|
|
هل إنتهى زمن «الأوليغارشية المحايدة» في روسيا؟
زياد الزبيدي
الحوار المتمدن-العدد: 8726 - 2026 / 6 / 4 - 00:47
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
غ
ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي
4 حزيران يونيو 2026
كيف تدفع الحرب والعقوبات النخبة الإقتصادية الروسية إلى إعادة تعريف دورها؟
في مقال مطوّل نشرته مجلة «فوينييه أوبزرينيه» الروسية في 20 مايو/أيار 2026، يطرح الكاتب الروسي يفغيني فيودوروف سؤالًا بالغ الحساسية داخل المشهد الروسي الراهن: إلى متى يستطيع كبار رجال الأعمال الروس التعامل مع الحرب بإعتبارها حدثًا يجري بعيدًا عن عالمهم الخاص؟ المقال لا يهاجم الأثرياء الروس بصورة مباشرة، ولا يدعو إلى مصادرة الثروات أو تأميم الإقتصاد، لكنه يعكس بوضوح تحوّلًا متسارعًا في طريقة نظر الدولة والمجتمع الروسيين إلى دور النخبة المالية في زمن الحرب والعقوبات والمواجهة المفتوحة مع الغرب. ففي روسيا اليوم، لم يعد السؤال يتعلق فقط بحجم الثروة أو النفوذ الإقتصادي، بل بدرجة المشاركة في ما تعتبره موسكو «معركة تاريخية طويلة» ستعيد رسم شكل الدولة والإقتصاد والنظام الدولي معًا.
من العولمة إلى إقتصاد الإصطفاف
ينطلق الكاتب من فكرة أساسية مفادها أن طبقة الأوليغارشية الروسية الحديثة وُلدت أصلًا داخل مناخ العولمة الذي أعقب إنهيار الإتحاد السوفياتي، حين كانت أوروبا والولايات المتحدة تمثلان المرجعية الإقتصادية والسياسية العليا بالنسبة للنخب الروسية الجديدة. فالثروة الروسية الكبرى لم تُبن فقط عبر الخصخصة السريعة في تسعينيات القرن الماضي، بل تشكّلت أيضًا داخل بيئة كاملة كانت ترى في: البنوك الغربية، وأسواق المال الأوروبية، والعقارات في لندن ونيس، والنظام القانوني الغربي، الضمان الطبيعي للأمان والإستقرار والإعتراف الدولي. لكن العقوبات الغربية الواسعة بعد عام 2022 قلبت هذه المعادلة بصورة جذرية، إذ إكتشف كثير من رجال الأعمال الروس أن إندماجهم الطويل في الإقتصاد العالمي لم يمنحهم الحماية التي كانوا يتوقعونها. ويشير المقال إلى أن الصدمة الحقيقية لم تكن فقط في خسارة الأصول أو تقييد الحسابات، بل في إكتشاف أن الغرب ينظر إليهم في النهاية بإعتبارهم جزءًا من الدولة الروسية مهما حاولوا الإبتعاد سياسيًا عنها.
وهم العودة إلى «ما قبل الحرب»
واحدة من أكثر الأفكار حضورًا في النص تتمثل في إنتقاد ما يسميه الكاتب «وهم العودة إلى ما قبل 2022». فبحسب المقال، ما تزال شريحة من رجال الأعمال الروس تعتقد أن الحرب مرحلة مؤقتة يمكن تجاوزها عبر: إلتزام الحذر السياسي، تقليل الظهور الإعلامي، تجنب الإنخراط المباشر في ملفات الحرب، وإنتظار تسوية سياسية تعيد العلاقات الإقتصادية مع الغرب إلى طبيعتها السابقة. لكن الكاتب يرفض هذه الرؤية بالكامل، ويعتبر أن العلاقة بين روسيا والغرب دخلت مرحلة تغيّر بنيوي طويل الأمد، وأن الإقتصاد العالمي نفسه بات يُستخدم كسلاح سياسي وجيوسياسي. ومن هنا، يرى أن فكرة «الحياد الإقتصادي» التي إستفادت منها النخب الروسية لعقود لم تعد واقعية في الظروف الحالية.
من يدفع ثمن المرحلة؟
ينتقل المقال بعد ذلك إلى البعد الإجتماعي والسياسي الأكثر حساسية. فالكاتب يلفت الإنتباه إلى مفارقة واضحة: الدولة الروسية تخوض مواجهة عسكرية وإقتصادية واسعة، والمجتمع يتحمل التضخم وإعادة هيكلة الإقتصاد، وآلاف الجنود يشاركون في القتال، بينما تستمر ثروات بعض كبار رجال الأعمال بالنمو. وهنا يطرح النص سؤالًا أخلاقيًا وسياسيًا مباشرًا: إذا كانت الدولة والمجتمع يدفعان ثمن «المرحلة التاريخية الجديدة»، فما حجم المسؤولية التي يفترض أن تتحملها النخبة الإقتصادية أيضًا؟ ويشير المقال إلى أن الأعمال الخيرية التقليدية، كتمويل المسارح والمتاحف والمشروعات الثقافية، لم تعد كافية في زمن تعتبره موسكو «زمن سيادة وصراع وجودي». فالأولوية، بحسب هذا المنطق، أصبحت لتمويل: إعادة تأهيل الجنود، الصناعات التقنية والعسكرية، الطائرات المسيّرة، أنظمة الإتصالات، والتكنولوجيا ذات الإستخدام المزدوج.
لماذا تتردد النخب الروسية؟
أحد أكثر المقاطع أهمية في المقال هو ذلك الذي يشرح أسباب التردد الحقيقي لدى جزء من النخبة الإقتصادية الروسية. فالكاتب يرى أن المشكلة لا تتعلق بنقص الإمكانيات أو ضعف القدرات التقنية، بل بالخوف من الكلفة السياسية والرمزية طويلة المدى. إذ تخشى شركات روسية كبرى أن يؤدي إنخراطها المباشر في دعم المجهود الحربي إلى: تعقيد عودتها إلى الأسواق الغربية مستقبلًا، توسيع دائرة العقوبات، وربط إسمها بصورة دائمة بما يُسمى «إقتصاد الحرب». وبعبارة أخرى، ما يزال قسم من رأس المال الروسي يفكر بعقلية العولمة القديمة، في حين تتعامل الدولة الروسية مع المرحلة الحالية بإعتبارها مرحلة تعبئة إستراتيجية طويلة الأمد.
البنوك الروسية وأرباح الحرب
يفرد المقال مساحة واسعة للقطاع المصرفي الروسي، بإعتباره المثال الأكثر وضوحًا على التناقضات الحالية. فبحسب الأرقام الواردة في النص، حققت البنوك الروسية خلال عام 2024 أرباحًا صافية تجاوزت 3.5 تريليون روبل، مستفيدة من: إرتفاع أسعار الفائدة، تضخم الودائع، وإعادة توزيع التدفقات المالية داخل الإقتصاد الروسي. ومن هنا يطرح الكاتب سلسلة من الأسئلة المباشرة: أين البرامج الإستراتيجية طويلة المدى لدعم عائلات المشاركين في الحرب؟ وأين الإستثمارات الواسعة في الطب العسكري والأطراف الصناعية والتأهيل النفسي؟ وأين التمويل الميسر للصناعات التكنولوجية المرتبطة بالأمن القومي؟ ويشير المقال بصورة خاصة إلى بنك «سبيربنك» Sberbank، بإعتباره أحد أكبر المراكز التقنية والرقمية في روسيا، متسائلًا لماذا لا يظهر دور أوضح لقدراته الهائلة في مجالات: الذكاء الإصطناعي، وتحليل البيانات، والخدمات السحابية، والتطبيقات الطبية الرقمية.
التكنولوجيا والحرب الحديثة
في الجانب التكنولوجي، يستخدم المقال شركة «ياندكس» Yendex كمثال على ما يسميه «التكنولوجيا ثنائية الإستخدام». فالكاتب يشير إلى أن التقنيات التي تطورها الشركة في مجالات: الملاحة، والرؤية الحاسوبية، والذكاء الإصطناعي، والروبوتات، يمكن توظيفها بسهولة في قطاعات مرتبطة بالأمن والدفاع والخدمات اللوجستية العسكرية. ومن هنا، يرى أن المسألة لم تعد تقنية بقدر ما أصبحت سياسية وثقافية؛ أي مرتبطة بإستعداد الشركات الخاصة للإعتراف بأن روسيا دخلت بالفعل مرحلة تاريخية مختلفة بالكامل.
التبرعات الفردية أم المسؤولية التاريخية؟
المقال لا ينكر وجود مساهمات فعلية من بعض رجال الأعمال الروس لدعم المجهود الحربي أو المشاريع الإنسانية المرتبطة به. ويشير إلى مساهمات قدمها رجال أعمال بارزون مثل: سليمان كريموف، وأوليغ ديريباسكا. كما يتحدث عن مليارات الروبلات التي جُمعت لدعم إحتياجات العملية العسكرية الخاصة. لكن الكاتب يميّز بوضوح بين «العمل الخيري الجزئي» وبين ما يسميه «المسؤولية التاريخية لطبقة كاملة». فبرأيه، التبرعات والمساعدات الإنسانية لا تكفي إذا بقيت النخب الإقتصادية الكبرى بعيدة عن إعادة توجيه قدراتها الصناعية والتكنولوجية بما يتناسب مع متطلبات المرحلة الجديدة.
هل يرسل الكرملين رسالة مباشرة؟
في القسم السياسي من المقال، يتوقف الكاتب عند تقارير تحدثت عن إجتماع مغلق جمع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بكبار رجال الأعمال الروس بعد مؤتمر إتحاد الصناعيين ورجال الأعمال الروس في مارس/آذار 2026. وبحسب ما تسرّب من أجواء اللقاء، جرى الحديث عن «مساهمات طوعية» لدعم إحتياجات الدولة المرتبطة بالحرب. ورغم نفي الكرملين أن يكون بوتين قد طلب بصورة مباشرة تمويلات إلزامية، فإن المقال يرى أن الرسالة السياسية كانت واضحة: زمن الحياد المريح يقترب من نهايته.
الحرب تعيد تعريف معنى الشرعية
وراء النقاش الإقتصادي، يعكس المقال تحوّلًا أعمق داخل الخطاب الروسي الحالي. فالثروة وحدها، بحسب هذا التصور الجديد، لم تعد كافية لمنح المكانة أو الإحترام السياسي والإجتماعي. بل إن معيار الشرعية الجديد بات يرتبط أيضًا بدرجة المشاركة في «المشروع الوطني» الذي تعتبره الدولة الروسية معركة وجودية طويلة الأمد. ولهذا، يتحول السؤال تدريجيًا من: «هل ينبغي على الأوليغارش الروس الإنخراط؟»؛ إلى: «هل ما يزال بإمكانهم البقاء خارج المعادلة أصلًا؟»
خاتمة
في جوهره، لا يدعو المقال إلى إلغاء الرأسمالية الروسية، بل إلى إعادة توجيهها بما يتناسب مع منطق «إقتصاد التعبئة» والدولة التي ترى نفسها في مواجهة إستراتيجية مفتوحة مع الغرب. وهو يكشف أيضًا عن تحوّل مهم داخل روسيا نفسها، حيث تتراجع تدريجيًا صورة رجل الأعمال بوصفه مجرد مالك للثروة، ليُعاد تعريف مكانته وفق معيار جديد: مدى إستعداده للمشاركة في ما تعتبره الدولة «إختبارها التاريخي الأكبر».
#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
بين السرّ والعلن: كيف كشفت زيارة نتنياهو للإمارات عن تحولات
...
-
من صفحات التاريخ - أيار 1941: الحرب على الأبواب
-
من «حرب الجبهات» إلى «حرب المدن»: كيف يعيد التصعيد الجوي رسم
...
-
نتائج الحرب على إيران - من إستنزاف الصواريخ إلى خرائط التجار
...
-
ألكسندر دوغين - الوقاحة أم حرب الرموز (برنامج إيسكالاتسيا عل
...
-
كييف تدفع الثمن: روسيا تحول الضربات إلى سياسة عقابية.. هل هي
...
-
ألكسندر دوغين - إستقالة تولسي غابارد ونهاية «ماغا»
-
الإعلام الروسي يصعّد المواجهة مع الغرب بعد مأسآة أطفال الدون
...
-
روسيا - أثرياء الحرب أم إقتصاد الصمود؟
-
غزة… جغرافيا الألم المفتوح
-
أوكرانيا - منطق الحرب بين التدمير والسيطرة
-
لماذا ينظر الروس إلى أوكرانيا كحرب أهلية؟
-
حين عاد ماو: كيف تقرأ الصين صراعها التاريخي مع الولايات المت
...
-
بين “الصفقة” و”الإستراتيجية”: كيف قرأت موسكو قمة ترامب شي ف
...
-
النكبة: ست حقائق أساسية
-
حرب أوكرانيا: هل تغيرت العقيدة العسكرية الروسية؟
-
ألكسندر دوغين - أزمة الواقع والتعددية القطبية والذكاء الإصطن
...
-
الحرب بدأت بالفعل
-
بين ذاكرة الحرب وعودة التسلّح: كيف ترى موسكو التحولات الأورو
...
-
من صفحات التاريخ - الغرب وهتلر: كيف إستمرت التجارة مع الرايخ
...
المزيد.....
-
3 مسارات تعيد رسم الشرق الأوسط ما بعد الحرب
-
هل تنجح الحكومة العراقية في حصر السلاح؟
-
حواجز وإتاوات.. من يعرقل امتحانات طلاب السويداء؟
-
تحصينات إسرائيلية برفح تعيد الجدل بشأن الملحق الأمني لـ-كامب
...
-
بوتين: جربنا أسلحتنا في أوكرانيا والحرب ستتوقف بشروطنا
-
سلام: المفاوضات لم تكن سهلة.. واجهنا تعنتا إسرائيليا
-
-باراك أوباما- يترشح لمنصب حاكم كاليفورنيا.. ما القصة؟
-
زامير: الجيش الإسرائيلي جاهز ونركز على الجبهة الشمالية
-
قطاع غزة.. تحذيرات من كارثة بيئية غير مسبوقة
-
لبنان.. رفض حزب الله للاتفاق يهدد جهود إنهاء الحرب مع إيران
...
المزيد.....
-
الطائفية المتغلغلة في لبنان
/ حسين محمود صالح
-
صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ
...
/ رزكار عقراوي
-
كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال
...
/ احمد صالح سلوم
-
الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير!
/ شاكر الناصري
-
كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية
...
/ احمد صالح سلوم
-
k/vdm hgjydv hg-;-gdm
/ أمين أحمد ثابت
-
كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام
/ احمد صالح سلوم
-
كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية
/ حسين جداونه
-
جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا
...
/ احمد صالح سلوم
المزيد.....
|