أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حيدر عاشور - قصة قصيرة ( أسلاك شائكة)














المزيد.....

قصة قصيرة ( أسلاك شائكة)


حيدر عاشور

الحوار المتمدن-العدد: 8677 - 2026 / 4 / 14 - 14:13
المحور: الادب والفن
    


أعرف تماماً أنني امرأة منحوسة، لا يعرف الحظ طريقه إليّ، ولم يُكتب لي أن أتنعم بالحياة وبالزواج مثل صديقاتي القديمات وبنات الجيران وسائر القريبات؛ لقد ذهب بهنّ قطار الزواج بعيداً وأصبحت كل واحدة تحت نجمة. بدأت في الأشهر الأخيرة أفكر بحياتي وبمصيري وأنا أكابد سوء الحظ والإحباط الذي يتراكم عليّ مع مجيء كل صباح، بعد أن أكدت لي هدى -وهي أقرب الصديقات وأقربهن إلى نفسي- بأن لا وجود لشيء اسمه الحظ، بل هو نوع من الوهم يدمن عليه الفاشلون، وشماعة يعلقون عليها الأخطاء، وقالت لي وهي تتباهى بتخرجها من كلية الصيدلة، بينما أنا لم أكمل الإعدادية:
يا صديقتي العزيزة نور، بدلاً من أن تتحدثي عن الحظ والقسمة والنصيب، يجب أن تعرفي أن هناك إرادة وتخطيطاً وحسن اختيار ومبادرة، فهذه العوامل هي التي تصنع حياتنا بمباركة الرب العظيم. مزقي كل الأبراج واطردي كل العرافات، ودققي جيداً فيما حولك، ومع الزمن ستكتشفين الأسباب الخفية التي تقف في طريقك مثل الأسلاك الشائكة، وهذه الأسلاك قد تكون شخصاً معيناً.
والحقيقة إن كلمات هدى بقيت ترنّ في عقلي مثل أجراس كنيسة قديمة، وبدأت أحلل كل كلمة فيها... بعد أن أيقنت أن ما تقوله هو عين الصواب؛ لاسيما وهي قد تفوقت في الدراسة والزواج والإنجاب، أما أنا فليس لدي سوى أمي التي تدور حول فراشي وهي تتمتم بكلمات سريعة لا أفهمها، ثم تشعل حول سريري أعواد البخور، وأنواع الروائح، والتعاويذ التي غرقت فيها منذ صباي.
ظلت جملة (الأسلاك قد تكون شخصاً معيناً) تحاصرني وتسدّ عليّ أي تفكير... مَن هو هذا الشخص الذي تحوّل إلى أسلاك تعيق مسيري في هذه الحياة التي أكابدها ولم أنجح في أي خطوة أتوجه إليها؟ فأصبحت أشبه بالمعاقة المحاصرة بين جدران البيت.. ومما زاد من أحزاني ووحدتي هو بقائي وحيدة، بعد أن تزوجت آمال أختي الصغيرة، وبالأمس كانت تعاني المخاض وأنجبت طفلة جميلة أصرّت على تسميتها باسمي، وانتابني هاجس متناقض من الفرح والحزن؛ فرحت لأن الكائن الملائكي الجديد سيحمل اسمي، وحزنت خوفاً من أن تلاحقها لعنتي وخيباتي المزمنة.
لم يبقَ في البيت سوى أمي وأبي وأنا، وليس لي من يفكر في أن يسبب لي كل هذا الإحباط، لكن إحدى الجارات وهي تغرق في ثرثرتها اليومية التقطت أذني كلمة أعادت إليّ ما أسرته ونبهتني إليه هدى... فبعد أن قبلتني الجارة قالت لي بالحرف الواحد:
- إن والدتك تمدحك دائماً وتقول إن نور ترفض الزواج لكي لا تترك أمها وحيدة، فلقد زهدت في الدراسة والزواج من أجل أمها.. هذه ابنتي الحقيقية.
وبدأت الأحداث تمر في ذاكرتي المتعبة مثل شريط سينمائي: كيف تجد أمي ألف سبب وسبب لكي تفشل الخطبة... أكثر من 6 مرات يأتيني النصيب، لكنني أتذكر في كل مرة أنها تتسلل ليلاً إلى غرفتي، وتتحدث لي عن عيوب الخطيب، ومشاكل كل عائلة، أو تبث شكوكها بأمور أخرى تجعلني أنفر منه ومن أسرته، وتنهي حديثها:
- هذا لا يستحقك، ولا يليق بك.. ما زلتِ صغيرة.
لقد شارف عمري على العقد الرابع، وما زلتِ أيتها الأم تتسللين ليلاً إلى غرفتي وتقولين لي منذ عشرين عاما، بأنني ما زلتُ صغيرة... هل توقفت حواسك أيتها الأم؟ أم أنكِ لم تشعري، بأن للزمن دبيباً سرياً؟ وتجاعيد تغزو القسمات، وتشيع اليأس؟.
أنا لا أشك في حبك وتعلقك بأهدابي! لكن ليس كل حب يمكن أن يسعدنا، فبعض التعلق هو نوع من المرض السري الذي يجب أن نشخصه ونستأصله بأية وسيلة. لماذا لم أدرك منذ سنين طويلة بأن أمي قد تحولت إلى أسلاك تحيطني من كل جانب؟ بعد أن طغى الحب، وفاض التعلق فلم تعد ترى سواي بقربها، ولم تفكر بهذا التعلق الذي كنت أنا الضحية الوحيدة له.
كل من يراني يقول بأنني أشبه أمي في عينيها، واستدارة وجهها، ولون شعرها، وحتى في طريقة مشيها... قد يكون هذا التشابه هو سر تعلقها بي، والوقوف أمام أي شخص تشعر بأنه سيأخذني منها... لقد كبرت يا أمي ولم أعد طفلة تعقصين لها الضفائر، وتقصين عليها الحكايات القديمة لكي تنام على أصداء صوتك.
لقد تأكدت من هواجسي على غرابتها؛ فقبل يومين ناداني أبي وبوجودها قال بأن أحد الأقرباء، ويعمل مهندساً، يريد أن يتقدم لخطبتي، فنظرت إلى وجهها فوجدته قد اضطرب وشحب لونه، فبدأت تطلق الكلمات المتشنجة:
- ومَن هذا الذي يريد أن يخطب نور ؟ هل نعرفه ؟ ومن قال له انها تريد الزواج ؟!
وفجأة قفزت إلى عقلي كلمات هدى حول الإرادة والاختيار والمبادرة... هذه هي بدائل الحظ، فصرخت بقوة:
- نعم، أنا موافقة على الزواج.. وهذا المهندس أعرفه، وأعرف أسرته جيداً... لقد كبرت يا أبي ولا أريد أن أتحوّل إلى تمثال للعنوسة في هذا البيت.
أصابت الدهشة والاستغراب وجهيهما، فهما لم يتعودا على مثل هذا البوح وهذا الإصرار، ففي كل مرة يحاصرني الخجل، فأذهب إلى غرفتي... شعرا بأن هذه المرة تختلف عن المرات السابقة، وساد الصمت بينهما.
انسحبتُ إلى غرفتي، وما إن حلَّ الليل حتى تسللت أمي كعادتها في كل مرة، وبدأت تتمتم بالكلمات المعهودة... نهضتُ من فراشي بسرعة وطلبت منها أن تتوقف، وترمي ما تحمله بيدها من أدوات الخرافة، وهمستُ لها بهدوء:
- يا أمي، لقد وافقت وانتهى كل شيء... أرجوك لا تحوّلي حبك لي إلى امتلاك.. لا تنظري إليّ كدمية إنسية... أنا إنسانة ولي مشاعر، وكل قريناتي تزوجن، وكلهن أكملن الدراسة... ما الذي تريدينه مني؟ هل تعرفين أنني بدأت أصبغ شعري لأخفي الشيب الذي غزا رأسي مرة واحدة؟ سأقول لك أيتها الأم الحنون: إنني سأتزوج هذه المرة مهما كانت خصال الزوج ومواصفاته، فلقد أُسقط بيدي، ولم يعد ثمة مكان لتدلّل أو غنج، وإذا كنت تحبينني حقاً، يجب أن تقبلي بقراري هذا؛ لكونه يا أمي سنة الحياة!.
ظلت مشدوهة ومشدودة أمامي، وتصلب جسدها وهي تنظر إليَّ بعينين زائغتين، وكلما أتعمق بكلماتي أقرأ في وجهها حزناً غريباً... وبدأت تنهار قواها حتى سقطت قرب السرير وهي تمسك بشعري وتردد بحزن:
- لقد ربيتك ولا أحد يأخذك مني. وبدأت أقبلها وأسكب الماء على وجهها... وأنا أؤكد لها بأنني لا ولن أكون بعيدة عنها.



#حيدر_عاشور (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة (وعود ما بعد المقصلة)
- قصة قصيرة (الرجل المحنط )
- قصة قصيرة (عيونٌ اصطناعية)
- الحمار الأصفر العالمي (يحرن)
- قصة قصيرة فقدانٌ
- القدر.. مرايا لا تتشابه
- قصة قصيرة.... أفة البخل
- قصة قصيرة.. المسرةُ العقيمة
- النِدُّ
- تل أبو ماريا
- وجع فراشات (ضياء سالم ) البيض
- قصص قصيرة جداً
- كل ما أعرفه عن الرحل الاديب والصحفي والكاتب ناظم السعود
- (خالٌ في خدّ السماء) قصائد تنفَّستْ روح الشاعر علي الشاهر
- قراءة انطباعية لكتاب (لكي لا تنكسر مساحة البياض-نصوص المدينة ...
- صابون روحي
- كاظم الحجاج تحت القصف قراءة في كتاب (المدينة .. والمدافع )
- نوفل الحمداني في نصوص(هل يعود البنفسج) ... يترجم الحرب والحب ...
- (سقوف ) هادي الناصر الباحرة في عالم الخوف والرعب والوجع..!
- الوعي المتخيل في رواية ( تراب ادم) للروائي الكربلائي طالب عب ...


المزيد.....




- فيلم -العروس-.. قراءة فنية جديدة لفرانكشتاين
- 100 دولار وابتسامة.. هل استغل ترمب عاملة التوصيل بمسرحية سيا ...
- البرلمان الفرنسي يقر قانونا يُسهل إعادة القطع الفنية المنهوب ...
- لكل شعب -جحاه-.. أحمق حكيم أم معارض هز عروش الأقوياء؟
- ثقيلاً عليّ الصمت
- الخرتيت المدبوغ
- فرنسا: الجمعية الوطنية تناقش مشروع قانون لتسهيل إعادة القطع ...
- الهند تودع آشا بوسلي -ملكة الغناء الهندي- عن عمر 92 عامًا.. ...
- كانيي ويست.. النجم الممنوع من الغناء والمحتفى به في آنٍ واحد ...
- مصر.. زوجة الفنان سامي عبدالحليم تصدر توضيحًا بخصوص نفقات عل ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حيدر عاشور - قصة قصيرة ( أسلاك شائكة)