أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - اكرم حسين - عقد دستوري أم -محاصصة- وظائف ؟














المزيد.....

عقد دستوري أم -محاصصة- وظائف ؟


اكرم حسين

الحوار المتمدن-العدد: 8698 - 2026 / 5 / 5 - 03:19
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


لا يمكن قراءة تاريخ الشعب الكردي في سوريا أو فهم صيرورته السياسية عبر عدسات ضيقة تفتقر إلى العمق الاستراتيجي؛ فالكُرد ليسوا طارئاً جغرافياً ولا "وافداً" على النسيج الوطني، بل هم جزء أصيل ممتد الجذور في تربة هذه الأرض منذ قرون. لقد جاء "مقص" سايكس-بيكو ليبتر أوصال المنطقة وتاريخها ، ضارباً عرض الحائط بإرادات الشعوب، ليدشن بذلك فصلاً طويلاً من المعاناة القسرية تحت وطأة مشاريع "شوفينية" مارست التهميش المنهجي والإنكار الثقافي ، ومنذ إحصاء عام 1962 الذي جرّد الآلاف من هويتهم، وصولاً إلى سياسات "الحزام العربي" وتجريم اللغة الكردية، تشكلت لدى الكرد ذاكرة جمعية مثقلة بالمظالم، وهي جراح لن تندمل بمسكنات مؤقتة، بل باعتراف سياسي وقانوني شامل ينهي زمن المعاناة والإقصاء ، مما يفرض على أي مشروع لسوريا الجديدة أن يقدّم إجابات مختلفة جوهرياً عن الإرث الثقيل الذي جعل علاقة الكُرد بفكرة "الدولة" محملة بالعديد من الهواجس .
اليوم، وبينما تسعى البلاد لطي صفحة النظام البائد، ومع بروز ملامح واقع سياسي جديد يقوده الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، مدعوماً بمؤشرات إيجابية كـ "المرسوم 13" والروح الوطنية التي تجلت في أعياد النيروز، يقف الكُرد أمام فرصة موضوعية لإعادة صياغة النضال الكردي ضمن إطار وطني سوري جامع، حيث لا ينبغي أن يكون الهدف محصوراً في نيل مكاسب آنية أو "غنائم" سياسية، بل في مأسسة الحقوق الكردية لتكون ركيزة صلبة في بناء "الدولة الطبيعية" ، التي تجعل من عدالة القضية الكردية معياراً لمدى صدق توجهاتها الديمقراطية.
بيد أن المفارقة المقلقة التي تلوح في الأفق تكمن في انزلاق بعض أطراف الحركة الكردية نحو ما يمكن تسميته بـ "سياسة الغنائم الإدارية". ففي اللحظة التي يُنتظر فيها انتزاع اعتراف دستوري واضح بالحقوق القومية، نجد انشغالاً محموماً بتأمين حصص وظيفية في دوائر وأجهزة الحكم الجديدة ، وتحويل القضية من "حقوق شعب" إلى "بورصة وظائف" ما يمثّل تحولاً خطيراً يُفرغ النضال الكردي من مضمونه الأخلاقي والسياسي؛ فالمشكلة الكردية لم تكن يوماً "في عدد الموظفين"، بل في طبيعة العلاقة البنيوية بين الدولة والكُرد كجماعة ثقافية وسياسية ذات خصوصية تاريخية.
إن اختزال هذه القضية الوجودية في مجموعة من المناصب الإدارية يضرب جوهر المشروع القومي الكردي، القائم أصلاً على الاعتراف السياسي، والمساواة الثقافية، والحق في إدارة الشأن المحلي، والعدالة في توزيع الثروات الوطنية. هذا الانزلاق الإجرائي لا يخدم سوى القوى التي تسعى لإبقاء الملف الكردي ضمن خانة "المشكلة اللوجستية" القابلة للتسوية عبر سياسة الترضيات والاحتواء، بدلاً من التعامل معه كقضية سياسية وطنية تتطلب حلولاً دستورية بنيوية . كما أنه يحوّل نضال شعب إلى مجرد مساومات بين نخب، ويستبدل ثقافة الحقوق الراسخة بثقافة "طلب العطايا" من السلطة المركزية.
لا يطلب الكُرد زيادة تمثيلهم الوظيفي كمكافأة على عقود الإقصاء والمعاناة ، بل بتغيير جذري في طبيعة العقد الذي يربط الدولة بالمجتمع الكردي ، وهذا الخلط بين "الحق" و"الحصة" يمثّل تفريطاً بتضحيات جسيمة وعقود من الصمود السياسي؛ فالحل الحقيقي والوحيد يمر عبر اعتراف دستوري صريح يرتكز على ثلاثة أعمدة: أولاً، الاعتراف بالشعب الكردي كقومية أصيلة في البلاد. ثانياً، إقرار نظام للحكم المحلي في مناطق الغالبية الكردية يتيح لهم إدارة شؤونهم الثقافية والتعليمية والاقتصادية والخدمية بمرونة فائقة ، تحت مظلة السيادة الوطنية ، وثالثاً، ضمان تمثيل عادل في مؤسسات الدولة المركزية يقوم على معيار الكفاءة لا الولاء ، وهذا يمثّل باعتقادي ذروة "المواطنة"، التي لا تعني الذوبان أو الصهر القومي، بل الحق في الاختلاف والتميّز ضمن الهوية الوطنية الجامعة.
من هنا، ينبغي على القيادة السورية الجديدة أن تُدرك أن الملف الكردي ليس هماً أمنياً يجب احتواؤه، بل فرصة وطنية لبناء نموذج سياسي تعددي ومستقر. لأن التعامل مع الكُرد كشركاء كاملين في القرار والثروة والهوية هو السبيل الأمثل لتحصين سوريا ضد التجاذبات الإقليمية والتدخلات الخارجية. السلطة الجديدة اليوم أمام اختبار حقيقي : فإما التعامل مع القضية الكردية كـ "عقبة إدارية وعسكرية " تُعالج ببعض المناصب والترضيات، وإما أن تبني معها شراكة سياسية كاملة في صياغة عقد اجتماعي لـ "وطن جديد".
وفي المقابل، يقع على عاتق الحركة السياسية الكردية مسؤولية كبرى في الترفع عن التفاصيل الإدارية الضيقة نحو الأفق الدستوري الاوسع ، ورفض الانشغال بفتات المناصب على حساب الثوابت القومية والوطنية، وأن تعي جيداً أن أي تسوية لا تمنح الكُرد اعترافاً دستورياً واضحاً لن تكون سوى "مسكن مؤقت" يؤجل الأزمات ولا يحلها ، وبالتالي لا يمكن للحركة الكردية أن تنجح إذا ما انساقت وراء الهم الإداري على حساب الرؤية السياسية؛ فالكُرد لا يستجدون "صدقة إدارية"، بل ينشدون دولة ديمقراطية تعترف بهم كمؤسسين وشركاء أصليين، وتُعالج قضيتهم كقضية شعب يطمح للعدالة والانصاف .
نحن اليوم أمام لحظة الحقيقة واختبار الإرادات؛ فإما المضي قدماً نحو بناء دولة المواطنة التي تحمي التنوع وتؤسس له دستورياً، وإما السقوط في مستنقع التسويات الهشة .
لن يلتفت التاريخ إلى عدد الحقائب الوزارية التي نالها هذا الطرف أو ذاك، بل سيسأل : هل نجحتم في تغيير جوهر العلاقة بين الدولة والكُرد من القمع والإقصاء إلى الشراكة والاعتراف الدستوري؟ الإجابة على هذا السؤال هي وحدها التي ستحدد ما إذا كانت "سوريا الجديدة" قطيعة حقيقية مع الماضي، أم مجرد واجهة جديدة لنظام قديم ، ورهاننا جميعاً ، أن تكون سوريا دولة تتسع للجميع، لا بوصفهم ضيوفاً، بل بناة ومؤسسين حقيقيين لدولة اليوم والغد .
*نشرت في صحيفة يكيتي العدد ٣٤٣عن شهر نيسان لعام ٢٠٢٦



#اكرم_حسين (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ماذا بعد الكونفراس؟ إعادة بناء المشروع الوطني الكردي
- من -وهم- القوة إلى -انبعاث- الهوية الوطنية ؟
- انكسارالأيديولوجيا: نحو رؤية كردية سورية جديدة
- سوريا ، من الأيديولوجيا العابرة للحدود ، إلى فضاء الدولة الو ...
- الكرد في سوريا الجديدة ، من العزلة إلى الشراكة .
- عيد النوروز في قصر الشعب: قراءة في تحولات الدولة السورية الج ...
- إشكالية القومي والوطني في الخطاب السياسي الكردي السوري
- في وهم « المؤتمرالكردي السوري الجامع»
- كرد سوريا :ضحايا التحديات التاريخية والإقليمية
- الاندماج الكردي في الدولة السورية: تحديات وآفاق المستقبل؟
- جراح الهوية السورية: من انكار التعدد إلى وحدة المصير ؟
- -الربيع العربي- ثورات شعبية أم إعادة رسم للخرائط؟
- قراءة في المرسوم الرئاسي رقم 13 لعام ٢٠٢£ ...
- في ظل غياب الشفافية بين دمشق و-قسد-: تفاهمات تحت خط النار
- مشعل التمو :الشعلة التي لا تنطفئ؟
- سوريا: بين كسرالنمط الكولونيالي اوإعادة إنتاج التبعية؟
- عن الهوية السورية
- من دهوك ..هل يعيد الكرد في سوريا هندسة مشهدهم السياسي؟
- الكرد كأمة -لا تاريخية-: قراءة فلسفية وتاريخية في الإشكاليات ...
- تحدّيات الخطاب الكردي في سوريا ، بين الشعاراتية والواقعية..؟


المزيد.....




- ترامب -لا يفكر في الوضع المالي للأمريكيين خلال حرب إيران-.. ...
- -خيانة عظمى-.. ترامب يهاجم وسائل الإعلام الأمريكية التي تفيد ...
- بتهمة -تمجيد الإرهاب-.. فرنسا تلاحق ناشطاً على خلفية تظاهرات ...
- تقرير يكشف: السعودية شنّت هجمات سرية على إيران في خضم الحرب ...
- روبيو باسمه الصيني الجديد يتوجه إلى بكين رغم العقوبات
- وسط انتقادات حقوقية.. محكمة تونسية تؤيد سجن صحفيَّين
- حرب إيران مباشر.. البنتاغون يكشف فاتورة الحرب وإسرائيل تعلن ...
- هل ستكون زيارة ترمب للصين على حساب إيران؟
- 4 سيناريوهات للتدخل.. كيف يوظف التنين الصيني نفوذه لإنهاء ال ...
- أتمنى ألا نُقصف في مهرجان كان.. عضو بلجنة التحكيم يهاجم هولي ...


المزيد.....

- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه
- جزيرة الغاز القطري : مملكة الأفيون العقلي " إمبراطورية ا ... / احمد صالح سلوم
- مقالات في الثورة السورية / عمر سعد الشيباني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - اكرم حسين - عقد دستوري أم -محاصصة- وظائف ؟