أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حيدر عاشور - قصة قصيرة (الرجل المحنط )














المزيد.....

قصة قصيرة (الرجل المحنط )


حيدر عاشور

الحوار المتمدن-العدد: 8665 - 2026 / 4 / 2 - 17:44
المحور: الادب والفن
    


شعرت بأن السيد العقيد عفا الله قد تغير كثيرا بل تحوّل الى انسان اخر وشخصية غريبة ومتوترة حين تسلّم عنوة قرار احالته الى التقاعد وقد اخبرني احد زملائه بانه ظل طوال اكثر من شهر وهو يراجع وحدته والجهات المختصة لاعادته الى الخدمة العسكرية باي وسيلة ويقال والعهدة على القائل بانه تبرع للحكومة بنصف راتبه الشهري والتنازل عن الكثير من الامتيازات كنوع من المقايضة لكي يبقى يرتدي بدلته العسكرية والنجمات على كتفيه والعصا بين يديه وهو يأمر وينهي ، وله سائق ومراسل والجميع يبدأونه بعشرات التحيات العسكرية والجيران يهابونه ويتوسطون لديه من اجل نقل الابناء واخذ الاجازات ، وحين يضطر الى استئجار سيارة تكسي فان السائق يحسب له الف حساب ويتهاون معه في تسعيرة الأجرة . اما انا واخي وزوجتي وامي واطفالي فانه يعاملنا وكأننا سرية متروكة ويمارس معنا كل التعليمات العسكرية الصارمة ، من النهوض الصباحي الاجباري المبكر وعدم الرحمة لكل من يخطئ حتى ان زوجتي المسكينة احلام تربُت على رؤوس واكتاف الاطفال وهي تخيفهم بان العقيد سياتي لهم في الليل فيسود الرعب ويغفو الاطفال ، وانا في حقيقة الامر اكثر خوفا منهم واتوقع في كل لحظة بان يدفع باب غرفتي ويقدّم لي انواع الكلمات النابية امام زوجتي ، ولا يحسب لرجولتي وكرامتي اي حساب . اما اخي كمال فانه تحجج بعالم الرياضة وكرة القدم لكي لايبقى في البيت لاسيما الساعات التي يعود بها السيد العقيد ، اما امي فانها اكثرنا تحملا لهذه الماساة العسكرية اليومية وقد تحولت الى جندي يقدم كل الخدمات من اجل ارضاء الجهات العليا المتمثلة بهذا الزوج الذي امتزجت روحه بالاوامر والنواهي العسكرية واصبح طبعه جافا ويشعر بالسعادة والتلذذ حين يخضع له الاخرون وينصاعون لاوامره .
كنا نعتقد بان احالته على التقاعد ستجعله يفيق من هذا الزهو المرير لكنه فاجأني بان قلب مائدة الاحتفال به ورمى الشموع وهشم كل شيء وهو مازال يرتدي بدلته العسكرية ويحمل عصاه ، وارتقى السلم بمشية منتظمة وكانه في ساحة العرضات ، وسمعنا بعد لحظات من هذا الاحباط الغريب صوت مارش عسكري ينبعث من غرفته . ساد الصمت المرعب بيننا وجمعنا اشلاء الحفلة الحزينة وتسلل كل منا الى غرفته . وفي اليوم التالي سمعت جلبة غريبة في الحديقة ايقظتني احلام وهمست لي وهي تومئ الى النافذة ، ازحت الستار كليا ، ويال المشهد الذي لن انساه ، فابي بكامل هندامه العسكري وقد وضع على صدره كل النياشين وهو يسير سيرا عسكريا ، وبدا وكأنه يوجّه تعليماته الصباحية الى رعيل وهمي من جنود بائسين . عدوت باتجاه امي واخي لكي يريا ماوصلت اليه حالة الاب ، وهو يأبى ان يصدق بانه لم يعد عقيدا واصبح مدنيا بعد ان احيل الى التقاعد منذ ستة اشهر ، فجيراننا العميد ابو احسان اقام حفلة كبيرة للاحتفال بتقاعده ولم يره احد بعد ذلك ببزته العسكرية الصارمة بل ارتدى الكوفية والعقال وانساق في تيار المجتمع وظل يتحدث بندرة عن ذكرياته العسكرية القديمة وهو يتحدث عن مآسي تلك المهنة الشاقة على الرغم من زهوها الشكلي والخارجي فالمرء يشعر بانه مقيّد بالف نطاق ويكاد يختنق بكثرة وقسوة الاوامر وهو يسرّبها الى الرتب الادنى منه .اما ابي فقد خلق عقيدا ولا يريد ان يغادر هذا العالم الخاكي ، وبدا امره يقلقنا حتى قال لي يوما ابواحسان بانه يحتاج الى مراجعة طبيب نفسي او سفرة خارج العراق لكي يستعيد توازنه ويتخلص من هذه اللوثة العسكرية ومما زاد من عبء المشكلة بان الجيران والاقرباء والمعارف بدأوا يسخرون منا لاسيما وهو يصر على ملاقاتهم بالبدلة العسكرية ويتحدث معهم بصيغة الاوامر ويتحاشى الجميع بعنجهية واستعلاء ، ونحن نقاتل انا وامي واخي لاقناعهم وترضيتهم والاعتذار لهم عما يبدر منه ، حتى تحاشينا دعوة احد الى البيت بل ان الجميع من المعارف بدأوا يستهجنون المجيء الى البيت وهو يزداد تعلقا بمهنته التي اندثرت مع مرور الزمن . وفي ذلك الصباح الغريب أيقظني اخي كمال وهو مندهش تماما وخلفه امي ترتعش وقد اخبرني بان أبي قد رقّى نفسه الى رتبة عميد وهو في الحديقة يتلو الامر العسكري وقد اخذ وضع التحية العسكرية . قررنا في ذلك اليوم بأن نترك الدار التي تحولت الى ثكنة عسكرية ونلجأ الى بيت عمي وجدي انقاذا لموقفنا الذي اصبح لايطاق ، في ظهيرة نقلنا اثاثنا ، كان السيد العقيد او العميد ينظر الينا باستهزاء وبيده عصاه ثم تابع مشيته العسكرية اما نحن فقد توارينا عن الانظار باتجاه المجهول.



#حيدر_عاشور (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة (عيونٌ اصطناعية)
- الحمار الأصفر العالمي (يحرن)
- قصة قصيرة فقدانٌ
- القدر.. مرايا لا تتشابه
- قصة قصيرة.... أفة البخل
- قصة قصيرة.. المسرةُ العقيمة
- النِدُّ
- تل أبو ماريا
- وجع فراشات (ضياء سالم ) البيض
- قصص قصيرة جداً
- كل ما أعرفه عن الرحل الاديب والصحفي والكاتب ناظم السعود
- (خالٌ في خدّ السماء) قصائد تنفَّستْ روح الشاعر علي الشاهر
- قراءة انطباعية لكتاب (لكي لا تنكسر مساحة البياض-نصوص المدينة ...
- صابون روحي
- كاظم الحجاج تحت القصف قراءة في كتاب (المدينة .. والمدافع )
- نوفل الحمداني في نصوص(هل يعود البنفسج) ... يترجم الحرب والحب ...
- (سقوف ) هادي الناصر الباحرة في عالم الخوف والرعب والوجع..!
- الوعي المتخيل في رواية ( تراب ادم) للروائي الكربلائي طالب عب ...


المزيد.....




- -مدخرات 15 عاما اختفت-.. شاهد دمار مدرسة للموسيقى ضربتها غار ...
- من رواد الفن الشعبي.. وفاة الفنانة العراقية ساجدة عبيد
- البوكر الدولي 2026.. الأدب العالمي يقرع جرس الإنذار
- المخرج من أزمة هرمز.. كيف تبدو مواقف وخيارات الأطراف المعنية ...
- آلام المسيح: ما الذي يجعل -أسبوع الآلام- لدى أقباط مصر مختلف ...
- فيلم -مايكل-.. جعفر جاكسون يعيد عمه إلى شاشة السينما
- فيلم -مشروع هيل ماري-.. خيال علمي يعيد الجمهور إلى دور العرض ...
- رئيس التمثيل الدبلوماسي الإيراني في القاهرة: إيران لن توافق ...
- عاش المسرح.. حيث يولد الإنسان من رماده.. كل يوم وكل دقيقة وأ ...
- حين يتّسع الفضاء وتضيق القراءة في راهن الندوات الأدبيّة


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حيدر عاشور - قصة قصيرة (الرجل المحنط )