أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حيدر عاشور - قصة قصيرة سُمُّ الحياة














المزيد.....

قصة قصيرة سُمُّ الحياة


حيدر عاشور

الحوار المتمدن-العدد: 8716 - 2026 / 5 / 25 - 16:04
المحور: الادب والفن
    


قضت الحياة سنواتٍ طوالاً في بناء أسرتها، كابدت وتعبت حتى اطمأنت لاستقرار بيتها وزواج أبنائها، ظنّاً منها أنها بلغت مرفأ السكينة. لكن الأيام كشفت لها -بمحض الصدفة- وجهاً آخر كان يتوارى خلف قناع التضحية؛ ففجأةً وبلا مقدمات، سقطت الأقنعة لتكشف عن دناءةٍ في طبعها وتلاشٍ لإنسانيتها؛ إذ تجرّدت من كل تعاطف، وباتت تضحك في مواقف الألم وتغضب في لحظات الفرح، غير آبهةٍ بمشاعر من حولها، ولا تحركها إلا أهواؤها وأنانِيّتها، لتزرع الحيرة والأسى في قلوب من أفنت عمرها لأجلهم. أيُّ روحٍ قبيحةٍ تلك! وأيُّ أقنعةٍ ترتدي؟ إن هذا العالم يزداد غرابةً يوماً بعد يوم. لقد استنفدت مواقف القبح بعد أن ملأت جعبتها بضحاياها، ثم اتجهت نحو من تجاهلها وابتعد عنها ليسلم من خبثها، لتبدأ في تعكير صفو المرتاحين وبثّ بذور الخلاف بينهم.
لم يأتِ هذا السلوك من فراغ، بل هو إرثٌ انتقل عبر الجينات؛ إذ تفنَّن بعض مريديها في زرع الحقد بين الأنداد ومَن يتمتعون بحظٍ وافرٍ في الحياة، متلذذين برؤية الآخرين يتخبطون في قواربَ نخرتها الفتنُ والأقاويل. ولا غرابة في ذلك؛ فالجينات تنقل الصفات الإيجابية والسلبية على حد سواء، فقد يخرج من الخبيث طيّب، كما قد ينجب الطيّب خبيثاً.
في معظم الأيام، تجدها كعقبانٍ حجريةٍ تقتاتُ على رائحة الغيرة، وتطلُّ بوجوهٍ ضاحكةٍ شاحبةٍ، وكأنها خرجت من غياهب البحر؛ تمضي بصبرٍ فوق أشلاء نجاحات الآخرين، وتعتلي عروشاً من زبدٍ قامت على افتعال المشاكل؛ حتى صار كل ما يحيط بها - من بشرٍ وحيوانٍ، وجماداتٍ ونجمٍ وشجرٍ - مجرد أدواتٍ لتأثيث حقدها. تقتل أول عشاقها في يقظة العتمة الباهتة، وفي غمرة الصحو الذي تفرضه الحياة. ورغم أن أضواء شموع الزفاف غطت على ليلة عرسها العامرة بمحبيها، إلا أن القادم كان يحمل تغييراً جذرياً؛ إذ تورّدتا وجنتاها قبل أن تهرول لتصنع مأتماً. دخلت تاريخاً من دمٍ متخثر، ليولد في أعماقها حقدٌ شهي يدفعها لبعثرة القلوب الطيبة، فدست السم في شراب المهنئين، وداست على زنبقة السلام، ليفجّر دم الحقد براكين الهدوء.
كان ساكن قلبها يعود إلى نوره مراراً وتكراراً، كمن يحرث ذاته ولا يحصد سوى الأنين، سالكاً دروب رغباته كصلاةٍ في جوف الليل، لعل الله يخرجه منها سالماً. هكذا يغدو حلمه في كل ليلة تبتعد فيها عنه؛ باحثاً عن عذرٍ مبرمٍ لروحه، أو مرتقباً غيثاً يغسل أحزانه، أو حظاً يأتيه بنورس الحياة ليهبه الرضا تعويذةً وترنيمة. يمضي معها بكل هذا الهدوء والصبر، متوهماً أن سلاماً سيهبط عليه عند بلوغه الخمسين، ناسجاً قصتها بخيوط الأمل؛ فهي خلاصة أمله، وكلما استغرق فيه زادت مرارة معايشتها. وهو يدرك يقيناً أن مرارة الدنيا حلاوةٌ للآخرة، وحلاوة الدنيا مرارةٌ للآخرة.
بقي معلقاً في مهب الأقدار، وروحه تضطرب كإعصارٍ هائج. استرجع في ذهنه محنتها التي بدت كدخانٍ خانق، وأسدل الستار على أيامه معها كقصة أرضٍ أضناها العزلة. عاد متمرداً على توبته، يقصد وجهته الأولى قبل أن يمتزج سُمُّها بصبره، وتتلاشى مباهجه في خرابٍ يسكنه الأسى. تجاوز عن نفسه، وانحنى أمام وهمها وسرابها، واعتكف خشية أن يسري سُمُّها في عروقه، صابراً كي لا يضيق بها ذرعاً؛ كمن أيقن بحقيقة هذه الحياة: إن صمتَّ قتلك القهر، وإن نطقتَ تناهشتك المشاكل من كل حدبٍ وصوب، وإن هجرتَها قتلك الصبر، وإن خضتَ غمارها تشرّب جسدك السُمَّ.



#حيدر_عاشور (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وكان يردد بصوتٍ عالٍ: سيكون سفري إلى الله شهيداً
- يُفترض أن تكون إنساناً واعياً.. لا مجرماً متخفياً..!
- قصة قصيرة (امرأةٌ من الماءِ)
- (قصة قصيرة) طموحٌ جامحٌ
- قصة قصيرة.... (قرار مؤجل)
- قصة قصيرة.... صاحب الأذرع الطويلة
- قصة قصيرة (مظلةٌ مثقوبةٌ)
- قصة قصيرة (الملاذُ الأخير)
- قصة قصيرة ( أسلاك شائكة)
- قصة قصيرة (وعود ما بعد المقصلة)
- قصة قصيرة (الرجل المحنط )
- قصة قصيرة (عيونٌ اصطناعية)
- الحمار الأصفر العالمي (يحرن)
- قصة قصيرة فقدانٌ
- القدر.. مرايا لا تتشابه
- قصة قصيرة.... أفة البخل
- قصة قصيرة.. المسرةُ العقيمة
- النِدُّ
- تل أبو ماريا
- وجع فراشات (ضياء سالم ) البيض


المزيد.....




- بين الواقع واليوتوبيا.. كيف يصيغ الأدب النسوي سيناريوهات الم ...
- ما وراء شباك التذاكر.. كيف كسرت الصين هيمنة هوليود وأعادت تع ...
- من بينهم درّة زروق وتامر عاشور.. فنانون يؤدون مناسك الحج هذا ...
- فيلم -أسد- لمحمد رمضان يثير الجدل في مصر.. لماذا؟
- الممثل البريطاني ريز أحمد: أجهزة الأمن حاولت تجنيدي 3 مرات
- الأدب المقارن بين التأصيل النظري وتعدد القراءات الثقافية في ...
- أكاديميون ينتقدون -إلسيفير-ستانفورد-.. مؤشرات علمية أم أدوات ...
- المغنية والممثلة مايلي سايروس تحصل على نجمة المشاهير في ممشى ...
- هل تخشى أن تصبح مثلهم؟.. 5 أفلام تكشف الوجه الآخر للأبوة في ...
- مهرجان كان : السعفة الذهبية لفيلم -فيورد- للمخرج الروماني كر ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حيدر عاشور - قصة قصيرة سُمُّ الحياة