أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حيدر عاشور - قصة قصيرة (مظلةٌ مثقوبةٌ)



قصة قصيرة (مظلةٌ مثقوبةٌ)


حيدر عاشور

الحوار المتمدن-العدد: 8685 - 2026 / 4 / 22 - 18:18
المحور: الادب والفن
    


ها قد مَضت ثلاثة أعوامٍ دون أنْ يأتيَ كما وعدها وأقسم لها...
ثلاثةُ أعوامٍ كأنَّها دهورٌ ثقيلةٌ من الأوجاع والهموم والذلِّ اليومي، وهي تنوءُ بعبء الأبناء الأربعة... ولدان وبنتان كُبراهما في الدراسة الإعدادية، والثلاثةُ الباقون في المتوسطة والابتدائية... من أين لها أنْ تُلقِمَ هذه الأفواه الأربعة وتشتري لهم الملابس أيام الدراسةِ والأعياد...؟ ومُتطلبات المنزل التي لا تنتهي، وهي امرأة...
كان بكاؤها الليلي هو العزاء الذي تلجأ إليه، ودمعُها الساخن تبتلُّ منه وسادتها البائسة.. امرأةٌ في أيامٍ عاصفةٍ وكأنَّ العيشَ سباق وحشيّ، لا أحد يلتفتُ فيه إلى الآخر، وهؤلاء الأولاد الأربعة لا يعلمون شيئًا، فهم يطلبون ويحتجون ويمرحون دون أنْ يلتفتوا إلى تلك الأمّ التي تتمزق في كلِّ يومٍ، بل في كلِّ ساعةٍ وهي تلتقط المال اليسير مرةً من أختها أو تستدين من الجيران، ولكن إلى متى تبقى تستنزف الآخرين...؟
سُهى الابنة الكبرى تُحاصِرُها دومًا بالسؤال عن الأب الغائب وحقيقة غيابه هل هو مسافرٌ أو ميت؟
كانت عيناها تغرورقان بالدمع وهي تجيبُها بأنَّ أباها قد مات بالأحداث في قتال الشوارع والموت المجاني الذي هيمنَ كريحٍ جهنميةٍ فوق هذه الأرض، وحين تتحدثُ لابنتها عن موت أبيها الوهمي تتذكرُ القصة الحقيقية حين عاد إليها في تلك الظهيرة المشؤومة وطالبها بالمال وما تمتلك من المصوغات الذهبية لأنه وجد عملًا تجاريًا كبيرًا خارج الحدود، وسيعودُ خلال ستةِ أشهرٍ لتُصبحَ العائلةُ من أغنى عوائل المنطقة، إنَّها فُرصةُ العُمرِ وبابُ الثراء وقد انفتح بوجهنا...
كان يلهثُ بغضبٍ وهو يُمسِكُ بها ضاغطًا بأصابعه حول عنقها وكأنَّه قد فقدَ صوابَه وهو يصرخ: اعطيني ما عندكِ... ألا تُريدين منّي أنْ أعملَ وأوفرَ لُقمةَ العيشِ لهؤلاءِ الأربعة، لا عملَ هُنا سوى القتالِ والقنصِ والاختطاف... لا بُدَّ أنْ أُضحي بكل شيءٍ وأسافر لكي أوفرَ لكم ما تقتاتون عليه... سأُحوّلُ لكِ المالَ شهريًا وبما يجعلكِ لا تحتاجين إلى أختكِ زهرة وغيرها.
لم تجدْ وسيلةً تتخلصُ منه وباتتْ وكأنَّها تريد أن تُصدِّقَهُ هذه المرة فلعلّه شعر بالهوان وذلِّ العيش ورُبَّما وجد الخلاصَ في السفرِ والعملِ في الخارج... لم تسألْه حينها عن العملِ وطبيعتِهِ، لكنّها اكتفتْ بإخراجِ تلك القِطَعِ الذهبية ومبلغٍ من المال قد احتفظتْ بهِ لأيامِ السوءِ المشؤومة التي تنتظرها كما أوصتْها أمُّها بألّا تفرطَ بهذه المخزونات إلّا للأيامِ العصيبة، لكنّه بعنفِهِ وعناده، جعلَها تضعُفُ وتمدُّ يدها بارتعاشٍ إلى ذلك الكنزِ الصغير لتُسلِّمَه له وهي تتطلعُ إلى السماء أنْ يكونَ هذا الأبُ صادقًا مع نفسه وفيًا لها ولأولاده الذين ينتظرونه، وهم لا يملكون في هذه الدنيا الصاخبة والدامية سواه، وأمّ ضعيفة عاجزة عن كلِّ عمل، وفي بيتٍ بائسٍ مُستأجر...
لا تدري كيف غامرتْ تلك المغامرةَ وأعطتْه كل ما تملك؟! لعلّها قارنت موقفَه كأبٍ يريد فعلًا إنقاذ أولاده مثلما تفعل هي... لكنّه غدرَ بكلِّ شيءٍ وخيّب ظنَّها وأطاح بها إلى القاع مرةً واحدة دون أنْ يهتزَّ له شعورٌ وهو يُلقيها وأولادها إلى هذا المصير المجهول...
ألم يُفكرْ بابنتِهِ الكبيرة من الانزلاق في أمورٍ أخرى؟
ألم يُفكرْ بأنْ ينحرفَ الأولادُ أو تَضعُفُ الأمُّ وتبحثُ عن المال دون التفكير بمصدرِهِ، وقد تبيعُ نفسَها من أجلِ أن يبقى الأولاد يأكلون ويلبسون وتدفع إيجار البيت الشهري؟
لم يعُدْ أمامها سوى الاقتناع بالطريقة التي أخبرتْها بها إحدى قريباتها بأن تتوجهَ لإخراج معاملةٍ تُثبتُ بها بأنَّ زوجها قد قُضيَ عليه بالأحداث وساعدها أحدُ العاملين في المستشفى باستحصال ورقةِ وفاةٍ مقابل مبلغٍ من المال، وكلُّ ذلك من أجل الحصولِ على راتبٍ شهري كونها تعيل أيتامًا... وقد خففَ عنها الراتب الذي بدأت تتسلمه شيئًا من المُعضلة المقيتة التي وجدت نفسَها فيها بعد أنْ غابَ الزوج هذا الغياب الغامض.
هل يُعقلُ بأنَّه حيٌّ ولم يشعرْ بما يحدثُ لأولاده في هذا الجحيم اليومي الذي يعيشون بين نيرانه؟
ركنتْ إلى واقعها وبدأتْ تتناساه أو تُهملُ ذكراه، بل اعتبرتْه ميتًا بالفعل، فالذي يموتُ ضميرُه هو في الحقيقةِ جثةٌ تمشي على الأرض.
وبعد مُضيِّ الأعوامِ الثلاثة وما فيها من كَمَدٍ وعَوَزٍ وذُلٍّ فوجئت في يومٍ ما وهي تسيرُ في السوق بأنَّ هناك من يتعقبُها التفتت فوجدتْه... إنه (الزوج الغادر)!
فقدتْ صوابَها وهي تُمسِكُ به غير مُصدِّقةٍ، أمسكَها بقوةٍ ولاذَ بها في إحدى الزوايا ووضع يده الخشنة على فمها... قالت له صارخةً: لماذا جئتَ؟ وماذا تُريدُ منّا؟ فالأولادُ أيقنوا تمامًا بأنَّك قد متَّ يوم بِعتَهم وبِعتَني ولم تُفكرْ بنا كلّ هذه السنين، ما الذي فعلتَه برحلتكَ اللعينة...
هزَّ رأسه وقال: لقد خسرتُ كل شيءٍ واستدنتُ حتى أجرة العودة...
أرادتْ أن تصفعَه بكفها لكنها ترددت أنْ يتطورَ الموقف.
- أرجوكَ ابقَ ميتًا ولا تعُدْ إلينا.
- كيف... أنا أريدُ أولادي... وأريدُ الراتب الذي (تقبضينه) كلَّ شهرٍ أليس الراتب باسمي.
- يا لوقاحتكَ لم أكنْ أتصورُ أنَّك بالدناءةِ والخسّةِ والضِعةِ التي أنتَ فيها.
- إذا لم تمثُلي وتُعطيني المال الذي اطلبُه سأخبرُ الجهاتِ المختصة، وهذا تزويرٌ وانتحال، وضميري لا يقبلُ مثل هذه الأعمال الشائنة.
كان يتحدثُ عن الضمير وقد أجّجه بها غضبًا بركانيًا، فهو آخرُ من يحقُّ له أنْ يتفوهَ بهذه الكلمات البرّاقة... إنَّه أبٌ جاحدٌ وغادرٌ... قالت له:
-سأعطيكَ بعضَ المال شريطة ألّا تُرينا وجهَك الذي يُشبهُ وجه الغراب... إنني مستعدةٌ أنْ أدفعَ لكَ الراتبَ لكي تبقى ميتًا في نظرنا وللأبد.
ضَحِكَ بتفاهةٍ وسار خلفها كالعبدِ الذليل...



#حيدر_عاشور (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة (الملاذُ الأخير)
- قصة قصيرة ( أسلاك شائكة)
- قصة قصيرة (وعود ما بعد المقصلة)
- قصة قصيرة (الرجل المحنط )
- قصة قصيرة (عيونٌ اصطناعية)
- الحمار الأصفر العالمي (يحرن)
- قصة قصيرة فقدانٌ
- القدر.. مرايا لا تتشابه
- قصة قصيرة.... أفة البخل
- قصة قصيرة.. المسرةُ العقيمة
- النِدُّ
- تل أبو ماريا
- وجع فراشات (ضياء سالم ) البيض
- قصص قصيرة جداً
- كل ما أعرفه عن الرحل الاديب والصحفي والكاتب ناظم السعود
- (خالٌ في خدّ السماء) قصائد تنفَّستْ روح الشاعر علي الشاهر
- قراءة انطباعية لكتاب (لكي لا تنكسر مساحة البياض-نصوص المدينة ...
- صابون روحي
- كاظم الحجاج تحت القصف قراءة في كتاب (المدينة .. والمدافع )
- نوفل الحمداني في نصوص(هل يعود البنفسج) ... يترجم الحرب والحب ...


المزيد.....




- سوريا.. الشرع يستقبل الفنان السوري جمال سليمان في قصر الشعب ...
- من الأجمل في افتتاح مهرجان كان السينمائي 2026؟ إطلالات نجمات ...
- أميريغو فسبوتشي: لماذا تحمل أميركا اسم بحار إيطالي؟
- عبور مؤجل إلى ما خلف العدسة.. عبد الله مكسور يكتب يومه في ال ...
- -أشعر وكأنني ماكولي كولكين في فيلم وحدي في المنزل-.. فانس ما ...
- أزمة قلبية مفاجئة.. رحيل الفنان الجزائري كمال زرارة
- مفارقات كوميدية بين -كزبرة- وأحمد غزي في فيلم -محمود التاني- ...
- انطفأ السراج وبدأ عصر -الموديلز-
- أكرم سيتي يختزل قرنًا من الاستبداد في دقيقتين
- أبو الغيط يترأس اجتماع مجلس إدارة الصندوق العربي للمعونة الف ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حيدر عاشور - قصة قصيرة (مظلةٌ مثقوبةٌ)