أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حيدر عاشور - تل أبو ماريا














المزيد.....

تل أبو ماريا


حيدر عاشور

الحوار المتمدن-العدد: 8646 - 2026 / 3 / 14 - 11:13
المحور: الادب والفن
    


قصة قصيرة – شاهد عيانها –طارق أحمد حامد محمد الجحيشي

نظر الى نفسه في المرآة، يا ترى من أنا؟ كيف بقيت على قيد الحياة وسط هذه الجراثيم القاتلة من الكراهية والحقد؟. عليّ أن أعترف ان عزلتي ضيّعتني، وبنفس الوقت جعلتني اتقمّص دور الشبح وأنا على قيد الحياة، وحدود فاعليتي سيكون ميدانها الحقيقي الانعزال والترصّد. فما أنا الاّ محكوم بالانعزال اعتقادا مني بانني احاول توثيق ما يجب توثيقه، وأن أعيد جزءا يسيرا من تاريخ -تل أبو ماريا- والأحداث التي تحدث والتي حدثت على مرأى البصر وسجلتها الذاكرة وصوّرتها العيون. اقنعت نفسي ووجد لها هدفا أقل جدوى من الجهاد.
ان ما لم اتوقعه من فعلي في انعزالي الذي دام اربع سنوات داخل جدران البيت هو تلك المشاهد المرعبة التي رأيتها من عصابات (داعش). وكنقطة انطلاق سأبدأ من تاريخ القرية الواقعة في منطقة الجزيرة، والتي تبعد عن مدينة الموصل قرابة خمسين كيلو مترا، وهي من القلاع الاشورية ثم الرومانية ثم بلدة اسلامية، وجاء اسمها من اسم كنيسة رومانية كانت موجودة على تل القرية اسمها كنيسة ماريا، وماريا اسم للعذراء البتول مريم، تسكنها عائلتي (الجحيشي) الآن.
انتبهوا الى مفرداتي واقرأوا هذه الكلمات جيدا، لأنها تمثّل الحقائق المفجعة لأكثر من (20) الف نسمة من نفوس القرية التي ضحّت بقرابة (70) شهيدا. بعد ان تحرّرنا من القائد الضرورة سنة 2003م، استتبّ الأمن من القتل والمشاركة القصرية في الحروب، واستقرّ الاهالي في سلام وفتح مسجد أبو ماريا، ونضجت شعائرنا الحسينية وهي تأخذ طريقها على نهج وعقيدة الإمام الحسين(عليه السلام). وفجأة نشطت حركات مريبة تسمى -القاعدة- عصابات تقطع الطرق وتقتل على الهوية، فأصبحت تتجوّل على كل منافذ القرية ومزارعها فالخروج والدخول الى القرية يعدّ موتاً مؤكداً، حتى اطلق عليه بطريق الموت، فمن يخرج لا يعود. لم تعد الحياة طبيعية في أرجاء المنطقة منذ سنة 2005م، والموت المجاني يلاحق ابناء القرية وموظفيها والمتطوعين في سلكي الجيش والشرطة.
أما أنا (طارق الجحيشي) 39 سنة موظف بسيط في تربية تلعفر، كنت أحلم مثل أدباءها ومثقفيها وأساتذتها ان تكبر القرية بأبنائها وتخرج علماء وأكاديميين، لكن شاءت الاقدار ان تعاد سنوات الموت المجاني بكل طاقاته سنة 2015م، وتنطلق الطائفية والتفكك –التلعفري- بكل مقوّماته ومذاهبه وكياناته، فتولد عدوا لكل بيت في قرية أبو ماريا..
فكيان(داعش) الإرهابي عدو جاء بقوة فهو امتداد لتنظيم القاعدة التكفيري.. حارب الناس بمعيشتهم وصلاتهم، وذبح كل عزيز وعالم ومثقف ّ.. كل يوم تزداد همجيتهم ووحشيتهم، فقد قتلوا دفعة واحدة ثلاثة عشر موظفاً بشكل علني، والانذار الاكبر هو قتل الشيخ (البوعساف الجحيشي) كبير مشايخ القرية، وتصفية الشيخ (مبارك ابراهيم اليوسف) إمام جامع المسجد، ورجل دين مبارك تعتمد القرية عليه بالحلال والحرام وفكّ الخصومات وإصلاح ذات البين. في قلبي جرح عميق يزداد كل يوم عمقا ووجعا لن انسى جرائم (داعش) في قرية -أبو ماريا- ما حييت. ولا يوجد وصفا دقيقاً أصف بها ذلك الظلم الدموي. فقد انتشرت الجراثيم مثل الوباء تفتك بالإنسانية بلا رحمة، تحمل معها الحقد الى كل مكان (شيعي) ومن يخالفهم من الطوائف. لم يكن هناك مهرب من حبائلهم وخيانة من فرحوا بقدومهم، ومهّدوا لهم الطرق بالخيانة. واخذت بعض العوائل تجوب الاصقاع خوفا من القتل وهروبا من أفواه المذؤوبين من البشر.. فبقيت الارض للشياطين وعمّت الفوضى وشاعت الاعمال التخريبية والمحرمة.
فكل أثر تاريخي كان مصيره التفجير والتهديم، حتى المعالم الدينية ومدارسها التوعوية لم تسلم وقتل رموزها أمام أبوابها علناً. لم يكتفوا بذلك عطلّوا وفجّروا المدارس المدنية الحكومية، ولم يسلم منهم أحد. وعندما تفاقم خطرهم قرر رجال القرية وشبابها، ان يكونوا حشدا خاصاً بالقرية بعد أن اطلقت الفتوى الكفائية الجهادية من قبل الامام السيستاني. هنا لم يعد للصبر حدود ولا للموت من وجود، فالموت المجاني يصبح الانسان فيه شهيد غدرٍ وخيانة؛ أمّا شهيد الجهاد فهو شهيد مزكّى من قبل فتوى مباركة. فتشّكل في قرية -ابو ماريا- حشد عشائري مرتبط بالمرجعية الدينية العليا التي استطاعت من خلال رجال الدين ان يستنهضوا همم الاهالي، وتشجيعهم بمختلف الوسائل المعروفة للدفاع عن النفس، إما بالتحرير او الشهادة. لعل طبيعة الانسان الخاصة، هي التي تجعله ضعيفاً في مواجهة الظلم، وقوياً حين تفتح له باب الحقيقة فينذر نفسه للموت من أجل غيره. فكان دور أبطال القرية أن يهزموا (داعش)، في وضح النهار، وجعلهم كالفئران في الليل، ما من فار داعشي يخرج حتى يجندل ليكون عبرة لكل خائن ومرتزق.. حتى جهزوا جزءا كبيرا من الأمان، وفتحوا الطريق لدخول قوات الحشد الشعبي والجيش وقوى الامن لمسك الارض والقضاء على كل (داعش) ومحاسبة الخونة.
رجع صفاء قرية -تل ابو ماريا- وظهر القمر من مرتفع يسمى(القلعة العثمانية)*، والتمع بريقه فوق المزارع، والمياه التمعت هي الأخرى بفعل ضوء القمر بعد رحلة موت كل ليلة.

* (القلعة العثمانية) هو (تل أبو ماريا) قبل تطويرها وتوسعها وازدياد سكانها.



#حيدر_عاشور (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وجع فراشات (ضياء سالم ) البيض
- قصص قصيرة جداً
- كل ما أعرفه عن الرحل الاديب والصحفي والكاتب ناظم السعود
- (خالٌ في خدّ السماء) قصائد تنفَّستْ روح الشاعر علي الشاهر
- قراءة انطباعية لكتاب (لكي لا تنكسر مساحة البياض-نصوص المدينة ...
- صابون روحي
- كاظم الحجاج تحت القصف قراءة في كتاب (المدينة .. والمدافع )
- نوفل الحمداني في نصوص(هل يعود البنفسج) ... يترجم الحرب والحب ...
- (سقوف ) هادي الناصر الباحرة في عالم الخوف والرعب والوجع..!
- الوعي المتخيل في رواية ( تراب ادم) للروائي الكربلائي طالب عب ...


المزيد.....




- بسبب جنسيته الفلسطينية.. بطل فيلم -صوت هند رجب- يُمنع من حضو ...
- رمضان في سريلانكا.. تقاليد دافئة لأقلية تعيش روح الجماعة
- الروائي وجدي الأهدل: أكتب لإيقاظ شيء داخلي لا لإيقاظ المجتمع ...
- قرار ترامب يغلق باب الأوسكار في وجه بطل -صوت هند رجب-
- الممثل الفلسطيني الرئيسي لفيلم -صوت هند رجب- المرشح للأوسكار ...
- 75 عاما و30 رمضان.. قصة مقرئ يجوب سريلانكا بالقرآن
- من المسرح إلى المكياج.. كيف تغيّر -كي بوب- و -كي بيوتي- قواع ...
- 25 رمضان.. يوم غيّر مجرى التاريخ من عين جالوت إلى فتح بلغراد ...
- أول متحف مستقل للفنون الجميلة في لاس فيغاس.. مجموعته الفنية ...
- نص سيريالى ( مَزَاد على خَرَاب نابض)الشاعر محمدابوالحسن.مصر.


المزيد.....

- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي
- جدلية المنجل والسنبلة: مقولات وشذرات / حسين جداونه
- نزيف أُسَري / عبد الباقي يوسف
- مرايا المعاني / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حيدر عاشور - تل أبو ماريا