أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حيدر عاشور - قصة قصيرة فقدانٌ














المزيد.....

قصة قصيرة فقدانٌ


حيدر عاشور

الحوار المتمدن-العدد: 8664 - 2026 / 4 / 1 - 17:08
المحور: الادب والفن
    


اطفأتِ النور وتركت جسدها المتعب يرتمي على السرير، امتدت يدها دون شعور منها الى المذياع فتدفقت الاصوات واختلطت الاذاعات: قررت القوات الامريكية سحب اخر لواء لها عبر الاراضي العراقية تطبيقا لاتفاقية الانسحاب.
ادارت موجّه المذياع: الفيضانات تشرد سبعة ملايين من سكان باكستان، الحرائق تجتاح روسيا والخسائر تقدر بثلاثمائة مليار وخشية من وصول النيران الى المحطات النووية، تهريب اثار عراقية عبر دول الجوار.
استوقفها الخبر الاخير، وبدأت الافكار والتداعيات تكبر كدوائر الماء في محيط عقلها، وتذكرت وهي تخرج من الجامعة تلك اللافتات الصغيرة المعلقة على الجدران أو قرب مظلة وقوف السيارات، وقد كتبت عليها كلمة واحدة (فقدان): فقد شخص يدعى (ناظم مراد) يبلغ من العمر حفنة من الضياع ويرتدي الوجع اليومي، فمن يعثر عليه تسليمه الى اقرب دورية للقوات متعددة الجنسية.
ظلت كلمة (فقدان) تئز بقوة تحت فروة رأسها الصغير وكأن جرسا بعث دقاته دون توقف، انقلبت الى الجهة الاخرى وأغلقت المذياع، وارتسم امام عينيها ووسط الظلام شريط يشبه الشريط التلفازي (سبتايتل).. اعداد المفقودين في تزايد ولا احد ينتبه الى هذه الظاهرة، وتساءلت مع نفسها هناك من يفقد في حادثة، وآخر يفقد رغما عنه، وربما هناك من يختار الفقدان كمصير، ويقرر الاختفاء الابدي كنوع من الاحتجاج على هذا المهرجان الجنائزي الذي يحاصر الجميع بكل اشكال الاندثار.
نهضت بقوة وأزاحت الغطاء، أضاءت المصباح وامتدت يدها لتنسيق شعرها المتناثر بحثت عن وجهها في المرآة المعلقة على الجدار المقابل تحت صورة التخرج من الجامعة كلية الادارة والاقتصاد، ثم تطلعت الى معطفها الجامعي وهي تؤدي طقوس الماجستير والدكتوراه، الان يناديها الجميع هناء، دكتوراه بالاقتصاد وتسكن شقة مؤجرة مع والدتها، كائنان مقطوعان عن العالم، وهي تصر على الصدف والتلقائية، ولم تجرؤ يوما على صبغ شعرها الابيض وتحوله الى اصفر او احمر كما تفعل زميلاتها وحتى الطالبات يستخدمن الاصباغ والماكياج ويتحولن في نظرها الى دمى مزيفة، الانسان يجب ان يكون على طبيعته دون تزويق أو تزييف، الوجوه الحقيقية أفضل وأجمل من الاقنعة المصطنعة.. قالت لها زميلتها الدكتورة وفاء: انك يا هناء تعيشين في كوكب آخر ليست له علاقة بكوكبنا، ياعزيزتي انتبهي الى نفسك، أنا أصبح لي احفاد وأنت...
وساد الصمت الثقيل بينما كانت هناء تتمنى ان تمتلك زميلتها الجرأة التامة وتقول لها انك عانس، مضت الحياة عنك، وأفل كل شيء واجتاح جسدك، وشعرك، وأسنانك، قطار العمر الاحتلالي، ولم يعد فيك ما يغري احدا ليطلب يدك إلا من به طمع في شهادتك، راتبك يتبخر ازاء الادوية التي تحتاجها امك وما يتبقى تبعثين به الى اختك وأطفالها الخمسة بعد تحول زوجها الى معاق لا يستطيع مغادرة المنزل إلا بعكازتين، ما الذي بقي لك من عالمك، وتلك السنين التي مرت بسرعة الضوء فلم تتمكني من امساك شيء.. طفولة بائسة، ومراهقة محاصرة، ثم الانكباب على القراءة والتقاتل من اجل الدرجات، ثم الماجستير والدكتوراه، والمصادر والبحوث وذهابك الى طبيب العيون لفحص درجة النظر، ووضع نظارة طبية فوق الانف زادت على عمرك سنين اخرى.
هل اصبحت راهبة للعلم وممرضة للأم ومرجعا اقتصاديا واجتماعيا لأختك ام رضا، ما الذي ينتظرك في الافق؟ وهل يختلف مصيرك عن الاسر الباكستانية التي شردها الفيضان؟ وحرائق روسيا التي لا تختلف عن الحرائق اليومية التي تبتلع الحياة وضحكات وأجساد الناس في الشوارع والأسواق وأمام الدوائر الرسمية. انه داء الفقدان وقد انتشر في كل مكان، وقد يكون الفقدان ماديا او معنويا، وقد يكون الفقدان بحجم العمر الذي مضى دون هوادة، وبلا توقف او مراجعة.
انتابها شعور غريب يشبه المفارقة هل يمكن ان تعيد لعبة العمر مرة اخرى؟ فالإنسان يحتاج الى حياتين، الاولى يعيشها وفق فلسفة الاقدار، وأخرى يصنعها بنفسه بعد الوعي المتراكم ومساحة الاختيار. هل جرب العالم مقدار الوحشة الشرسة حين تنام امرأة في الخمسين وحدها بين جدران أربعة...؟
رن الهاتف النقال حاملا رسالة من رئيس القسم (غدا مناقشة رسالة الطالب ربيع كامل، فلا تنسي وأنت عضو في لجنة المناقشة). أثارت الرسالة رعبا داخليا في أعماقها كيف نسيت هذا الامر، وهي الجادة والدؤوبة، والملتزمة، أخرجت الرسالة الجامعية، وبحثت عن نظارة القراءة السميكة، وأبحرت بين السطور والمباحث والهوامش واستغرقت في هم جديد لتبقى على قيد البقاء.



#حيدر_عاشور (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- القدر.. مرايا لا تتشابه
- قصة قصيرة.... أفة البخل
- قصة قصيرة.. المسرةُ العقيمة
- النِدُّ
- تل أبو ماريا
- وجع فراشات (ضياء سالم ) البيض
- قصص قصيرة جداً
- كل ما أعرفه عن الرحل الاديب والصحفي والكاتب ناظم السعود
- (خالٌ في خدّ السماء) قصائد تنفَّستْ روح الشاعر علي الشاهر
- قراءة انطباعية لكتاب (لكي لا تنكسر مساحة البياض-نصوص المدينة ...
- صابون روحي
- كاظم الحجاج تحت القصف قراءة في كتاب (المدينة .. والمدافع )
- نوفل الحمداني في نصوص(هل يعود البنفسج) ... يترجم الحرب والحب ...
- (سقوف ) هادي الناصر الباحرة في عالم الخوف والرعب والوجع..!
- الوعي المتخيل في رواية ( تراب ادم) للروائي الكربلائي طالب عب ...


المزيد.....




- فيلم -الحياة بعد سهام-.. ماذا نعرف حقا عن آبائنا؟
- معرض تشكيلي جماعي بمناسبة الدورة الربيعية لموسم أصيلة الثقاف ...
- جمعية الرّواد تحتفي بالمسرحيين بيوم المسرح العالمي في بيت لح ...
- عنابة تستعد لاستقبال البابا.. سياحة دينية على خطى أوغسطينوس ...
- سينما عيد الأضحى في مصر 2026.. منافسة ساخنة تحت قيود الإغلاق ...
- مهرجان كان السينمائي يكشف عن قائمة الأفلام المتنافسة على الس ...
- الجمعية العلمية للفنون تطلق حملة لتشجير وتأهيل مدرسة الموسيق ...
- -دبي للثقافة- تكشف عن منحوتة -جذور- للفنانة عزة القبيسي في ش ...
- رواية -أغالب مجرى النهر- تقتنص الجائزة العالمية للرواية العر ...
- الموسيقى كأداة للإصلاح.. كيف أعاد مارتن لوثر صياغة الإيمان ع ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حيدر عاشور - قصة قصيرة فقدانٌ