زكريا كردي
باحث في الفلسفة
(Zakaria Kurdi)
الحوار المتمدن-العدد: 8741 - 2026 / 6 / 19 - 16:50
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
أكاد لا أشكّ في أنّ للتقليد والانتحال دوافعَ نفسية واجتماعية متشابكة، وأنّ وراء هذا السلوك أكثر من سبب واحد.
أوضح ما يتبدّى لي الآن هو تلك الرغبة الدفينة في الحضور والانتماء؛ فالكائن البشري، بطبيعته، لا يحتمل العزلة الرمزية، ويسعى دائمًا لأن يكون جزءًا من جماعة تمنحه الطمأنينة والسكينة. ومن هنا يلجأ بعض الناس إلى تقليد صاحب سمعة، أو مبدع مشهور، أو نموذج يظنّ أنه يملك مفاتيح القبول.
غير أنّ هذا السلوك — إذا استمرّ وتحوّل إلى عادة — لا يقتصر على البسطاء أو قليلي التعليم، بل يتعدّاهم إلى بعض المتعلمين الذين يطاردون لقبًا ما، أو شعورًا وهميًا بالإبداع الفريد، أو انتماءً إلى “نخبة” يتمنّونها، أو جماعة يعجبون بها ويحبّون صورتها عن نفسها.
وقد يكون التقليد — في بعض الحالات — مجرّد فكاهة أو سخرية، لا إعجابًا حقيقيًا بالمُقَلَّد.
لكن الأخطر، في تقديري، هو التقليد الذي يولد من الفراغ: فراغ نفسي، أو عقلي، أو معيشي، أو من تشوّش الهوية الذاتية.
وهذا الفراغ غالبًا ما يكون ثمرة الجهل، وسوء التربية، وفساد مناهج التعليم، إضافةً إلى عوامل أخرى تتصل بالاعتلال الاجتماعي أو الاضطراب النفسي.
هذا النوع من المقلّدين — سواء كانوا أدباء أو رؤساء أو “حكماء” — يصبح خطيرًا حين يفشل في نيل المكانة التي يتوهّمها، أو حين لا يحصل على التقدير الذي يظنّ أنه يستحقه. عندها يتحوّل التقليد إلى عدوان، وإلى رغبة في الانتقام من العالم الذي لم يعترف بـ “نسخته الرديئة” من الأصل.
وتبلغ الخطورة ذروتها حين يجد هؤلاء أنفسهم فجأة في منصب أكبر من قدراتهم، أو في سلطة أوسع من مواهبهم؛ فهنا يصبح الخطر عامًا، لا فرديًا.
وعند هذه الفكرة تحديدًا، يحضرني مثلٌ إفريقي عميق:
الضبعُ الذي يختبئ في ظلّ الأسد، لا يرثُ هيبته.
وفي رواية أخرى:
الديكُ الذي يختبئ في ظلّ النسر، لا يرثُ هيبته.
zakariakurdi
#زكريا_كردي (هاشتاغ)
Zakaria_Kurdi#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟