أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد صالح سلوم - الاستيلاء الناعم على السلطة في بلجيكا… حين تتحوّل الديمقراطية إلى واجهة زجاجية















المزيد.....


الاستيلاء الناعم على السلطة في بلجيكا… حين تتحوّل الديمقراطية إلى واجهة زجاجية


احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية

(Ahmad Saloum)


الحوار المتمدن-العدد: 8728 - 2026 / 6 / 6 - 21:22
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


زمن المفارقة الكبرى

بلجيكا، تلك الدولة التي طالما قدّمت نفسها بوصفها أيقونة للديمقراطية التوافقية وأعرق نموذج للتعددية المؤسسية في قلب أوروبا، يتشكّل اليوم فيها — تحت غطاء الهدوء الظاهر — مشهد سياسي–اجتماعي يشي بانقلاب صامت، انقلاب لا يحتاج إلى دبابات ولا إلى جنرالات ولا إلى إعلان حالة الطوارئ. إنه انقلاب بأظافر مخملية، يتسلّل بهدوء عبر دهاليز المؤسسات، في غياب الرصاص وضجيج المدافع.

يكفي أن تتواطأ الأغلبية البرلمانية مع الأقلية المالية، وأن تُحجب الحقيقة خلف ستار إعلامي كثيف، حتى يتحوّل البرلمان إلى مسرح دمى تتحرك خيوطه من خلف الستار، وحتى تصبح الحكومة مجرد منفّذ مطيع لإملاءات لا يعرفها الشعب ولا يوافق عليها، بل ولا يشعر بها حتى يحين الأوان بعد فواته.

في شوارع بروكسل ولييج وشارلروا، خرج أكثر من مائة وعشرين ألف مواطن — ذلك العدد الهائل في بلد لا يتجاوز عدد سكانه أحد عشر مليونًا — احتجاجًا على سياسات تمسّ جوهر العقد الاجتماعي برمته: تحديد إعانة البطالة بسنتين فقط، ورفع سن التقاعد إلى السابعة والستين، وتقليص حقوق الطلبة العمال، وتفكيك ما تبقى من دولة الرفاه التي شُيدت على مدى عقود بدماء النضالات النقابية والعمالية.

وفي البرلمان، مرّت المراسيم كما تمرّ السكاكين في الزبدة: بسرعة، ببرودة، دون أدنى تغيير يُذكر.

هنا، في هذه المفارقة الصارخة، يبدأ السؤال الكبير الذي يحرق الألسنة قبل الأسمعة:

هل ما زالت الديمقراطية — بتعريفها الكلاسيكي — تمثّل الشعب حقًا، أم أنها تحوّلت إلى مجرد واجهة زجاجية شفافة تخفي خلفها سلطة أخرى أكثر غموضًا وأقل خضوعًا للمساءلة؟



حين يصبح الشارع أكثر شرعية من البرلمان

يقول علماء الاجتماع السياسي، وبخاصة مدرسة ماكس فيبر ويورغن هابرماس، إن الشرعية ليست مجرد ورقة تُمنح في صندوق اقتراع كل أربع أو خمس سنوات، بل هي علاقة حيّة ومتجذرة بين الشعب ومؤسساته، تقوم على الثقة والمشاركة والشعور بالتمثيل الحقيقي.

وعندما يخرج عشرات الآلاف إلى الشوارع — في برد الشتاء وفي خضم أزمة اقتصادية خانقة — في بلد لا يتجاوز سكانه أحد عشر مليون نسمة، فإن هذا ليس مجرد "احتجاج عابر"، بل هو استفتاء شعبي مباشر وصريح على سياسات الحكومة بأكملها.

المتظاهرون لم يخرجوا بدافع نزوة عابرة، ولا بتحريض حزبي ضيق، ولا بدعوة من نقابات تسعى لمكاسب آنية، بل لأنهم رأوا — بأعينهم وجلودهم وأرصدتهم البنكية الفارغة — أن القرارات التي تُتخذ باسمهم إنما تُتخذ ضدهم.

رأوا أن:

· البطالة تُختزل إلى مجرد رقم في جداول إحصائية باردة، بينما هي في الواقع دماء حياة وكرامات إنسانية وعائلات تتهاوى تحت وطأة الفقر.
· الشيخوخة تُعامل كعبء يجب التخلص منه بأسرع وقت، لا كمرحلة من العمر تحمل الحكمة والتجربة والحق في الراحة.
· التعليم يُدار كسلعة استهلاكية لا كحق أساسي يفتح آفاق المعرفة والعدالة الاجتماعية.
· الإنسان يُختزل إلى تكلفة في الميزانية العامة، لا إلى كائن يحمل كرامة وحقوقًا لا تقبل المساومة.

في مواجهة هذا التحول الجذري في مفهوم الإنسان والمواطن، يصبح الشارع — وليس البرلمان — هو التعبير الحي الصادق عن الإرادة الشعبية. فالشارع لا يغش، ولا يتلاعب بالكلمات، ولا يختبئ خلف أعذار تقنية باردة. إنه يصرخ، والألم لا يكذب.

لكن الحكومة، بدلًا من الإصغاء إلى هذا الصراخ المدوّي، اختارت طريقًا آخر أكثر خطورة: تسريع التصويت على المراسيم قبل أن تهدأ الاحتجاجات، تجاهل المطالب جملة وتفصيلًا، وتقديم خطاب إعلامي مكثف يبرّر كل شيء وكأنه قدر محتوم لا مفر منه.



الإعلام… حين يتحوّل من سلطة رابعة إلى ذراع ناعم للسلطة

لا يمكن فهم ما يحدث في بلجيكا اليوم دون النظر العميق إلى دور الإعلام وتحيّزاته البنيوية. فالإعلام — في نظريات الديمقراطية الحديثة — هو السلطة الرابعة، التي يفترض بها أن تراقب السلطات الثلاث وتكشف فسادها وتكون صوت المواطن وصوّالجه في وجه العسف.

لكن في بلجيكا، كما في أغلب الدول الأوروبية الكبرى، تملك الشركات الاقتصادية العملاقة والبنوك الدولية الكبرى الحصة الأكبر والأكثر تأثيرًا في المؤسسات الإعلامية الرئيسية. وهذه حقيقة لا ينكرها إلا جاهل أو متواطئ.

وبالتالي، يصبح الخط التحريري العام — بوعي أو بغير وعي — انعكاسًا مباشرًا لمصالح رأس المال الكبير، لا لمصالح المجتمع ومطالبه العادلة.

الإعلام، الذي يُفترض أن يكون حارسًا يقظًا للديمقراطية، تحوّل إلى آلة متكاملة:

· مروّجًا مخلصًا لخطاب "الإصلاح" الذي تطلقه المؤسسات المالية الدولية، وكأنه الحقيقة المطلقة التي لا نقاش فيها.
· مبرّرًا بارعًا لسياسات التقشف تحت عناوين براقة مثل "المسؤولية المالية" و"تقليص العجز" و"تحفيز الاقتصاد".
· مخفّفًا لحدة الاحتجاجات بتصويرها على أنها "فوضى عابرة" أو "مطالب غير واقعية" أو حتى "تحريضات نقابية مرفوضة".
· صانعًا للرأي العام بدلًا من أن يكون ناقلًا أمينًا له، عبر تقنيات تأطير دقيقة واختيار دقيق للمصادر والخبراء.

وهكذا، حين يدخل المواطن البسيط إلى صندوق الاقتراع في موعد الانتخابات، يكون قد تعرّض — دون أن يشعر بالطبع — لعملية طويلة ومعقدة من تشكيل الوعي وصناعة الرغبة، تجعل التصويت أقرب إلى طقس اجتماعي فارغ منه إلى اختيار حر وواعٍ.

وهنا تكمن خطورة اللحظة التاريخية التي تعيشها ليس بلجيكا فقط بل أوروبا بأسرها:

التصويت يصبح شرعيًا شكليًا فقط، لكنه في المحتوى فاقد للشرعية الشعبية الجوهرية.



البرلمان… حين يتحوّل إلى مجرد ختم مطاطي

في النظريات الديمقراطية الكلاسيكية، يُفترض أن يكون البرلمان سلطة مستقلة وقوية، قادرة على مراقبة الحكومة ومحاسبتها ورفض مشاريع قوانينها إن خالفت الإرادة العامة أو إن كانت تحمل ضررًا واضحًا بمصالح الشعب.

لكن ما يحدث اليوم في بلجيكا يشير بوضوح إلى العكس تمامًا.

الأغلبية البرلمانية — بتلك الانضباطية الحزبية الحديدية التي جعلت الحزب يأتي قبل الوطن والمواطن — تمرّر المراسيم والقوانين كما لو كانت مجرد أوامر إدارية لا تحتاج نقاشًا ولا تمحيصًا.

لا نقاش حقيقي، لا مساءلة جادة، لا مراجعة موضوعية.

المعارضة تصرخ بأعلى صوتها داخل القبة البرلمانية، والشارع يحتج خارجها بغضب متصاعد، لكن الأغلبية تصوّت دون تردد، وكأن لا شيء يحدث، وكأن الاحتجاجات ليست سوى ضجيج عابر لا يستحق الالتفات.

هذا — في التحليل النهائي — ليس "عملاً ديمقراطيًا" بالمعنى الحقيقي للكلمة، بل هو إدارة تقنية باردة للسلطة، حيث يصبح التصويت البرلماني مجرد إجراء شكلي لإضفاء الشرعية على قرارات اتُّخذت مسبقًا في أماكن أخرى بعيدة عن أعين الشعب وعن أنظار الرقابة:

· في مكاتب البنوك الكبرى التي تمول الحملات الانتخابية وتشترط سياساتها.
· في تقارير المفوضية الأوروبية التي تفرض "قواعد الميزانية" الصارمة.
· في غرف اجتماعات الشركات متعددة الجنسيات التي تريد جيوبًا عامة أكثر خصخصة وتشغيلًا أكثر هشاشة.

وهكذا، يتحوّل البرلمان الأوروبي النموذجي إلى مجرد مسرح دمى متقن، تتحرك خيوطه من خارج المشهد تمامًا، والجمهور يصفق دون أن يدري لمن يصفق.



الاستيلاء الناعم على السلطة — نظرية الانقلاب الصامت

الاستيلاء على السلطة في القرن الحادي والعشرين لم يعد يحتاج إلى انقلاب عسكري على الطريقة الكلاسيكية: دبابات في الشوارع، منع تجول، حل أحزاب، تعليق دستور.

لا، الأمر الآن أكثر دهاءً وأكثر فاعلية.

يكفي أن تتوافر ثلاثة عناصر بسيطة في أي نظام ديمقراطي ليحدث ما يمكن تسميته "الاستيلاء الناعم على السلطة":

العنصر الأول: أقلية مالية قوية ومنظمة.

تملك المال، وتملك الإعلام، وتملك القدرة على الضغط على السياسيين من خلال التمويل الانتخابي والإغراءات الوظيفية بعد انتهاء العهدة النيابية. هذه الأقلية لا تظهر في الإعلام أبدًا، لكن حضورها خفي ودائم وقاهر.

العنصر الثاني: أحزاب سياسية ضعيفة الرؤية، قوية الانضباط.

أحزاب تعتمد على التمويل الخارجي من رجال الأعمال والبنوك، وتفتقر إلى أي رؤية اجتماعية واضحة، وهمها الوحيد هو البقاء في السلطة وتوزيع المغانم. حزبيون جوفاء، لا يمثلون سوى أنفسهم وطموحاتهم الشخصية.

العنصر الثالث: إعلام يصنع الوعي بدلًا من نقله.

إعلام يقدّم "الإصلاح" وكأنه قدر محتوم لا مفر منه، ويقدّم "التقشف" وكأنه ضرورة طبيعية مثل المطر والشمس، ويقدّم "الاحتجاج" وكأنه فوضى مرفوضة يثيرها مثيرو الشغب. إعلام يختار الخبراء الموالين، ويصوغ الأسئلة سلفًا، ويقرر ما يجب أن يفكر فيه المواطن قبل أن يفكر.

عندما تجتمع هذه العناصر الثلاثة، يصبح الشعب خارج اللعبة تمامًا، حتى لو صوّت، حتى لو احتج، حتى لو صرخ بأعلى صوته.

وتصبح الحكومة — أي حكومة، مهما تغيّرت وجوهها وأسماء أحزابها — مجرد أداة تنفيذية مطيعة لسياسات لا يملك المواطن العادي أي تأثير حقيقي عليها.

هذا هو الاستيلاء الناعم على السلطة:

استيلاء بلا عنف، بلا إعلان، بلا صدمة، بلا لحظة تاريخية فاصلة يمكن للجميع تذكرها. لكنه — في المحصلة النهائية — أكثر فاعلية وقسوة وشمولية من أي انقلاب عسكري كلاسيكي عرفته البشرية.



انهيار العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن

ما يحدث اليوم في بلجيكا — تحت هذه العناوين البراقة مثل "الإصلاح الاقتصادي" و"تحديث سوق العمل" و"الانضباط المالي" — ليس مجرد خلاف عابر حول سياسات اجتماعية أو اقتصاد تقشفي. إنه أعمق وأخطر من ذلك بكثير.

إنها أزمة شرعية بالمعنى الكامل للكلمة.

فالعقد الاجتماعي الذي بُنيت عليه الدولة الحديثة — خاصة في نموذجها الأوروبي بعد الحرب العالمية الثانية — يقوم على مبدأ بسيط وواضح:

حماية المواطن اجتماعيًا واقتصاديًا مقابل ولائه السياسي وقبوله بسلطة الدولة.

لكن هذا العقد يتفكك اليوم أمام أعيننا، حجرًا حجرًا، قانونًا قانونًا، مرسومًا مرسومًا:

· حين تُرفع سن التقاعد إلى السابعة والستين في مجتمع يعاني فيه العمال في المصانع والمناجم وقطاع البناء من أمراض مهنية خطيرة تفتك بهم قبل سن الستين، فهذا ليس "إصلاحًا عادلًا"، بل هو عقاب اجتماعي صريح لمن أتعبوا أعمارهم في خدمة الاقتصاد الوطني.
· حين تُختزل إعانة البطالة إلى سنتين فقط في مناطق بأكملها دمّرتها إعادة الهيكلة الاقتصادية وأغلقت فيها المصانع أبوابها واحدة تلو الأخرى، فهذا ليس "تحفيزًا للبحث عن العمل"، بل هو إقصاء متعمد للفقراء من شبكة الأمان الاجتماعي التي دفعوا ضرائب من أجلها طيلة حياتهم.
· حين تُدار الجامعات الكبرى كالشركات الربحية، وتُقيّم كفاءة الأستاذ بعدد الأبحاث المنشورة لا بقدرته على التعليم، ويُجبر الطالب على دفع رسوم باهظة، فهذا ليس "تحديثًا للتعليم"، بل هو خصخصة صريحة للمعرفة، وتحويلها من حق إنساني إلى سلعة لمن يستطيع الشراء.

وحين يخرج مائة وعشرون ألف مواطن — رجالًا ونساءً وشبابًا وشيوخًا — إلى الشوارع الباردة في يوم عادي، وتنظر إليهم الحكومة من خلف زجاج مكاتبها الدافئة، ولا تتراجع خطوة واحدة، بل تسرع في تمرير المراسيم كما لو كان الاحتجاج حفلة صاخبة لا تستحق الرد، فهذا يعني بوضوح قاطع:

أن العقد الاجتماعي قد انهار.

وأن السلطة لم تعد تستمد شرعيتها من الشعب، بل من الأسواق المالية ووكالات التصنيف الائتماني ومفوضية الاتحاد الأوروبي.



إلى أين تتجه بلجيكا وأوروبا؟

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم — على كل مواطن بلجيكي وأوروبي — ليس فقط:

هل ستتراجع هذه الحكومة بالذات عن هذه المراسيم بالذات؟

بل السؤال الأكبر والأعمق:

هل ما زالت الديمقراطية التمثيلية — بصيغتها الحالية — قادرة على تمثيل الشعب وحماية حقوقه وكرامته؟

ما يحدث في بلجيكا اليوم ليس حالة معزولة، ولا نزوة سياسية عابرة، ولا مجرد حكومة محافظة أكثر من سابقاتها. إنه جزء من موجة أوروبية كبرى تجتاح القارة من شرقها إلى غربها ومن شمالها إلى جنوبها:

· فرنسا تشهد احتجاجات متتالية ضد رفع سن التقاعد وسياسات ماكرون الليبرالية.
· ألمانيا تشهد تصدعًا في نموذجها الاجتماعي التقليدي مع ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الخدمات.
· هولندا تشهد احتجاجات فلاحية وسياسية غير مسبوقة ضد سياسات التقشف البيئي والاقتصادي.
· إيطاليا تترنح بين حكومات تصعد اليمين وأخرى تتبع أجندة المفوضية الأوروبية.
· اليونان وإسبانيا والبرتغال تعيشون — ولا يزالون — تحت وطأة برامج التقشف الإجباري.

في كل مكان، تتراجع الديمقراطية التمثيلية التقليدية، وتتصاعد قوة الشارع كبديل مؤقت وملاذ أخير.

قد لا يكون الحل في إسقاط الحكومات الواحدة تلو الأخرى — فهذه دوامة لا تنتهي وقد تؤدي إلى نتائج عكسية.

وقد لا يكون الحل في مجرد تغيير الأحزاب الحاكمة — فالتجربة أثبتت أن الجميع يركب الموجة نفسها متى وصل إلى السلطة.

بل الحل — إن كان هناك حل — يبدأ في إعادة تعريف الديمقراطية نفسها:

ديمقراطية تشاركية حقيقية، لا تمثيلية شكلية فقط، حيث يكون للمواطن كلمة في القرارات الكبرى قبل اتخاذها، لا مجرد ختم بالتصويت بعد أن تصبح قرارات نافذة.

ديمقراطية شفافة، تكشف عن مصالح اللوبيات والبنوك والشركات، وتجبر أصحاب القرار على الإفصاح عن كل صلة وكل تمويل وكل ضغط.

ديمقراطية تحاسب السلطة، لا تعبدها، حيث تكون هناك آليات حقيقية للمساءلة والعزل والمحاسبة في حال الخروج على الإرادة الشعبية.

ديمقراطية تعيد الإعلام إلى دوره الحقيقي كحارس وسلطة رابعة، لا كذراع ناعم للسلطة الاقتصادية.

ديمقراطية تمنع الأقلية المالية من التحكم في مصير الأغلبية الفقيرة والعاملة.

حتى ذلك الحين، سيبقى الشارع هو الصوت الحقيقي للشعب.

وسيبقى الاحتجاج هو آخر أشكال الدفاع عن الكرامة الاجتماعية في وجه آلة التقشف الباردة.



دور الاتحاد الأوروبي — من منقذ إلى شريك في الانقلاب الناعم

لا يمكن فهم الصورة الكاملة لما يحدث في بلجيكا دون وضعها في إطارها الأوروبي الأوسع. فبلجيكا ليست مجرد دولة صغيرة في قلب أوروبا، بل هي قلب أوروبا النابض: فيها مقر المفوضية الأوروبية، ومجلس الاتحاد الأوروبي، وحلف الناتو، ومئات المؤسسات الدولية واللوبيات الاقتصادية.

بلجيكا هي الضحية الأقرب والأكثر وضوحًا لسياسات الاتحاد الأوروبي النقدية والمالية.

منذ أزمة الديون السيادية عام 2008 ثم 2011، والاتحاد الأوروبي يفرض على دوله الأعضاء — خاصة دول الشمال والقارة — سياسات تقشف إلزامية تحت عناوين مثل:

· "ميثاق الاستقرار والنمو" الذي يحدد عجز الميزانية بنسبة 3% فقط من الناتج المحلي الإجمالي.
· "الاتفاق المالي الأوروبي" الذي يجبر الحكومات على تضمين "قاعدة الميزانية المتوازنة" في دساتيرها.
· "توصيات خاصة لكل دولة" تصدرها المفوضية سنويًا، وتتضمن إصلاحات هيكلية إجبارية.

هذه السياسات — التي يكتبها خبراء اقتصاد من مدرسة "النقدية" الجديدة — تُطبّق على كل دول الاتحاد بغض النظر عن ظروفها الخاصة:

· بغض النظر عن معدلات البطالة لديها.
· بغض النظر عن مستوى الفقر وعدم المساواة داخلها.
· بغض النظر عن إرادة شعوبها ونوابها المنتخبين.

وهكذا يتحوّل الاتحاد الأوروبي من مؤسسة شعارها التضليلي سلام وازدهار إلى شريك أساسي في الاستيلاء الناعم على السلطة.

فهو يفرض سياسات لا تستطيع الحكومات الوطنية رفضها خوفًا من العقوبات المالية والتهميش السياسي. ثم تنفذها هذه الحكومات تحت غطاء "الالتزامات الأوروبية"، محمّلة الشعب وزرها، بينما السلطة الحقيقية تكمن في بروكسل، في مكاتب المفوضية غير المنتخبة والبنك المركزي الأوروبي المستقل عن أي رقابة ديمقراطية.

وبلجيكا — بحكم موقعها الجغرافي والمؤسسي — هي أكثر الدول تأثرًا بهذا التناقض الصارخ: سلطة أوروبية فوق وطنية لا ينتخبها أحد، تنفذها حكومات وطنية تختبئ خلفها، ويعاني منها شعب يفقد الثقة في كل شيء: في وطنه، وفي أوروبا، وفي الديمقراطية نفسها.



شهادات من قلب الاحتجاج — أصوات لا تموت

خلال تغطيتنا لهذه الأحداث، التقينا بعدد من المتظاهرين في ساحات بروكسل ولييج. ننقل هنا بعض أصواتهم كما هي، دون تنقيح أو تجميل، لأن الحقيقة تعلو على البلاغة.

كلود (58 عامًا)، عامل سابق في مصنع للصلب في شارلروا:

"خدمت أربعين سنة في المصنع. ظهري متكسر، ورئتايا مدمرتان، والآن يريدونني أن أعمل حتى السابعة والستين؟ أي عمل؟ أنا بالكاد أستطيع المشي. هذا ليس إصلاحًا، هذا حكم بالإعدام البطيء."

سارة (34 عامًا)، أستاذة جامعية متعاقدة:

"أنا أحمل الدكتوراه وأدرّس في جامعتين مختلفتين لأتمكن من العيش. لا أمان وظيفي، لا حقوق، لا أمل. الطلبة الذين أدرّسهم يدفعون رسومًا مضاعفة ويحصلون على تعليم أقل جودة. الدولة تتفكك أمام أعيننا، وهم يتحدثون عن ميزانية متوازنة. أي توازن هذا وأطفال الشوارع ينامون جائعين؟"

مارك (22 عامًا)، طالب:

"السياسيون لا يمثلونني. لم يصوتوا لأي منهم. لقد ورثت هذا النظام القذر. أنا هنا لأن هذا هو الأسلوب الوحيد الذي يفهمونه: الشارع. البرلمان بيت للفاسدين والنواب الدمى."

إيلينا (45 عامًا)، ممرضة:

"في المستشفى، نقص حاد في التمريض منذ سنوات. الأقسام تغلق. الممرضات يغادرن المهنة لأن الرواتب لا تناسب الجهد. ثم يأتون ويقولون إنه لا توجد أموال. الأموال موجودة، لكنها في جيوب الأغنياء وشركات السلاح والحروب وليس في ميزانية الصحة."

هذه الأصوات — وتلك الآلاف غيرها — هي الحقيقة التي يحاول الإعلام والبرلمان طمسها. لكن الأصوات لا تموت، والكرامة لا تُشترى، والشارع لا يُكذّب.



الخلاصة — من الديمقراطية التمثيلية إلى ديمقراطية المواطنة

نصل الآن إلى خاتمة هذا التحقيق الممتد، ونحن أمام حقيقة لا مفر من مواجهتها:

النظام الديمقراطي التمثيلي — كما يعمل اليوم في بلجيكا وأوروبا — لم يعد قادرًا على أداء وظيفته الأساسية: تمثيل الشعب وحماية حقوقه.

آلياته بطيئة، مؤسساته فاسدة، نوابه خاضعون للوبيات، إعلامه تابع لرأس المال، وقوانينه تُكتب في بروكسل أكثر مما تُكتب في العواصم الوطنية.

ما يحدث في بلجيكا ليس مجرد أزمة حكومة عابرة، بل هو أزمة نظام متكامل.

لكن الخبر الجيد — إن وجد — أن الشعب بدأ يستيقظ. الاحتجاجات تتسع، النقابات تتحد، جيل جديد من النشطاء والمفكرين يطرح أسئلة جذرية لم تكن مطروحة من قبل.

الطريق إلى الأمام طويل وشاق، لكنه يمر عبر محطات محددة:

أولًا: كشف آليات الاستيلاء الناعم على السلطة، وتوثيقها، وفضحها أمام الرأي العام. فالفضح هو بداية العلاج.

ثانيًا: بناء بدائل إعلامية مستقلة، لا تخضع لتمويل البنوك والشركات الكبرى، بل تعتمد على تمويل جماعي وميثاق تحريري واضح لخدمة الحقيقة والمجتمع.

ثالثًا: الدفع نحو ديمقراطية تشاركية أدواتها: الاستفتاءات الملزمة، والمجالس الشعبية المحلية، والموازنات التشاركية، وحق المحاسبة والعزل المباشر للمسؤولين المنتخبين.

رابعًا: إعادة تعريف دور الاتحاد الأوروبي، من كيان فوق وطني يفرض سياسات التقشف إلى كائن ديمقراطي يحترم إرادة الشعوب ويوازن بين المصالح الأوروبية والوطنية.

خامسًا وأخيرًا: استعادة الكرامة الإنسانية كقيمة عليا لا تخضع للحسابات المالية، ولا لميزانيات العجز والفاتورة، ولا لسياسات التقشف الباردة.

حتى ذلك الحين، سيبقى الشارع هو البرلمان الحقيقي.

وسيبقى الاحتجاج هو لغة الذين سُلبوا صوتهم.

وسيبقى الأمل — رغم كل شيء — هو السلاح الأخير لمن يعرف أن الديمقراطية لا تُمنح، بل تُنتزع.



نهاية التحقيق

بروكسل، في زمن المفارقة الكبرى



#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)       Ahmad_Saloum#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نحو شرقٍ جديد… لماذا تحتاج الثقافة العربية إلى الصين وروسيا ...
- مسرحية -جنازة في فندق الكاردينال-.. كوميديا سوداء بأربعة فصو ...
- دراسة مقارنة -إتيان دافينيون، من اغتيال لومومبا إلى عراب الأ ...
- -إتيان دافينيون: من اغتيال لومومبا إلى عراب الأوليغارشية الع ...
- غرب آسيا بين أفول الهيمنة وصعود البدائل: ملحمة التحوّل الجيو ...
- -ما تبقى مني بعد أن فرغوني-..مشهد روائي في ثلاثة أصوات: صوته ...
- كتاب لإقصاء: ثلاث محاولات لطرد شعب من جسده .. رواية وثائقية ...
- -أشباح لا تستظل-..سلسلة قصصية قصيرة من 7 قصص
- دراسة مقارنة لرواية ( البارون وبرميل كاتانغا) أو (ظل الحامض ...
- زيارة بوتين إلى بكين بعد ترامب: عالم يكتب دستوره الجديد على ...
- بيروت: -تشريح الجمال المقاوم- – قراءة في قصيدة أحمد صالح سلو ...
- قراءة في خريطة الانهيار: كيف حوّلت الهزائم الإقليمية -المقاو ...
- الإرهاب الفكري: صناعة إمبريالية في ثياب الديمقراطية
- حوار الأبدية: من أبواق الثالوث النووي إلى خنادق دونباس
- قصص : جثى على ركام الحقيقة.. مستلهمة من شهادات الألم الفلسطي ...
- الصين والآلة الهولندية… حين يختصر التاريخ سبع سنوات في عامين
- كيف ترسم إيران وروسيا والصين ملامح نظام عالمي جديد
- قراءة في حرب الخليج الثالثة من منظور المناخ والصواريخ والنفط
- بين سطوة الدعاية وبهاء الحضارة: إيران كما لم يروها الخصوم
- فجر النار: كيف غيّر انفجار «تومر» معادلة الردع في اغرب آسيا ...


المزيد.....




- إيلون ماسك على وشك أن يصبح أول تريليونير في العالم.. ماذا يش ...
- توقعات بأن تتسبب حرب إيران في إفلاس المزيد من شركات الطيران ...
- نهاية مأساوية.. سمكة -خرم- تهاجم صيادا يمنيا وترديه قتيلا
- ما دلالة تدشين لبنان مطارا ثانيا في شمال البلاد؟
- رسائل عون وعراقجي.. اختبار جديد للعلاقة بين بيروت وطهران
- قائد الجيش اللبناني يزور إسلام آباد بدعوة من نظيره الباكستان ...
- فرنسا تدفع نحو عقوبات أوروبية منسقة على مستوطنين إسرائيليين ...
- حرب إيران مباشر.. رسالة باكستانية لمجتبى خامنئي وقائد الجيش ...
- لغز الأشرطة المحجوبة.. القصة الكاملة لختمة المنشاوي التي هزت ...
- مراهق على دراجة كهربائية يصطدم بدورية شرطة.. شاهد ما حدث


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - احمد صالح سلوم - الاستيلاء الناعم على السلطة في بلجيكا… حين تتحوّل الديمقراطية إلى واجهة زجاجية