أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حيدر عاشور - قصة قصيرة ( زلزالُ .. قنبر درة )















المزيد.....

قصة قصيرة ( زلزالُ .. قنبر درة )


حيدر عاشور

الحوار المتمدن-العدد: 8751 - 2026 / 6 / 29 - 15:34
المحور: الادب والفن
    


شاهد عيانها – شريف علي محمد علي آل نجار

الزمان: الساعة الرابعة والنصف من عصر يوم الثلاثاء 27/ اذار/ 2007
المكان: حي الوحدة وسط مدينة تلعفر
عليّ أن أتذكر، كنت لم أزل تحت رحمة الخوف، وكثافة الموت. تمهلوا قليلاً ريثما يستقر قلبي من الخفقان، وتخفّ آهاتي، واستردّ انفاسي، فقد خرجت من الموت المحقّق تواً، حيث دفنت ثلاثة أخوة وابن عم مع ابنهِ الصغير.. (قاسم علي ..عبد الجبار علي.. محمد حميد علي.. عدنان حسين)، والكثير من الاصدقاء الذين أحبهم دفنتهم جميعاً بيدي، أصواتهم تلاحقني تتبعني اينما اذهب مثل نصل حاد في قلبي، وكأن عصر الثلاثاء الاسود جمرة تثقب رئتي، تقطع تنفسي كلما يتراءى لي مشهد النار والدم والموت، فأمام عيني قافلة من الفقراء بحرت صوب السماء ممزقة، وأنا( شريف علي محمد علي آل نجار)، بقيت في فضاء - حي الوحدة- تحت دخان العاصفة وتحت الغيوم الجريحة، مثل حجر ميت القوادم، والموت يُسرج أمام عيني أفراسهُ، والذبيحة. فالمصيبة التي أرويها هنا، هي شيء من المسّ يصاحبني كلما رجع عقلي لها، وعند كل شهيد أبلغ حداً من التوتر الروحي يجعلني في ضيق خانق، أحياناً أهرب، ومرة أسأل:
أكان لابد أن يحدث ما حدث؟!. سؤال عاصف يراودني، لا قدرة لي على التحمّل، أكاد أموت من الجزع، فالنبض يفر فراراً نحو الصدر فيمزّق اوتاد القلب. اشعر انني مثقل بالهموم والاوجاع والحزن حتى حواف الروح. ما الذي بين تلعفر وبين(السلفية والوهابية، والقاعدة وداعش..)؟، وما العلاقة التي بين الاهالي وبين المرتزقة القادمين من خارج الحدود؟، وما وجه الشبه بين ريف (قنبرة درة) ومدنهم المترفة؟. أسئلة حيرى ليس لها جواب!. فالانهيارات شملت كل اراضي تلعفر، وصهدها يحرق الروح ويكوي القلب والجسد. فالإرهاب التكفيري وحش ضارٍ، يحرق ويزني ويذبح، كأنه ريح من نار صاهدة، صاهلة، آتية من جهنم، حرقت الاخضر واليابس، السُني والشيعي، الصابئي والمسيحي، اليزيدي، ومن ليس له علاقة بدين او مذهب او قومية. لا أحد يسمعهم في هذي الارض التي شهدت القيامة فيها لمرات عديدة.
قاهرة ومريبة (قنبرة درة)، فمداها الشاسع وسط – تل عفران*- لا تحدّه عين، وهي تخوض في رهبة روائح الموت المفاجئ. كل شيء تبدّل فيها منذ سنة 2004 بالسرعةِ المباغتة. وكل شيء ينذر بالترقّب والخوف فغربان الخطيئة الاولى يسترجعون عهد الذبح، ويجروّن بحقد دفين كل جرائم حكمة الراشدين، ومن اتبعهم حتى هذا اليوم. وما يجري الآن في -تلعفر- صراع ما بين الملائكة والشياطين، وعراك دامٍ، وقتلٍ مباح لا خلاص منه. و(قنبر درة) كان الحصار عليها الموت جوعاً، وناسها لا يستطيعون أن يفعلوا شيئاً، يصمتون اذا شاهدوا المجرمين يقتلون امرأة او رجلا أو شيخا أو طفلا، ومن ثم يحمل ويلقى في بئر خارج المنطقة. ففئران تنظيم القاعدة شرهة للقتل، مسعورة كالكلاب. والاهالي مغلوبون على امرهم واطفالهم جياع حد الموت.
كلما وقع بصري على مصيبة نتاجها الموت، أمضي ليلتي بالكوابيس، واذا اغمضت عيني، ارى نفسي معصوب العينين، وحولي الاهالي تنظر كيف يقطع -السادي، القاعدي، الارهابي- رأسي أمام زوجتي واولادي؟!. وكلما يغزوني النوم يتكرر الكابوس أعنف، لكثرة ما رأيت، كيف تقطع رؤوس الابرياء؟!، ونحن على بعد أمتار نشهد ونشاهد، ولا حول لنا ولا قوة، ومن يُترك على الارض نقيم مراسيم دفنه سراً في الليل، وقلوبنا مؤتلفة في خوفها المعلن والمستتر. في هذا الظرف العصيب المتأزّم اضطررت مرغماً ان أهجر (قنبرة درة)، واترك بيتي وعائلتي الى ناحية الشمال بقضاء -سنجار- من اجل توفير لقمة عيش شريفة، وكنت وقتئذ، أحمل في قلبي غوائل جماعات من بني قومي، لا يرحمون ولا يرأفون، وآثام اشياع من (تلعفر)، نذروا انفسهم للأبالسة من تنظيم القاعدة التكفيري من أجل التخريب والتدمير والقتل والارهاب. فمنذ 2003 وبعد سقوط الطاغية وانقراض الوحوش الزيتونية، وظهور الامريكان كغزاة ومحررين، نشط في تلعفر كلها تنظيم القاعدة، وشهدت العديد من التفجيرات والاشتباكات المسلحة. واختلط الحقيقي بالمزيّف وكثرت الاقنعة بين الاهالي لا تميّز القاتل والمقتول.. فالرعب سيطر على ثلاثمائة ألف نسمة من تلعفر معظمهم من التركمان موزعين بين غالبية من السُنة وأقلية من الشيعة، منهم الكرد والعرب. فلياليهم اصبحت قتاما، بقصف الآلات الجهنمية الفتاكة على اشدها، رغم ذلك يهرعون في صباحاتهم لمزارعهم حزينين يتبادلون نظرات هلع وخوف. فالجوع والحاجة والسجن الكبير الذي نعيش فيه جعلت منا صامتين نشبه الاصنام الرخامية. فالأرض صخبت لم تعد تعطي أُكلها. والمواد الغذائية انعدمت من المنطقة، والعصابات التكفيرية حالت من وصولها الى الاهالي، بعد اغتيال عددٍ من السواق والعُمال لا لذنبٍ ارتكبوهُ سوى نقلهم بعضاً من مفردات البطاقة التموينية إلى(قنبرة درة).
كانت عودتي من أجل عائلتي، وكان الحصار قاتلاً والجوع مدّ اوجاعه على كل الاهالي، فالقادم اليهم بكسرة خبز كانت تمثل ثروة من نعيم البقاء على وجه الارض حيّا.. وصادف رجوعي حديثا عن دخول مساعدات من الهلال الاحمر للعوائل المنكوبة في حي الوحدة.. كان الوقت يشير الى الساعة الرابعة والنصف عصرا، والشاحنة المحملة بالطحين والمواد الغذائية تقترب والاهالي يتقاطرون عليها من كل حدب وصوب، ومكبرات الصوت تدعو لاستلام المؤن بعد مجاعة شاملة وطويلة. لم يبق صغير او كبير الا وخرج وعلى وجهه تفاؤل وأمل، عسى ان يحظى على حصة ولو متواضعة يسدّ رمق الحياة والحاجة.
كنت وقتها على اطرف الحي انظر دخول الشاحنة، والمفرح بالموقف ان الجيش والقوات الامنية العراقية قد حجّمت من الارهاب في المنطقة فالعودة اليها كانت تبشّر بالخير اليسير. دقات قلبي لم تسكن، فالمسافة بيني وبين الشاحنة تحتاج الى دقائق للوصول. أمام عيني الناس تهرول ملهوفة.. عقلي مشدود نحو عائلتي فالحمد لله على نجاتهم جميعاً من التهلكة والخطر الاكيد، فذبح الاحبة امام عيوننا ادمى افئدتنا.. لازلت اسير باتجاه الشاحنة، وفجأة تتحول الشاحنة الى عاصفة هوجاء. فالوحش المفخّخ قد نفّذ حقده وكراهيته على ابسط خلق الله.. لقد تصاعدت الالسنة السود الحارقة من أكياس الطحين المثقلة بالقنابل، فخيّمت السحب القاتمة، وأخذت تتعالى الدوائر البرتقالية السود في السماء. تماوجت حول أنفي أنواع الروائح مختلطة بالطحين والبارود.. اسمع هدير شلالات اصوات الاستغاثة معلنة اصاباتها لا موتها، صوت يجعل الجلد يقشعرّ، ليس ثمة مهرب، فأنا على قيد الحياة اصابتي ليس خطيرة.. فأنا قد رأيت موتي أمامي في لحظة القهر والعسف والظلامة.. دمي لا قيمة له، فالجنون ركبني لم اعد أرى شيئاً، اينما نظرت رأيت خرائب سودا ودماء، اينما جلت بعيني أرى رأسا أو يدا أو جسدا مقطعا كالذبيحة. ها أنا فوق الاجساد ابحث عمن يتنفس، لكن أنفاس الجو المباغتة تنقض على ثنايا انفاسي، وتثبط قواي كلها فلم أشعر بعدها الا في العناية المشدّدة، وعقلي كأنه يسمع بدويّ يصم الآذان، وروحي تقفز عاليا فوق الارواح، وتحشر من قبر الى قبر.. سأظل هكذا أتألم ولا انسى، سأصرّ على أسناني وأكتم الوجع، وأشرب الجزع الحادّ فمهما شربت منه لن تنطفئ عذاباتي.. وأقتنع ان الله(تعالى) يرى ما لا نرى، أُؤمِن...

* (قنبر درة) الاسم الاول لحي الوحدة
*(تل عفران) أحد اسماء تلعفر القديمة



#حيدر_عاشور (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ساعة الحساب التي لا مفر منها.. وسقوط وهم الحصانة والدعم
- قصة قصيرة (قرار مؤجل)
- قصة قصيرة( ولا.. حتى في الخيال)
- قصة قصيرة ( عقدة الإنكليزية)
- قصة قصيرة (نمرة الفسحة)
- قصة قصيرة سُمُّ الحياة
- وكان يردد بصوتٍ عالٍ: سيكون سفري إلى الله شهيداً
- يُفترض أن تكون إنساناً واعياً.. لا مجرماً متخفياً..!
- قصة قصيرة (امرأةٌ من الماءِ)
- (قصة قصيرة) طموحٌ جامحٌ
- قصة قصيرة.... (قرار مؤجل)
- قصة قصيرة.... صاحب الأذرع الطويلة
- قصة قصيرة (مظلةٌ مثقوبةٌ)
- قصة قصيرة (الملاذُ الأخير)
- قصة قصيرة ( أسلاك شائكة)
- قصة قصيرة (وعود ما بعد المقصلة)
- قصة قصيرة (الرجل المحنط )
- قصة قصيرة (عيونٌ اصطناعية)
- الحمار الأصفر العالمي (يحرن)
- قصة قصيرة فقدانٌ


المزيد.....




- إيران.. عراقجي يكشف في تدوينة عدد الدول الممثلة في جنازة خام ...
- رسام الكاريكاتير اليمني كمال شرف: جئنا إلى طهران للمشاركة في ...
- تقرير: تدهور مفاجئ في صحة الفنان فضل شاكر وأنباء عن إخلاء سب ...
- صبا مبارك على رأس القائمة.. نقابة الفنانين الأردنيين تطرد 21 ...
- إسرائيل تدمر الحياة الثقافية والفكرية في لبنان
- ديزني تكشف عن كواليس دوبلاج فيلم -Toy Story- للهجة المصرية
- البعثة الإيرانية: ثقافة الإفلات من العقاب الأمريكية مستمرة ...
- مهاجراني: إقامة جزء من مراسم التشييع في العراق تؤكد عمق الر ...
- رسامو الحرب يبدون استعدادهم لإعادة ترميم اللوحة البانورامية ...
- الموضة الإيرانية.. التعبير بالفن


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حيدر عاشور - قصة قصيرة ( زلزالُ .. قنبر درة )