أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - علي ابوحبله - الإصلاح بين الإرادة الشعبية وضغوط المتطلبات الخارجية














المزيد.....

الإصلاح بين الإرادة الشعبية وضغوط المتطلبات الخارجية


علي ابوحبله

الحوار المتمدن-العدد: 8750 - 2026 / 6 / 28 - 16:19
المحور: القضية الفلسطينية
    


بقلم: المحامي علي أبو حبلة
لم يعد الحديث عن الإصلاح في الحالة الفلسطينية ترفاً سياسياً أو شعاراً إدارياً، بل أصبح ضرورة وطنية تفرضها تحديات داخلية متراكمة وظروف إقليمية ودولية شديدة التعقيد. غير أن أهمية الإصلاح لا تكمن في الإقرار بالحاجة إليه، وإنما في تحديد هويته ومنطلقاته وأهدافه، والإجابة عن سؤال جوهري: هل الإصلاح الجاري يستجيب للإرادة الشعبية الفلسطينية، أم أنه يأتي استجابة لضغوط واشتراطات خارجية فرضتها المؤسسات المالية والدول المانحة؟
هذا السؤال يكتسب أهمية خاصة في ظل ما يعيشه الشعب الفلسطيني من حرب مفتوحة على وجوده الوطني، سواء في قطاع غزة الذي يواجه كارثة إنسانية غير مسبوقة، أو في الضفة الغربية والقدس التي تتعرض لتصعيد استيطاني وتهجير ممنهج، في وقت يواجه فيه الاقتصاد الفلسطيني أخطر مراحله نتيجة سياسات الاحتلال الإسرائيلي القائمة على احتجاز أموال المقاصة، وتقييد الحركة والتجارة، واستهداف مقومات الاقتصاد الوطني.
وفي ظل هذه الظروف، لا يجوز اختزال مفهوم الإصلاح في إجراءات مالية أو إدارية أو ضريبية، لأن الإصلاح الحقيقي في ظل الاحتلال يختلف جذرياً عن الإصلاح في الدول ذات السيادة الكاملة. فهو يرتبط أولاً بقدرة النظام السياسي على تعزيز صمود المواطنين، وحماية الحقوق، واستعادة الثقة، وتوحيد الجبهة الداخلية، وإعادة بناء المؤسسات على أسس المشاركة والشفافية وسيادة القانون.
لقد أصبح واضحاً أن جزءاً كبيراً من برامج الإصلاح المطروحة يتركز على إعادة هيكلة القطاع العام، وخفض النفقات، وفرض رسوم وضرائب مباشرة وغير مباشرة، وتقليص الالتزامات المالية للحكومة، وهي إجراءات قد تحقق أهدافاً مالية قصيرة الأمد، لكنها في المقابل تفرض أعباء إضافية على المواطن الذي يواجه أصلاً أوضاعاً اقتصادية ومعيشية بالغة الصعوبة.
ولا يمكن اعتبار تحميل المواطن كلفة الأزمة الاقتصادية إصلاحاً بالمعنى الحقيقي، لأن جوهر الإصلاح يقوم على تحسين جودة الإدارة العامة، وتعزيز الإنتاج الوطني، ومكافحة الفساد، وترشيد الإنفاق، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وليس الاكتفاء بزيادة الإيرادات من جيوب المواطنين.
إن الإصلاح الذي ينطلق من اشتراطات خارجية دون توافق وطني واسع يظل إصلاحاً ناقصاً، لأنه يفتقر إلى الحاضنة الشعبية التي تمنحه الشرعية والاستدامة. فالإصلاح ليس برنامجاً محاسبياً، وإنما عقد اجتماعي جديد يعيد بناء العلاقة بين الدولة والمواطن، ويعزز الثقة بالمؤسسات، ويضمن المشاركة في صنع القرار.
ومن هنا فإن غياب الحوار الوطني الشامل، واستمرار تعطيل أدوات الرقابة والمساءلة، وتأجيل تجديد الشرعية السياسية، كلها عوامل تحد من قدرة أي برنامج إصلاحي على تحقيق أهدافه، مهما بلغت دقته الفنية أو حظي بدعم خارجي.
ومن الناحية القانونية، فإن الإصلاح يجب أن يستند إلى أحكام القانون الأساسي الفلسطيني، الذي يكرس مبادئ سيادة القانون، والمساواة، وحماية الحقوق والحريات، كما ينبغي أن ينسجم مع الالتزامات الدولية لفلسطين، وفي مقدمتها العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الذي يوجب على السلطات العامة حماية الفئات الأكثر ضعفاً، وعدم تحميلها أعباء اقتصادية غير متناسبة مع قدرتها على الاحتمال.
أما اقتصادياً، فإن الأزمة الفلسطينية ليست وليدة سوء الإدارة وحده، بل هي نتاج مباشر لاستمرار الاحتلال وسيطرته على الموارد والمعابر والحدود، الأمر الذي يجعل أي إصلاح اقتصادي حقيقي مرهوناً أيضاً بخطة وطنية تهدف إلى تعزيز الإنتاج المحلي، ودعم الزراعة والصناعة، وتشجيع الاستثمار، وتقليل التبعية للاقتصاد الإسرائيلي، بدلاً من الاكتفاء بإدارة الأزمات المالية المتكررة.
ولا يمكن فصل الإصلاح عن المشروع الوطني الفلسطيني. فالإصلاح الذي لا يترجم إلى تعزيز صمود المقدسيين، وحماية الأغوار، ودعم المخيمات، وإنقاذ قطاع غزة، وتمكين المواطنين من البقاء على أرضهم، يفقد أحد أهم أبعاده الاستراتيجية. فالمواطن الفلسطيني هو خط الدفاع الأول عن المشروع الوطني، وأي سياسات تزيد من معاناته الاقتصادية أو تدفعه إلى الهجرة أو الإحباط، تصب في نهاية المطاف في خدمة أهداف الاحتلال.
إن المرحلة الراهنة تتطلب رؤية إصلاحية وطنية شاملة تقوم على تجديد الشرعية السياسية، وترسيخ سيادة القانون، واستقلال القضاء، وتعزيز الشفافية والمساءلة، وإطلاق حوار وطني جامع، وإعادة بناء الاقتصاد على أسس إنتاجية، وربط كل برامج الإصلاح بهدف حماية الإنسان الفلسطيني وتعزيز صموده.
إن الإصلاح الذي يفرضه الخارج قد يحقق رضا المانحين، لكنه لن يحقق بالضرورة رضا المواطنين، ولن يبني دولة قادرة على مواجهة تحديات المرحلة. أما الإصلاح الذي تنطلق أولوياته من الإرادة الشعبية، ويوازن بين متطلبات الإدارة الرشيدة والعدالة الاجتماعية، ويضع المواطن في صلب العملية الإصلاحية، فهو وحده القادر على إعادة بناء الثقة، وتعزيز الوحدة الوطنية، وترسيخ مقومات الدولة الفلسطينية المنشودة.
واليوم، وفي ظل ما يواجهه الشعب الفلسطيني من تحديات مصيرية، فإن الحاجة ليست إلى إصلاحات شكلية أو استجابة لإملاءات خارجية، بل إلى مشروع إصلاح وطني مستقل، يجعل الإنسان الفلسطيني محور السياسات العامة، ويصون كرامته، ويعزز صموده، ويهيئ المؤسسات الوطنية لمرحلة التحرر وبناء الدولة، باعتبار أن الإصلاح الحقيقي يبدأ من الإرادة الشعبية، وينتهي بتحقيق المصلحة الوطنية العليا، لا بإرضاء مؤشرات المانحين أو الاستجابة لضغوطهم.



#علي_ابوحبله (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تصريحات سموتريتش... من خطاب التطرف إلى مشروع إقليمي يهدد أمن ...
- لبنان بين السيادة والتسوية... هل يقود الاتفاق الإطاري إلى إع ...
- التعبئة والتنظيم بين استحقاق الإصلاح وضرورة تجديد الشرعية ال ...
- الكنيست يبحث -تجريم الآبار الفلسطينية-: المياه في الضفة الغر ...
- طولكرم بين استحقاقات الصمود ومواجهة مخططات الاستيطان: رؤية و ...
- من إدارة الأزمة إلى صناعة المستقبل: نحو مجلس وطني استراتيجي ...
- الى القيادة الفلسطينية: فلسطين أكبر من الجميع
- دلالات تصريحات أحمد الشرع بشأن حزب الله ولبنان: مقاربة سورية ...
- هل ترفع واشنطن الغطاء عن نتنياهو؟
- من مريم أدلسون إلى اليمين الإسرائيلي: هل بدأ التصدع في جدار ...
- الأسرى الفلسطينيون والتعليم المقاوم: رسالة دكتوراه توثق صناع ...
- يوم اللاجئ الفلسطيني: سبعة وسبعون عاماً من النكبة المستمرة ب ...
- هل المطلوب إصلاح السلطة أم إعادة صياغة دورها تحت سقف الاحتلا ...
- مذكرة إسلام آباد: هل ترسم واشنطن وطهران خرائط الشرق الأوسط ا ...
- عندما يتحول السفير من ممثل دبلوماسي إلى طرف في معركة الهوية ...
- إلغاء بروتوكول الخليل: خطوة نحو الضم الفعلي وتقويض النظام ال ...
- الأسرى المحررون المبعدون... بين رمزية التضحيات واستحقاق الرع ...
- بين شعارات القدس وموائد التفاوض: لماذا غابت فلسطين عن الاتفا ...
- الاتفاق الأمريكي – الإيراني نهاية الحرب أم بداية شرق أوسط جد ...
- حقيقة مكتملة أم “صفقة مُعلّقة” تُدار بالإعلام؟


المزيد.....




- الدفاعات الجوية الروسية تدمر 40 مسيرة كانت متجهة نحو موسكو خ ...
- لقطات صادمة توثق شجارا جنونيا بين عمال تسقيف واستمرارهم في ...
- لقطات مرعبة توثق لحظة اصطدام قطار بسيارة ودفعها مئات الأمتار ...
- سفير روسيا في بريطانيا: موسكو تملك خيارات رد مؤلمة في حال اس ...
- الكشف عن -فضيحة- كبرى في إسرائيل تتعلق بإيران
- غيراسيموف يقدم لبوتين تقييما شاملا للعمليات.. تقدم واسع وضرب ...
- القائم بأعمال حاكم بيلغورود: أضرار في البنية التحتية جراء هج ...
- التحالف: تصريحات الحوثيين للتغطية على انتهاكاتهم وسنرد بحزم ...
- من احتفال وطني إلى طابع شخصي.. ترمب يهيمن على الذكرى الـ250 ...
- القوات الروسية تحرر مدينة كونستانتينوفكا


المزيد.....

- خطة ترامب: بين النص والتطبيق / معتصم حمادة
- المحطات التاريخية لمشاريع التوطين و التهجير التصفوية لقضيتنا ... / غازي الصوراني
- إبادة التعليم: الحرب على التعليم من غزة إلى الغرب / محمود الصباغ
- بين العلمانية في الثقافة السياسية الفلسطينية والتيارات السلف ... / غازي الصوراني
- قراءة في وثائق وقف الحرب في قطاع غزة / معتصم حمادة
- مقتطفات من تاريخ نضال الشعب الفلسطيني / غازي الصوراني
- الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والموقف الصريح من الحق التاريخي ... / غازي الصوراني
- بصدد دولة إسرائيل الكبرى / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى أسطورة توراتية -2 / سعيد مضيه
- إسرائيل الكبرى من جملة الأساطير المتعلقة بإسرائيل / سعيد مضيه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - علي ابوحبله - الإصلاح بين الإرادة الشعبية وضغوط المتطلبات الخارجية