الإمبريالي.
3- حرب السردية وتداعياتها على الكيان
سنفرد هذه الفقرات لمناقشة التغيّرات التي أصابت السردية الصهيونية المضللة. ولكن قبل ذلك، نستطرد لمناقشة معارك الوعي والأفكار عند الشعوب وعلاقتها بموضوعنا.
أهمية الوعي في كفاح الشعوب: يرى كثيرون من مفكري الشعوب المستعمَرة وأصحاب الفكر المعادي للإمبريالية (فرانز فانون، وأميلكار كابرال مثالًا)، أنّ الوعي والثقافة يؤديان دورًا هامًا ومركزيًا ويكوِّنان أداة فعّالة في نضال هذه الشعوب
فالمستعمِرون ينطلقون من أن المستعمَرين ليسوا "أشخاصًا كاملين"، وعليه يحاول المستعمِر نفي ثقافة الشعوب المستعمَرة ومحو هوياتها. غير أن هذه المحاولات تبوء بالفشل لأن هوية الشعوب وثقافتها غير قابلة للتدمير، ولا يستطيع المستعمِرون محوها. وما يهمنا هنا أن الوعي الشعبي العالمي بحقيقة الصهيونية والكيان الصهيوني، سوف يسند نضال الشعب الفلسطيني من أجل حقوقه الوطنية وتحرير وطنه.
الحرب المعرفية: الحرب المعرفية (أو الإدراكية) هي، كما هو معروف، استخدام الخطاب والأدوات التكنولوجية لتغيير فهم وإدراك الأهداف والمصالح. وقد استخدم الكيان الصهيوني هذه الحرب لعقود طويلة في بث المعلومات المضللة عن العرب والفلسطينيين، وتشويه طبيعة الصراع العربي - الصهيوني لدى الرأي العام العالمي، كما استخدمتها من قبله القوى الاستعمارية الغربية.
4- ما هي تداعيات هذا على الكيان؟
بعبارة أخرى، ما هي التأثيرات المباشرة لهزيمة السردية الصهيونية، والتغيرات في الوعي الشعبي، والحرب المعرفية على الكيان؟
بناءً على ما ناقشناه آنفًا، نصل إلى استنتاجين أساسييْن:
- إن نضوج الوعي الشعبي العالمي بطبيعة الكيان وحقيقة مشروعه وجرائمه، سيفاقم من أزمته على المستويات كافة بما فيها المستوى العالمي وعزلته الدولية، ويضاعف من مقاومة شعوب العالم لسياساته الإجرامية.
- ستؤدي الحرب المعرفية وتداعياتها، بوصفها نوعًا من الحروب النفسية، إلى إضعاف ثقة المستوطنين الصهاينة بأنفسهم ومجتمعهم ومستقبلهم، وذلك بزعزعة المرتكزاتٍ الأساسية في وعيهم وإرادتهم وشعورهم بالاستقرار والأمان.
في المحصّلة، يتبيّن أن الصراع مع الكيان الصهيوني وحسابات الانتصار والهزيمة، لا تُقاس فقط بالانتصارات العسكرية، بل ستؤدي معركة الوعي وتغيير السردية دورًا حاسمًا في مآل هذا الصراع وما يرسخ في عقول الشعوب والأجيال القادمة. وهذه مهمّة منوطة بالإعلام وخصوصًا الفلسطيني منه والعربي.
5- تحولات الرأي العام في الدياسبورا اليهودية
"لا يمكن لليهود أن يحافظوا على أخلاقهم إذا رأوا في كل نقدٍ لإسرائيل تهديدًا لوجودهم."
بيتر بينارت
كاتب يهودي أمريكي
تعلو منذ السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023 أصوات في الغرب تنتقد الصهيونية والكيان، خصوصًا في الولايات المتحدة، ويزداد حضورها بين الأجيال اليهودية الشابة والطلابية.
تدعو هذه الأصوات والتيارات إلى خطاب "يهودي جديد" ومختلف، وقد تركت أثرًا بيِّنًا في وعي جديد لدى الشباب الأمريكي وخصوصا اليهودي، وفي التمهيد لنهج مختلف في النظر إلى "إسرائيل" والصهيونية.
ومن دون المغالاة في أهمية هذه التحولات وتأثيراتها الفورية في المدى القصير، يجدر بنا الإشارة إلى أنها لا تتوقف عند السياسات الصهيونية في إبادة الشعب الفلسطيني وتهجيره القسري من أرضه، بل تذهب إلى مساءلة جوهر الفكرة الصهيونية ومشروعها. من هنا، أخذ بعضها يدعو إلى التخلي عن الفكرة الصهيونية ومشروعها، وأخذنا نرى كثيرين من اليهود في الغرب الذين يعتقدون أن اليهود لا يحتاجون إلى دولة، بل يدعون إلى اندماجهم في مجتمعاتهم والعيش بأمن وأمان واستقرار، ما يأخذنا إلى مساءلة أطروحات هرتسل الذي رفض هذا الاندماج وانتقده، وعدَّ ذلك تمهيدًا لإقامة "دولة لليهود".
تعبّر هذه الأصوات والتيارات، بما فيها اليهود الأميركيون، عن ابتعادها عن المشروع الصهيوني وتآكل التأييد المطلق ل "إسرائيل" في الولايات المتحدة.
نورد فيما يلي بعض النماذج الجديرة بالتمعن والدراسة:
أ - بيتر بينارت
بيتر بينارت Peter Beinart، هو كاتب وصحفي ومعلق سياسي يهودي أمريكي (وُلد في كامبريدج، ماساتشوستس عام 1971)، معروف بآرائه النقدية بشأن الصراع العربي - الصهيوني و"إسرائيل"، ويمثّل بينارت تيارًا متناميًا في وسط اليهود الأميركيين، خصوصًا جيل الشباب.
من أهم طروحاته:
- إن المشروع الصهيوني فقد شرعيته الأخلاقية؛
- يدعو بينارت إلى يهودية جديدة تتخلّى عن مركزية "الدولة العبرية" في تعريف الهوية اليهودية؛
- يطالب بالاعتراف بالخطأ التاريخي المُرتكب بحق الفلسطينيين؛
- وبناء أخلاقية يهودية تعتمد على المساءلة الذاتية وليس على أسطورة "الاستثناء الأخلاقي اليهودي".
ب - الانقسام في صفوف الحزب الجمهوري وحركة "أميركا أولًا"
لن ندخل هنا في جدل بشأن مَنْ يصنع القرار في الولايات المتحدة في ما يتعلق بعلاقاتها بحلفائها في العالم، ولا في مقولة هيمنة اللوبي الإسرائيلي على السياسة الخارجية الأميركية، ومَنْ يسيطر على مَنْ: اللوبي الإسرائيلي أم الإمبريالية الأميركية ومصالحها. فالموقف الموضوعي والصحيح يؤكد أنّ الولايات المتحدة تصنع سياساتها وفق مصالحها الرأسمالية - الإمبريالية ومصالح الطبقة الحاكمة.
غير أن هذا التوصيف العام لا ينفي الاستقطاب الحاد القائم داخل الحزب الجمهوري. فقد بات كثيرون في الحزب الجمهوري (الحاكم) وحركة "أميركا أولًا" MAGA، يشككون أكثر من أي وقت مضى، بجدوى السياسة الأميركية تجاه الكيان الصهيوني، ويتساءلون لمَ وإلى متى تنجرُّ الولايات المتحدة خلف "إسرائيل" وتهرول لدعمها وحمايتها، وبأي كلفة، وعلى حساب المصالح الأميركية والمواطن الأميركي؟ هذا إلى جانب تصاعد التيارات المعادية للسامية داخل الحزب والمجتمع الأميركي بصفة عامة.
ومع أن هذه التيارات لا تعارض دعم الكيان؛ إلاّ أنها تطالب بحماية "الأمن القومي الأميركي" و"رفاهية الشعب الأميركي"، وعدم التضحية بذلك لمصلحة الكيان. وهذا على خلاف مؤيدي الصهيونية التقليديين من مسيحيين صهاينة وإنجيليين الذين يدّعمون الكيان دعمًا مطلقًا ويُعدِّون العلاقة الوثيقة مع الكيان من ثوابت السياسة الأميركية، بل إن بعضهم يذهب إلى أنّ دعم "إسرائيل" "تفويض إلهي".
من هذا المنطلق يرى بعض الإعلاميين والمحليين والشخصيات السياسية الوازنة في الحزب الجمهوري (مثل تاكر كارلسون، وستيف بانون، والنائبة مارجوري تايلور غرين عن ولاية جورجيا)، أن الدعم المطلق "لإسرائيل" يؤدي إلى إبعاد السياسة الأميركية "عن المصالح الوطنية الأميركية"، ويستنزف الاقتصاد الأميركي ما يتناقض، من وجهة نظرهم، مع أهداف سياسة "أميركا أولًا.
نقل بعض استطلاعات الرأي العام الأميركي أنّه في آذار 2025، عبّر 72% من الإنجيليين البيض عن رأي إيجابي تجاه "إسرائيل"، فيما تبنى هذا الرأي أقلّ من نصف البالغين في الولايات المتحدة، و45% من الكاثوليك. ووفقًا لاستطلاع أجرته "جامعة ميريلاند"، صيف 2025، فإن 69% من الجمهوريين الإنجيليين الأكبر سنا يقولون إنهم يتعاطفون مع الإسرائيليين أكثر من الفلسطينيين، إلاّ أن حوالي 32% فقط من الذين تقع أعمارهم بين 18 و34 عامًا تبنّوا الرأي نفسه.
ج - دلالات فوز زهران ممداني
يعبّر فوز زهران ممداني في انتخابات عمدة مدينة نيويورك (تشرين الثاني/ نوفمبر 2025) عن تحوًل مفصلي في الرأي العام الأميركي، واليهودي - الأميركي تجاه الصهيونية والكيان الصهيوني. فهو ينطوي على تغير جوهري في موقف وعقلية هؤلاء الذين كانوا دومًا من مؤيدي "إسرائيل "بوصفها وطنًا قوميًا لليهود".
فممداني يؤيد بوضوح وعلانية حقوق الشعب الفلسطيني في التحرر من الاحتلال الصهيوني وبناء دولته المستقلة، ويجاهر بإدانته للسياسات الصهيونية وحرب الإبادة الجماعية على الفلسطينيين. ومع ذلك، صوّت له يهود نيويورك بنسبة تقارب 30%، في غالبيتهم من المتعلمين وذوي التأثير الاجتماعي والسياسي والاقتصادي.
يعني هذا الحدث، فيما يعنيه، تخلي هؤلاء اليهود عن العقيدة المستندة إلى ادعاءات دينية طالما وظّفها المشروع الصهيوني في تحقيق أهدافه. وهنا يكمن التغيير الجذري الذي يهزّ أسس العقيدة الصهيونية وادعاءات مشروعها الاستيطاني. لقد غيّر كثيرون من يهود أميركا والعالم مواقفهم بعد أن أدركوا كذب هذه الادعاءات التي تأسست عليها الصهيونية وكيانها، وانتقلوا إلى نقد سياساتها وجرائمها بحق الشعب الفلسطيني. بعبارة أخرى، تكمن دلالات هذا الحدث في زعزعة إيمان هؤلاء بالخزعبلات الصهيونية عن "شعب الله المختار"، و"أرض الميعاد “وطنًا ليهود العالم" يجب عليهم دعمه والدفاع عنه.
خاتمة
محدودية القوة العسكرية
... وحتمية انتصار الشعوب المكافحة
لم يتوقف المشروع الاستيطاني الصهيوني، منذ نشأته، عن محاولاته إبادة الفلسطينيين وتشريدهم وسرقة ممتلكاتهم وحرق مزارعهم وبيوتهم. ومع أنه حقق عددًا من الانتصارات العسكرية على مدى العقود الأخيرة (الاحتلال الأول لفلسطين (1948)، ثم الاحتلال الثاني (1967)، وحروب الإبادة والتهجير القسري التي لا تزال مستمرة في قطاع غزّة والضفة الغربية)؛ إلَّا أن هذه الانتصارات لم تحقق أهدافها، فكفاح الشعب الفلسطيني لا يزال مستمرًا.
لقد أكّد النضال الفلسطيني ما يعلمنا تاريخ الشعوب وتجاربها، أن الانتصار ليس القوة العسكرية بحد ذاتها، ولا القدرة على التدمير، بل يكمن في إرادة الشعوب وصمودها وإيمانها بعدالة قضاياها، والدفاع عن أوطانها وحرياتها. بهذه المعايير، فإن الكيان لم ينتصر بل دخل مرحلة الضعف والتراجع، وإن شعب فلسطين سينتصر حتمًا في نضاله لتحرير وطنه، وهو ما يتطلب العمل الحثيث على مقاومة عقلية المهزوم واستدخال الهزيمة في الوعي الشعبي الفلسطيني والعربي. وذلك يستدعي النقد والنقد الذاتي ومراجعة الأخطاء التي ارتكبتها حركة التحرير الوطني الفلسطيني وقياداتها. فإذا كانت الأخطاء مُكلفة، فإن عدم مراجعتها والتعلم منها أكثر سوءًا وأعلى كلفة.



#مسعد_عربيد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- المشروع الاستيطاني الصهيوني: بين الترانسفير … والإبادة، الحل ...
- المشروع الاستيطاني الصهيوني: بين الترانسفير … والإبادة، الحل ...
- المشروع الاستيطاني الصهيوني: بين الترانسفير … والإبادة، الحل ...
- المشروع الاستيطاني الصهيوني: بين الترانسفير … والإبادة، الحل ...
- المشروع الاستيطاني الصهيوني: بين الترانسفير … والإبادة، الحل ...
- المشروع الاستيطاني الصهيوني: بين الترانسفير … والإبادة، الحل ...
- المشروع الاستيطاني الصهيوني: بين الترانسفير … والإبادة، الحل ...
- المشروع الاستيطاني الصهيوني: بين الترانسفير … والإبادة، الحل ...
- المشروع الاستيطاني الصهيوني: بين الترانسفير … والإبادة، الحل ...
- المشروع الاستيطاني الصهيوني: بين الترانسفير … والإبادة، الحل ...
- المشروع الاستيطاني الصهيوني: بين الترانسفير ... والإبادة، ال ...
- المشروع الاستيطاني الصهيوني: بين الترانسفير ... والإبادة، ال ...
- المشروع الاستيطاني الصهيوني: بين الترانسفير ... والإبادة، ال ...
- المشروع الاستيطاني الصهيوني: بين الترانسفير ... والإبادة (ال ...
- الإمبريالية والاستعمار الاستيطاني الأبيض في النظرية الماركسي ...
- المشروع الاستيطاني الصهيوني: بين الترانسفير ... والإبادة (ال ...
- المشروع الاستيطاني الصهيوني: بين الترانسفير ... والإبادة، (ا ...
- المشروع الاستيطاني الصهيوني: بين الترانسفير ... والإبادة، (ا ...
- المشروع الاستيطاني الصهيوني: بين الترانسفير ... والإبادة، (ا ...
- المشروع الاستيطاني الصهيوني: بين الترانسفير … والإبادة، (الح ...


المزيد.....




- ترامب: حان الوقت لقيادة جديدة في إيران.. وخامنئي يتهمه عبر - ...
- الجيش السوري يتقدّم بدير الزور وقسد تفجر جسرين بالرقة
- إصابات وحرق منازل ومملتكات بهجوم واسع للمستوطنين بالقدس
- شغب وتمرد في 3 سجون بغواتيمالا والسجناء يحتجزون عشرات الرهائ ...
- ليلى كانينغهام.. بريطانية من أصول مصرية تسعى لقيادة لندن
- غرينلاند.. الاتحاد الأوروبي يعقد اجتماعا طارئا لمواجهة رسوم ...
- -وداعا يا أم الدنيا-.. السفيرة الأمريكية بمصر تعلن انتهاء عم ...
- آخر تطورات الاشتباكات بين الجيش السوري وقوات -قسد- في حلب وا ...
- فاروق حسني والخليفي وأصالة.. المكرموّن في حفل Joy Awards 202 ...
- -لا نريد أن نكون أمريكيين-.. تظاهرات ضد ترامب في الدنمارك تض ...


المزيد.....

- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل / سعيد مضيه
- البحث مستمرفي خضم الصراع في ميدان البحوث الأثرية الفلسطينية / سعيد مضيه
- فلسطين لم تكسب فائض قوة يؤهل للتوسع / سعيد مضيه
- جبرا نيقولا وتوجه اليسار الراديكالي(التروتسكى) فى فلسطين[2]. ... / عبدالرؤوف بطيخ


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - مسعد عربيد - المشروع الاستيطاني الصهيوني: بين الترانسفير … والإبادة، الحلقة الرابعة والثلاثون (والأخيرة)