حيدر عاشور
الحوار المتمدن-العدد: 8628 - 2026 / 2 / 24 - 16:19
المحور:
الادب والفن
المفرح في أن تجد إبداعاً يستحق القراءة، رغم هذا الكم الهائل من الإصدارات. والمأساة في أن تصغي وتضع الشمع على أذنيك، وتلبس نظارة سوداء حول الإخوانيات، والمصالح التي تقتضي أن ترفع الغث، وتترك السمين.. على الرغم مما أحرزه المثقف –الشاب– العراقي من تقدم هائل في حقول مختلفة، خاصة بالنسبة للعلاقات والمفاهيم، لذا ينطبع الجيل الحاضر، إلى حدٍ ما بالشك والحيرة والغرابة، وللإخلاص في المسيرة الإبداعية وعكسها. أغلب النقاد المحليين وغيرهم يحذروننا من التأثر بالأهواء الشخصية أو الميل الفئوي أو التحزب على أنواع مشاربه. إذ يروا أن السبيل إلى النقد النزيه هو انتهاج ما أسموه "التقدير الحقيقي" وهي وسيلة تساعد على اكتشاف أي أنواع الشعر تندرج تحت طبقة الشعر الممتاز حقاً. هذه الوسيلة هي أن نتمثل في أذهاننا دائماً بضعة أبيات وتعبيرات لفحول الشعراء ونستخدمها كمحك لقياس قوة الشعر. ولكن على الرغم من هذه الوسيلة، هناك تذوق خاص ودراية فطرية للجمال والاستحسان والرفض. إن أي متذوق للقراءة، متفتح الذهن، لا يفكر في عمق العروض والمقطعية الشعرية.
إن الفكرة لدى كاتب الشعر لا توجّه لغة الخارج، فالشاعر نفسه شبيه بلغة جديدة تبني نفسها، وتبتكر لِنفسها وسائل تعبيرية وتتنوع حسب معناها الخاص. هنا ما نسمّيه شعراً ليس سوى فرع من الأدب الذي تتأكد فيه الاستقلالية في أبهى صورها. فالكثير من المتذوقين للشعر الحديث لا يعتبرون القصيدة شعراً ما لم يكن بها أنين وحكمة أو استغاثة، لذلك فإن واحداً من أصعب الأمور في كتابة الشعر هو أن يعرف المرء ما هو موضوعه. إن جلّ الناس يعرفون ولا يكتبون الشعر لأنهم واعون جداً للفكرة، وبعبارة أخرى أكثر تحديداً وسيولة، إن القصيدة هي التي تخبر الشاعر بما يفكر وليس العكس.
عالم (خالٌ في خدّ السماء)
من هنا يمكن الدخول إلى عالم المجموعة الشعرية الأولى (خالٌ في خدِّ السماء) للشاعر والصحفي والإعلامي (علي الشاهر)، الصادرة عن دار الفؤاد عام 2018، فالمجموعة تأسر وتجذب المتلقي من السطر الأول حتى آخر المجموعة.. قرأتها بشغف متلقٍ وحاولتُ أن أصل إلى الغاية والهدف لهذه التجربة الناضجة، فوجدتُ أن الشاعر كان مصراً على عدم الوقوع في البسيط، بل كان موفقاً بموهبته اللغوية الرصينة فصاغها بلغة راقية وموفَّقة. إذ أرى أن ممهدة "الشاهر" لن تنحصر في التعابير البراقة والأساليب المنمَّقة، بل إنها تتركز في الأمور الخاصة حيث تتجلى براعته في صياغتها ومزجها لتخلد في صورها الشعرية ذاكرته في الأيام الصعبة التي لا يمكن نسيانها بسهولة. فـالشعر في نظره تخليد وتركيز لا استرجاع، ومن هذا التخليد والتركيز تنبع الخصائص العديدة والفروع المتصلة في -زمكانية- نضوجه كإنسان بخبرات متشعبة هي موضوعة ثيمة نصوصه الملتحمة، والتي تنم عن التحام الشعور باللاشعور ومزجهما بالوجدان الصادق المعبر عن حسه الإنساني بفكرٍ عميق. علماً أن الشعر نفسه يكفل أن يصبح لغة "إنسانية" تماماً بصرف النظر عما إذا كان الشاعر يحاول أن يعكس داخله إلى خارجه، وهذا النوع من الشعر قد وُصِف بأنه شعر "مجرد" و"ملموس" على حد سواء.. ولأول مرة أقرأ مجموعة شعرية من الغلاف إلى الغلاف بدون امتعاض من كيانها.
الشاعر "الشاهر" شاعر يحفل عمقه بالعائلة والأماكن والأشياء التي عشقها في حياته وتركت آثارها في صميم مشاعرهِ، وهو استغراق نشيط قائم على التبادل بين الواقع الملموس في الخارج، والخيال المفعم بالمستقبل. وقد كتب قصيدته الأولى (أمي) بإحساس ولادة شاعر، ينتقل بصورها بفنية أدبية خفية لا بذاكرة مكشوفة بين الحاضر والماضي، موحياً بالهوة التي أصبحت تفصل بين الشاعر وأسرار بيئته. فاستنتاج مطلع القصيدة هو:
/أُمّي قبعةٌ ناضجةٌ / وأبي صوفيٌ ساحرْ/ أوشك أن يخرجني ربّاً / فاخترتُ بأن يأتي الشاعرْ!/ ..
الأبيات عُوملت على أنها نوع من البيان الخاص بالشاهر، كأنه يعلن أنه خرج شاعراً رغم أماني الأبوين أن يربّياه كانسان يشبه الملائكة، قريب من الله، بل هو صورة من صور جمال الله في الأرض. هناك سر في هذه الأبيات، سر ما بين نضوج الأم وصوفية الأب الذي شبهه بالساحر، ربما لجماله وخلقه، وربما أنه صورة تشبه صورة الشاعر "الشاهر". في قصيدة (أمي) سحر الأمومة والأبوة والطفولة، فالجميع عاش الحرمان والخوف في زمن حرب تأكل الرجال كما تأكل النار الحطب، لكن الانتصار الحقيقي كان لصبر الأم في نتاج تربية مفعمة بالتآلف. كما في نص "ملائكة الأرض"، هي قصيدة تحمل صوراً مكملة لقصيدة (أمي) بها إيجاز في لغة الشعر، فتوحي للمتذوق بالمشاعر المثالية، فيلمس مباشرة الحقيقة؛ والغاية من القصيدة، ليست عن تعبير العاطفة فحسب، بل بواسطة أهم الصفات الأساسية التي تعد قوام العمل: أسلوبه الشعري، والتصور، والخيال، والانفعال، والتعاطف، وقوة الإحساس، والقدرة على نقل الإحساس. والشعر الجيد له القدرة على تشكيل النفوس وتدعيمها بإدخال البهجة عليها أكثر من أي شيء آخر، وهذا هو الشعر الجيد الذي ننشده، يجمع بتفاصيله بين البساطة والعظمة..
الدافئون حديثاً- الواثقون – الرائعون فماً، الواهبون دماً- السالكون طريقاً. تفصيل قصيدة "ملائكة الأرض" يقول إن هذا العمل بدائي يمتاز بصفة شعرية لا ينكرها أحد وهي تستحق الإشارة إليها. وذائقتي تميل إلى القول بأن بيتاً واحداً يكفي دليلاً على السحر الكامن في شعر "الشاهر" أن بيتاً كهذا / قانعون بأنَّ الحربَ نُزهتهمْ.. وخلفهمْ طاسةٌ بالماءِ ترتعشُ/... يتميز بأسلوب وحركة من رحم الحياة، صورة من التراث الإنساني المحيط بنا، قلَّ ما نجدها في الشعر الذي يتبع بحور الشعر في تنظيمه الأدبي. وفي قصيدة (جنّة الشعراء) انفلات روحي نحو التجلي في كل ما هو نعيم بالحياة، وما يراه "الشاهر" من حقيقة في وجه الخيال، ويرفض ما بالغيب من أسرار لا تُعرف إلا بالظن والتأويل والانتظار. فيقول: / فلا حزنٌ عليكَ ولا بكاءُ! .. كأنكَ لستَ من حِمٍّ وطينٍ.. وأنكَ في سجلِ الغيمِ ماءُ/.. صورة شعرية إنسانية عالمية الفكر عميقة الوجود، تعتبر فكراً ملغوماً، بطاقةٍ فوق طاقة "الشاهر"، ويمكن القول أنها فوق طاقة أي شاعر في العراق في مرحلة النمو والنضوج. لكن يجب قراءة (خالٌ في خدّ السماء) باعتباره قصائد عقل وشعر، أن نقرأ "الشاهر" على أنه شاعر مبدع وفيّ بأغراض رسالته ومهمته، فإن شعره شأن روحه المتعلقة بالعائلة وماضي وذكريات بكل عنفوانها حولها إلى دهشة مثيرة للإعجاب.
• الشاعر والمدينة وقلبه العاشق
ويظل "علي الشاهر" في شعره ملاصقاً قريباً جداً من عمق مدينته التي عشقها بعنف، بعتباتها المقدسة، بأرصفتها، بمكان يذكره بحبه الأول، فيقول في قصيدة ("لعنة الحب"): / أنا ما نسيتُ لأذكركْ/ قلبي هواكَ فصوّركْ/ .. ويختم: / يا بن الهوى / ما أجملكْ / ما أعظمكْ / ما أطهركْ/ .. والعجينة الشعرية الأولى لهذه الصور عذابات فقدان الأب مبكراً، وعلاقته بالمدينة المقدسة (كربلاء)، وهي المحفز الإبداعي دائم الفاعلية للشاعر في كل نتاج (صحفي وأدبي).. وظل أبيه ومدينة (كربلاء) يرقدان على قارعة قلبه، ولا تزال المدينة عشقه، تحمل صوت أبيه، في أعلى قدر من التوتر الداخلي للمشهدية واللغة مجبولاً بالعذابات ومحكوماً بالسرد الشعري، لا الثرثرة، بل الشعر السردي الذي لا يؤتى به إلا لبعض الملائكيين (القديسين)، ما يؤكد هذا الكلام في قصائد ("إلى أبي - قدس الله الشعر قبره") و("رب بلا سحرة")، و("السيد الهامش")، و("إلى أبي .. أو أب الإنسانية")، و("ج.م")، و("على هامش المنفى")، و("باحثاً عنك في رأسي")، و("سخرية القدر")، و("صور متشظية")، و("أحلام ليست للنوم")، فهن كُتبن بلغة شعرية يكمن فيها جذر الغموض، يجتهد "الشاهر" في تقريبها من المتلقي من خلال قصيدة ("إلى أبي.. أو أب الإنسانية"): / فداكَ عمّكْ!/ والعرشُ يمسحُ/ يتمكَ النبويّ/ ..
هذه الصورة الشعرية المكملة لما سبقها أو لحقها، تفرض قوة القصيدة، والمتطلع لنجاح الشعر الذي يتعلق في الذهن ويبقى موضع دراسة وفرضيات ورمزيات شعر يتطلب أكثر من مجرد استخدام الأفكار استخداماً قوياً من أجل إرضاء الآخرين، بل يجب أن يكون قوياً من أجل الحياة، إذ ينبغي أن يتم هذا الاستخدام تحت الشروط التي حددتها قوانين الصدق الشعري والجمال الشعري.
• شهادة الشعر هوية الاتحاد
قد يتفق الجميع معي في الاعتراف بقوة شعر "الشاهر" وحصوله على هوية الاتحاد العام للأدباء والكتاب العراقيين، وهي شهادة عظيمة لشاعريته المميزة. لكن من يدرك ماذا يخبئ "الشاهر" وراء نصوصه؟! الكثير من المتذوقين للشعر وحتى النقاد يخفقون في رؤية السر الذي تكمن فيه روح القوة الشعرية الكامنة في نفسه؛ ذلك أنها أساساً تكمن في التهذيب والسمو اللذين يحدثهما في الأسلوب الرائع النادر، وقد يحس البعض بهذا الأثر دون أن يقدر على تعليل سببه تعليلاً واضحاً. فالسر يكمن في روح الشاعر الذي يحاول أن ينهل البعض من هذا الأثر بجمال؛ حين ننتقل إلى قراءة قصيدة (غناء القصب)، ويتضح من هذا الشعر أن الشاعر يقف وجهاً لوجه أمام عظمة بلاده من جنوب مترامي الأطراف وتاريخ واسع متخّم بالدم والجراح. ونجوم قصيدته أماكن وأشخاص وقف أمامها في حيرة بين حكاياتها وجمالها وعزتها إلى قلبه. فما الذي يفعله كإنسان ليبقوا ويؤكد أن هذه الأماكن هي كالأفلاك الدائرة منذ البدء؟ لا تزول وكل ما حوله عزيز ومخلد دائم..؟! فيقول: / ومن الجنوب إلى الجنوب حكايةُ البلد الجريح/ .. بالجمالِ إلى السفوح صلّت بروحي كربلاء/.. وللجنوب شذى الذبيحِ ..لناصرية ..للمسلّةِ/. فالطبيعة كما يراها تتولد غير عابئة بالزمان والمكان، تصنع مصيرها الخاص، يحدوها أمل البقاء والديمومة، وهي تحيا بكبرياء، واكتفت بذاتها وهي دائماً حرة تتخلص من رواسب ماضيها وتوقد مشاعل الحاضر وهموم المستقبل، فامتلكت ناصية الأبدية. وهذا ما يوجع الشاعر فيصرخ عالياً: /ها هُمُ إعزازُ روحي!.. إعزاز وحقَّ الله إعزازْ/.
كذلك في قصيدة ( طاقائيل) نفس المعاناة والهموم، فهي امتداد لـ(غناء القصبْ)، ظل يلاحقه هاجس الامكنة والتاريخ يقول في مطلعها : / كأنّ باب الطاقِ.. حاضرةٌ تقهْقرَ عندها التأريخُ والتأويلُ/.
ويقلب طرفه في فضاءات كربلاء لعله يبصر ما يريحه من عقدة الخوف على تاريخ مشبع بالهموم والجزع والخسارات. فاذا نجوم سماء كربلاء تحدق فيها العيون بكماء فليس مصادفة ان يرسم صورة جنة لها : / وغاب هن قصد ابتعاد ليلُ ..يا باب حِطة كيف أطوقها ..أخاف على ظفائرها ..تفز ويجفلُ التقبيلُ! /.. فهل معنى ذلك أنه مؤمن بالمكان حين يخطو اليها بهذا الهاجس بقوله / يا باب ما طرقتْ بكف.. غير كفّ الامنيات ..اذا ما اسندت ظهري السنين لها ..وراح الحَيلُ!!/ .
ما يؤكد عشقه وصدقه الكربلائي قصيدة (همسةٌ في أذنِ الصباح) وهي ختام مجموعته.. تعتبر نظرة شعرية، تشبه أسلوبه الذي يعبر به عما يراه يجمع زمنين زمن الوفاء لكربلاء وأخر للعراق. هو ذا إذن زمنُ الوفاء.... لكربلاء / ويظل قبر الحسينِ السبط ينبوع الفداء/ .. وهنا تخدمه رحابته وحريته بطريقة جميلة مثيرة للإعجاب يضيف فيها الدهاء والذكاء الى جانب الرقة والوداعة، حيث لا يخلو اسلوبه من العيوب والمثالب.. فمقطع الزمن الثاني : هو ذا زمن العراق / مبدعين وصانعين ومجاهدين وناصرين / مسلحين بكل اشكال الدعاء /.
من خلال القراءة والتفحص لهذه التجربة الشبابية وجدت أن " الشاهر الشاعر" يعيش هياماً في لغة الشعر وهوى شفافاً، ورهافة حسيه كان له رأيه في حياته ومجتمعه ووطنه من خلال الشعر حيث يفلسف ذلك في قصائد مختلفة منها (على هامش المنفى) و(احزان نصف الليل)و (سخرية القدر) و( أيها الغرق انت بريء) و(أثر الغياب) و(عرس)و( صور متشظية ) و(احلام ليست للنوم)و(باقة من دموع)و (كائن حزين).. في هذه القصائد ابطاله مقاتلون وعاشقون ومحرمون، كانوا يعيشون ويعبثون حالمين بوطن، يظهرون ويختبئون ويختفون وراء قصائدهم في قلب مكانهم. ورثاءه في (باقة من دموع) يؤكد ان كربلاء التي يجتهدون في ضمها الى صدورهم كما يضمون احشائهم.. منهم ترعرع بها وسافروا عنها، ورحلوا الى الابدية.. لكن بقيت آثارهم الابداعية / وذاك شاعرك الممتد أضرحة / على الفراتين بالنخلات مؤتِزرا / . هذا وفاء لامتداد الشاعر الراحل (هادي الربيعي) الذي اصبح بؤبؤ عين القصيدة الشاهرية.
أعتقد أن علي الشاهر حقق ذاتاً شعرية خاصة به، وأن ما يميزه اعتماده على الألفاظ بقدر صراعها لتجاوز هذه الألفاظ واعتمادها علاقة باندماجه كشاعر وصحفي في التاريخ والمجتمع. وبعد هذه القراءة أترك المتذوق للشعر مع هذه المجموعة، وقد توخيت أن أقدم أكثر القصائد وعلاقتها بالشاعر وأقربها إلى روحه. ينبغي الالتفات إلى طاقة الشاهر الشعرية والاحتفاء به إنسانًا وشاعرًا وصحفيًا.
#حيدر_عاشور (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟