أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - اكرم حسين - الوعي الكردي السوري بين إرث الشعارات واستحقاقات المرحلة الجديدة؟















المزيد.....

الوعي الكردي السوري بين إرث الشعارات واستحقاقات المرحلة الجديدة؟


اكرم حسين

الحوار المتمدن-العدد: 8725 - 2026 / 6 / 3 - 20:47
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لم يكن سقوط النظام الأسدي مجرد نهاية لحقبة طويلة من الاستبداد والخوف، بل شكّل أيضاً لحظة كاشفة لكثير من المسلمات السياسية التي ترسّخت في الوعي السوري لعقود، وفي مقدمتها الخطاب التقليدي الذي حكم مقاربة القضية الكردية في سوريا. فمع انهيار النظام لم تسقط بنية القمع وحدها، وإنما برزت إلى السطح أزمة عميقة في الأدوات والمفاهيم السياسية التي اعتمدتها الحركة الكردية خلال مراحل طويلة من نضالها، وهي أزمة لم تعد قابلة للإخفاء أو التأجيل بعد أن أظهرت التحولات الكبرى في سوريا والمنطقة ، محدودية ذلك الخطاب وعجزه عن مواكبة الوقائع الجديدة.
كان من المفترض أن يُشكّل رحيل النظام فرصة تاريخية لإعادة بناء الدولة السورية على أسس المواطنة والعدالة والشراكة الحقيقية بين جميع مكوناتها، غير أن المشهد الذي تلا ذلك كشف عن حالة من الارتباك والانقسام والتناقض في المواقف السياسية، رافقها سيل من التصريحات الإعلامية التي عكست في كثير من الأحيان غياب رؤية واضحة للمستقبل ، وفي خضم هذه الفوضى، برز سؤال جوهري لم يحظَ بما يستحقه من النقاش: لماذا تغيّر الخطاب السياسي الكردي بهذه السرعة؟ ولماذا تراجع سقف الشعارات التي طالما رُفعت بوصفها أهدافاً ثابتة غيرقابلة للتعديل ؟ والأهم من ذلك، لماذا يجري التعامل مع هذا التحول وكأنه حدثٌ عابر لا يحتاج إلى تفسير أو مراجعة؟
إن تجاهل هذه الأسئلة يعكس ارتباكاً سياسياً واضحاً ، اضافة الى غياب مشروع فكري وسياسي قادرعلى إنتاج وعي وطني كردي سوري جديد يتلاءم مع طبيعة المرحلة الراهنة. فالخطاب الذي ساد لعقود طويلة قام في جزءٍ كبيرٍ منه على شعارات كبرى وغايات بعيدة المدى، لكنها بقيت منفصلة عن موازين القوى الحقيقية وعن الإمكانات الواقعية لتحقيقها ، ومع مرور الزمن تحوّلت تلك الشعارات إلى مسلمات سياسية يصعب الاقتراب منها أو إخضاعها للنقاش، حتى بدا وكأنّ مراجعتها تُمثّل تنازلاً عن الحقوق القومية أو تفريطاً بالثوابت الوطنية.
لقد أثبتت التجربة أن كثيراً من العناوين التي هيمنت على الخطاب الكردي، مثل الحكم الذاتي والفيدرالية وحق تقرير المصير، كانت أقرب إلى شعارات تعبئة سياسية منها إلى مشاريع قابلة للتنفيذ ضمن السياق السوري والإقليمي القائم ، ولا يتعلق الأمرهنا بعدالة هذه المطالب أو بمشروعيتها، بل بمدى إمكانية تحقيقها في ظل بيئة سياسية معقدة، ودولة سورية تسعى بعد سنوات من الحرب والانهيار، إلى إعادة تثبيت سيادتها ووحدتها الوطنية ، ومن هنا فإن الإصرار على التعامل مع هذه الشعارات بوصفها شروطاً مسبقة وغير قابلة للنقاش لم يؤدِّ إلى تعزيز القضية الكردية، بل ساهم أحياناً في عزلها عن المسار الوطني العام ودفعها نحو مزيد من التهميش.
إن المرحلة الراهنة تفرض إعادة التفكير في الأسئلة الأساسية المتعلقة بطبيعة المشروع الكردي في سوريا. فما الذي يحتاجه الكرد اليوم فعلاً؟ وما هي الأهداف الممكنة والقابلة للتحقق ضمن الظروف الحالية؟ وكيف يمكن تحويل المطالب القومية المشروعة من عناوين نظرية إلى مكتسبات ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية؟ هذه الأسئلة لا تقل أهمية عن المطالب نفسها، لأنها تُمثّل الجسر الذي يربط بين الطموح والواقع، وبين الحلم وإمكانية تحقيقه.
لقد دخلت سوريا مرحلة جديدة تختلف جذرياً عما سبقها ، ولم يعد الصراع يدور بين نظام استبدادي وشعب محروم من حقوقه فحسب، بل أصبح يتعلق بمستقبل دولة تبحث عن صيغة جديدة لتنظيم علاقتها بمكوناتها المختلفة ، وفي هذا السياق لا تبدو سوريا الموحدة القائمة على الإنكار والإقصاء خياراً قابلاً للاستمرار، كما أن مشاريع التقسيم والتشظي لا تمثّل بديلاً واقعياً أو آمناً ، ويبقى الطريق الأكثر عقلانية هو في بناء دولة مدنية ديمقراطية تعترف بتعدد هوياتها ومكوناتها، وتضمن حقوق الجميع ضمن إطار وطني جامع.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى الانتقال من سياسة الشعارات إلى سياسة الحقوق، ومن التنظير المجرد إلى النضال العملي اليومي. فبدلاً من استهلاك الجهد في سجالات لا تنتهي حول التسميات والصيغ الدستورية الكبرى، يصبح من الأجدى التركيز على انتزاع حقوق فعلية ومستدامة، مثل تعزيز اللامركزية ، وتمكين المجتمعات المحلية من إدارة شؤونها عبر مؤسسات منتخبة، وضمان مشاركة حقيقية في صنع القرار، وتكريس اللغة الكردية في التعليم والثقافة والإعلام ضمن مناطق وجودها الطبيعي، والعمل على معالجة المظالم التاريخية التي تعرض لها الكرد في إطار عدالة انتقالية شاملة تنصف جميع الضحايا دون استثناء.
إن إعادة تعريف القضية الكردية لا يمكن أن يتم بمعزل عن مشروع وطني سوري أوسع يقوم على الديمقراطية وحقوق الإنسان والمواطنة المتساوية. فحقوق الكرد ليست منفصلة عن قضايا السوريين الآخرين، بل تُمثّل أحد أبرز معايير نجاح الدولة الجديدة في تجاوز إرث الاستبداد ، والدولة التي تعجز عن ضمان حقوق مواطنيها في لغتهم وثقافتهم وهويتهم هي دولة تعيد إنتاج الأزمات ذاتها التي قادت البلاد إلى الانفجار. كما أن التعامل مع المطالب الكردية بوصفها تهديداً أمنياً بدلاً من اعتبارها حقوقاً مشروعة لا يؤدي إلا إلى إعادة تدوير عقلية الإقصاء التي حكمت سوريا لعقود طويلة.
إن الوعي الكردي المطلوب اليوم هو الوعي القادر على الجمع بين التمسك بالحقوق القومية والانفتاح على الشراكة الوطنية، من خلال الدفاع عن الخصوصية الكردية والانخراط في معركة السوريين جميعاً من أجل الحرية والعدالة والديمقراطية. فالمواطنة المتساوية لا تعني إنكار التنوع أو تذويب الخصوصيات، بل بناء دولة تحترم هذا التنوع وتحميه باعتباره مصدر قوة وإثراء للمجتمع.
وفي النهاية، فإن ما تحتاجه الحركة السياسية الكردية اليوم ليس المزيد من الشعارات ولا المزيد من الصراعات الداخلية، بل قدراً أكبر من الشجاعة الفكرية والسياسية لإجراء مراجعة جادة لتجربتها السابقة. مراجعة تعترف بالأخطاء دون خوف، وتعيد ترتيب الأولويات وفق معطيات المرحلة، وتوضح للرأي العام أن إعادة صياغة الأهداف المرحلية لا يعني التراجع عن الحقوق، بل يعكس فهماً أكثر نضجاً للواقع وآليات التغيير. فالمعركة لم تعد مع الطغمة الاسدية التي كان يجري مواجهتها بشعارات مطلقة، بل أصبحت معركة معقدة تتداخل فيها المصالح الوطنية والهواجس المجتمعية والتوازنات الإقليمية والدولية.
ومن هنا فإن بناء وعي وطني كردي سوري جديد لا يأتي من البيانات الرنانة ولا من المنافسة على الزعامة، بل من الدفاع اليومي عن الإنسان وحقوقه، ومن العمل المتواصل من أجل مدرسة تُدرّس باللغة الكردية، ومحكمة تنصف المظلوم، ومؤسسة منتخبة تعبّر عن إرادة الوعي الكردي السوري بين إرث الشعارات واستحقاقات المرحلة الجديدة
، ودستور يؤكد أن سوريا وطن لجميع أبنائها دون تمييز. عندها فقط يصبح النضال أكثر التصاقاً بحياة الناس وأكثر قدرة على تحقيق الإنجازات، ويتحول الحلم من شعار يُرفع في المناسبات إلى مشروع واقعي يتقدم خطوة بعد أخرى نحو مستقبل أكثر عدالة وكرامة للجميع.



#اكرم_حسين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- البعد الوطني للقضية الكردية في سوريا
- مراجعة نقدية لمسيرة تيار مستقبل كردستان سوريا: أزمة مفتوحة و ...
- عقد دستوري أم -محاصصة- وظائف ؟
- ماذا بعد الكونفراس؟ إعادة بناء المشروع الوطني الكردي
- من -وهم- القوة إلى -انبعاث- الهوية الوطنية ؟
- انكسارالأيديولوجيا: نحو رؤية كردية سورية جديدة
- سوريا ، من الأيديولوجيا العابرة للحدود ، إلى فضاء الدولة الو ...
- الكرد في سوريا الجديدة ، من العزلة إلى الشراكة .
- عيد النوروز في قصر الشعب: قراءة في تحولات الدولة السورية الج ...
- إشكالية القومي والوطني في الخطاب السياسي الكردي السوري
- في وهم « المؤتمرالكردي السوري الجامع»
- كرد سوريا :ضحايا التحديات التاريخية والإقليمية
- الاندماج الكردي في الدولة السورية: تحديات وآفاق المستقبل؟
- جراح الهوية السورية: من انكار التعدد إلى وحدة المصير ؟
- -الربيع العربي- ثورات شعبية أم إعادة رسم للخرائط؟
- قراءة في المرسوم الرئاسي رقم 13 لعام ٢٠٢£ ...
- في ظل غياب الشفافية بين دمشق و-قسد-: تفاهمات تحت خط النار
- مشعل التمو :الشعلة التي لا تنطفئ؟
- سوريا: بين كسرالنمط الكولونيالي اوإعادة إنتاج التبعية؟
- عن الهوية السورية


المزيد.....




- -تقييد صلاحيات ترامب-.. ماذا نعرف عن التصويت -المهم- الذي شا ...
- -إسرائيل ولبنان تتفقان على تنفيذ وقف إطلاق النار بشرط التزام ...
- تجاوزت 60 يوما.. مفتشو الحكومة الأمريكية يدققون في حرب إيران ...
- -ميدان صيد بالمسيّرات-.. والد جندي إسرائيلي يصف معارك جنوب ل ...
- عاجل | الخارجية الأمريكية تعلن اتفاق إسرائيل ولبنان على وقف ...
- حنين العودة إلى أوروبا يدب في أوصال بريطانيا
- مجلس النواب الأمريكي يصوت بالموافقة على قرارا بإنهاء الحرب ض ...
- اليوم العالمي للعمل في مجال الجنس.. تسليط الضوء على ظروف -أق ...
- أمريكا والصين.. تنافس عملاقين أم مواجهة حتمية؟
- بعد الاستهداف السابع للمطار.. ما خيارات الكويت للرد على الهج ...


المزيد.....

- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - اكرم حسين - الوعي الكردي السوري بين إرث الشعارات واستحقاقات المرحلة الجديدة؟