حيدر عاشور
الحوار المتمدن-العدد: 8618 - 2026 / 2 / 14 - 19:11
المحور:
الادب والفن
رسم الروائي اطارا منظما في مستهل الرواية، الذي يتمثل في وصف غير مباشر لمشرحة الجثث، ولكنه لم يطور هذا الاطار بل فاجئ المتلقي ببداية جديدة للانطلاق تبدأ" ينفض الدكتور المشرح (احمد ظاهر القشيّ) يدية بتوتر شديد..." وهو يؤكد حدسه بجريمة قتل متعمدة، وكشف الجاني وحسم الامر بان ولي امرها هو المسؤول الوحيد عنها..وهو يمهس في ذاته (نهالة شاتي)ام خالد وزوجها ابو خالد وابنها خالد موسى عيدان صديق ورفيق طفولته وصباه..
ولكن هل هناك فاصل بين البداية الجديدة بشكل كلي عن البداية الاولى او انطلاق الراوي..؟ لو كان الامر كذلك لكانت الرواية مفككة لا ترابط بينها، والمتلقي المثقف سرعان ما يكتشف ان هناك ترابطا قويا بين البدايتين قد لا يشعر بها القارئ لاول وهلة، فهما حلقتان متصلتان من السرد الروائي.
اشار السير (دزموند مكارثي)، ان الرواية تعد وسيلة لتطمين فضولنا الاطلاعي أكثر مما ترضي فينا توقنا للجمال والمعنى والاهمية..وكبار الروائيين اعطوا للقارئ معلومات منتقاة ومقنعة ،ليظهروا ببساطة بأنهم على دراية بما يتحدثون عنه، لكن رواية الاخلاق الاجتماعية ترضينا ما دام فضولنا مرتبطا بالمجتمع.
و(تراب ادم) رواية اجتماعية استحدثت رؤيا سردية حديثة قدمت بتنقلات جمالية مختلفة، فيها من الاثارة والاستفزاز، ما تجعل القارئ يمتلك خاصية الجدل، بصور لايمكن ان يتغاضى عنها، رغم انسيابية الاسلوب وتماسكه وهو يظهر مظاهر نفسانية فلسفية تحليلية ، تمخض عن وجهات نظر كيفية مختلفة تقوم اصلا على المواقف الثنائية الشيء وظله فتثير النزاع ولا تحدد المعالم في فسحاتها الزمنية، لاسباب في واقع مخيلة الكاتب نفسه، مراعيا الحدود الادبية للرواية وادواتها الفنية، مما خلقت بعض التساؤلات التي لابد من البحث عنها داخل المتن الروائي...أنها تنهج في نهج غير تقليدي فهي رواية من نمط خاص، ذات بناء مركب، رواية أو روايات داخل رواية، تقتضي من قارئها جهدا كبيرا لقراءتها، بل أنها تقتضيه اكثر من قراءة، لكي يقف على حقيقة بنائها، وما تهدف اليه، وقد لا تسعفه القراءات المتعددة في ذلك، فهي تفتقد المركزية الروائية، ولا يكاد القارئ يمسك شيئا من خطوط احداثها لكونه يقرأ نمطا جديدا من الاعمال الروائية، الا ان القارئ المدقق سرعان ما يكتشف ان الروائي عارف ومتمكن من اسرار صنعته، وواع به تماما ما يزج به المتلقي من متاهات ودوامات يتقصدها قصدا.بذلك هي تستحق جهد القراءة لكونها من الروايات المركبة في بنائها الفني، ونمطها الواقعي الاجتماعي، وتفرعه الى عدة حكايات بابطال ظليين من كائنات مجاورة للإنسان، لإغناء البناء وكسر الروتين. وهي تقنية لعلها مبتكرة وفيها حداثة في التعامل الضدي مع الحدث، ان حساسية الروائي الميتافيزيقية تساعدنا على التقرب من اوديتنا السحيقة، بهذا الكم من التناقضات والتصادمات، وان حبنا لادباء الماضي يتعلق قبل كل شيء بقربهم من عالم القراء الروحي، اما عندما تتقبل النتائج الجديدة كشخصية وظلها وهي تمثل للعصر الغابر، فان الحب يختفي ويحل مكانه الاعتراف البارد بالمهارة الادبية، وهذه الاسقاطات الظلية على الابطال كانت ضرورة لتطوير رواية درامية تنزع بلا هوادة نحو تمجيد اخلاقي حقيقي لقيم الانسان.
و(تراب ادم) بذل فيها الروائي من الجهد الذهني الواعي، وهو يشتغل على غرس احساسه واقتناصه اللحظات الحيوية الحاسمة، ويشغل القارئ بالاسئلة العديدة والمحيرة بذات الوقت، يطرحها عليك من اجل ان تستنتج الاجابة، كأن يكون" كلب هرم مثلاً بطل ظل للبطل، وحشرة بيضاء تكون ظل للبطلة، وهناك أيضاً الوزغ للزوج، وأنثى العنكبوت للممرضة".. وهكذا.
من جمال حقيقة الرواية ان يجعل الكاتب نصب عينيه صورا تحاكي المتلقي وتعيش من خلالها الدهشة والصدمة بالحدث، وهذا لن يأتي دون خبرة حياتية وقرائية. يقول (جون برين) في كتابه الرواية : أكتب دوما من التجربة ان تجربتك الشخصية فريدة دون ادنى شك.. وتجربة الروائي(طالب الظاهر) كانت تجربة بمحك مع الواقع فصنع بها وثيقة تاريخية ولدت من علم الطب النفساني فشكلت اثرا فنيا تجاوزت البناء الروائي بمظهرها. فهي رواية عنيفة صادمة دموية، اشعر ان الروائي كتبها بنفس الروح العصبية مع اتساع الوقت، عمل عليها لسنين لاتمامها، وتكرار قراءتي لها بفترات طويلة وجدت عقلي يستعيد بعض مقاطعها ،كانت ترد الى ذهني كلما لاحت لي رواية او عنوان لرواية عالمية، وترد الى ذهني ليلا، وانا بين الصحو والنعاس وكنت حائرا أتراني قرأتها ام عشت فيها فعلا..
عشت الاعجاب – او قل هذا الانبهار- ومشاركة الراوي سيرورة التخيل الخلاق مما جعل عملية الوعي حاضرة في وقت متوتر الى ابعد الحدود اثناء انشغال الرواي بالتحويرات المزاجية، باعادة تشكيلة في خلق جديد( الشخصية وظلها) يتساوق مع فكرة الروحانيات النقية غير المفسودة روحا تمردية.
فقصة وداد الممرضة الموجوعة التي اختطفت حرب الكويت عريسها ولم تعرف له مصير وسيرها في طريق السقوط والعمل كبائعة هوى.. وما خلفته الانتفاضة الشعبانية لها من البؤس والفاقة وحين توقف زمنها وهي تتوسل وتتقيا،لتكشر عن انيابها وسادية انوثتها برغبتها الدموية ..لتعيش بين (الابر والمناشير والخناجر والملاقط وباقي ادوات المشرحة..
قد اضفى الراوي في حكاية (وداد) نهكة موجعة وحياة متمردة وتاريخ بلد يحارب روح الانسان، وحياة بشعة تطرح ادانات اجتماعية، ان انموذج شخصية (وداد) التي يقابلها ظل (انثى العنكبوت) انموذج الانسان الذي حرفته السياسة، فكان الراوي يسخر من الاساليب الحكومية، وهو متنفس عن روحه التمردية عن مظاهر الحياة الملوثة وهي ذروة الاحساس الانساني في قلبه كانسان وفنان وكاتب.
هكذا سيجد القارئ نفسه محاطا بغابة من التساؤلات التي تثير العديد من الاشكالات لديه، تعود في واحد من اسبابها خلط الوراق في الرواية التي حرص عليها الراوي واثارة الالتباسات في دوامة التشويش والارباك.. في مقدمتها هل فعلا تزوج احمد من وداد..؟ هل سحق راس ابو خالد بالقانون كما سحق راس الكلب الهرم..؟ حتى نتبين حقيقة ما سعت اليه (تراب ادم) وحققت نبؤتها الظلية واسئلتها القائمة ،لماذا يجتذب الشر الانسان..؟ في قتل ابو خالد لام خالد، وما هي المصادر الخفية لافعالنا ..؟لماذا يرفض المجتمع تخطي الحدود البشرية ..؟ في فكر دكتور احمد في اعلان زواجه من وداد .. واسئلة اخرى شبيهة بها كانت تشغل بال طالب عباس الظاهر وشغل بال القارئ بهذه النزعات الواقعية في (تراب ادم) والمتخيلة في صراعات الظلية للابطال كوجه حقيقي لجوهر الانسان الحيوان.
أولا: كانت تقنية سردها معكوسة وهي مجازفة بنائية شديدة الصعوبة بل وخطرة على أي كاتب في روايته البكر، وحتى على الراسخين.. أي تبدأ من نهاية القصة لتنتهي في بدايتها.
ثانياً: بما اني أكتب القصة النفسية / الحسية، وليس الحركية / الدرامية؛ أي سرد أحداث ومواقف خارجية؛ فكان من الصعوبة بمكان تنمية الحدث للوصول الى الذروة... فحاولت بجهد جهيد إنقاذاها من الخمول والخمود، لعدم امكانية التنويع في طرائق سردها... فخلّقت أبطالاً ظليين من كائنات مجاورة للإنسان لإغناء البناء وكسر الروتين. وهي تقنية لعلها مبتكرة لأني لم أطلع على مماثل لها في جميع قراءاتي، فيكون كلب هرم مثلاً بطل ظل للبطل، وحشرة بيضاء تكون ظل للبطلة، وهناك أيضاً الوزغ للزوج، وأنثى العنكبوت للممرضة.. وهكذا.
ثالثاً: خصوصية مسرح الحدث أي (المشرحة) حددت الكثير من الحرية في عملية التعاطي معه كمكان، سواء على مستوى الباث المنتج أو اللاقط المُستقبِل.. وحيث إن الكتابة الإبداعية هي استثمار أمثل لمخزونات الذاكرة الجمعية، وتوظيفاً لمخزونها من مشاهد ومواقف وخبرات.. و.. و..! على العكس مما لو كان المكان شائعاً وعمومياً، ذلك لأن الذاكرة ستكون مشبعة بتفاصيله، فلا يغري أو يثير في الآخر حب الاستطلاع، أو تحاول ان تشبع فيه فضول المعرفة، لذلك استهلكت أمكنة كالسيارة وموقف الباص والقطار والجامعة وما اليها من أمكنة تم استخدامها في الكثير من القصص... بينما المشرحة كمكان بكر أو شبهه، كونه ممنوع الدخول اليه على العموم؛ شكل صعوبة مزدوجة في الاستلهام والتوظيف .
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟