|
|
الحاج الخازوق وكبش العيد
الحسان عشاق
روائي وكاتب صحفي
الحوار المتمدن-العدد: 8725 - 2026 / 6 / 3 - 20:14
المحور:
الادب والفن
العيد على الأبواب، ثغاء الخرفان تملا الأسواق والمنازل، انهض في الصباح الباكر كما العادة رغم الإعياء والاجهاد، السجائر تضعف قوتي ،البيت صامت على غير العادة. الزوجة تأخرت في النوم بسبب العياء وكثرة الحديث عن كبش العيد، الخبز الحلال يحتاج إلى الخفية قال له جده يوما (لفياق بكري بالذهب مشري) الحكمة لم يعد لها معنى في الزمن العجيف ، القرية الصغيرة ما تزال متلفعة بالصمت، المسرب الطرقي بدا يضيق ، الجار نصب عارضات حديدية وأسلاك مشبكة في جناح الظلام، الناس بدؤوا يعرفون تحركاتي من طقطقات الدراجة الهوائية، أتسلل مع الفجر، الشجرة الكبيرة التي تظلل في الحر الباب الحديدي القديم تبدو مثل هرم كبير، شجرة التوت تظل مخضرة على طول السنة ،لا حديث في الأزقة والمقاهي إلا عن أسعار الأضاحي في السوق الأسبوعي، الأسعار مرتفعة وستزيد ارتفاعا، السيد السوق نفسه، اجلس وحدي أتأمل تأملي قرب النافذة، انظر إلى الطريق الترابي الطويل بعينين متعبتين، ثمة بالوعات بدون أغطية، أفخاخ ليلية للمركبات والراجلين، العيد صار ثقيلا علي وجيوبي مثقوبة. الأثمنة تلهب الجيوب وتكسر الأحلام، بالأمس أمطرتني الأم بالدعاء و القفاشات ،رائحة الكسكس تغلف الجو، لماذا أهل بلدي يجتهدون في تحضير وجبة الكسكس المزدهرة بأنواع الخضر كل يوم جمعة...؟ سؤال يمطرق الدماغ بقوة ويبقى بدون جواب، حين توفي ابي حضر الفقهاء قرؤوا من الكتاب المقدس طيلة الليل، شحنوا البطون بالكسكس وقطع اللحم، رفعوا اكف الضراعة إلى السماء للدعاء مع الفقيد الذي قيل فيه من المزايا والخصال والإيمان العميق والأنفة والعزة والكرامة ما لم يقل في الصحابة، حين أهلوا عليه التراب تفرقت الجموع، دخل مرحلة النسيان، شعرت أن شيئا من نور الحياة انطفأ إلى الأبد بداخلي، كثرة الهموم تذكرني بالذين ماتوا والذين تدهورت حالتهم الصحية، الحياة بدون معنى ، دخل علي الابن الصغير رياض، يحمل دفترا مدرسيا قديما، وأعادني من الشرود والتيهان إلى الواقع.
— أبي… هل سنشتري خروفا هذا العام...؟ — لا أدري يا بني. — أمي… قالت إن الله ينظر إلى القلوب.
رفعت رأسي ببطء، تنهدت تنهدة عميقة. رياض في العاشرة من العمر ، لكنه فهم من نبرتي وصوتي أكثر مما فهم من الكلمات، الأطفال الصغار اكثر فهما للأحاسيس، ساد صمت دافئ للحظات، عاد صوت المؤذن من المسجد القريب ممزوجا بأصوات الدجاج والريح ونباح الكلاب. رياض يحب تسلق شجرة التوت الكبيرة، يراقب الأفق البعيد. الريح تمر كأنها حيزبون تحمل أسرار الشتاء الحاد، لا املك من الدنيا سوى أم نحيلة وبيت صغير سقفه من حديد متعب، كلما هطل المطر سالت القطرات فوق وجوه الأبناء كأن السماء تبكي معهم، الفقر عندي ضيف، شقي ، عنيد لا يغادر، يجلس معهم على المائدة الخالية، وينام قرب الباب، ويصحو قبلهم كل صباح.
في تلك الليلة، لم استطع النوم، ظللت أتقلب في الفراش كأني مصاب بالحمى ، تذكرت الأعياد القديمة، فكرت بصوت مسموع (العيد الحقيقي هو ألا ينام أحد جائعا ) نهضت من الفراش فجأة، أشعلت المصباح، فتحت الصندوق الخشبي القديم المركون في زاوية الغرفة، أخرجت حافظة نقود مهلهلة وباهتة، تتوسطها صورة عارضة أزياء لم يبق منها سوى الجدع، الوجه اختفى تماما، سحبت لعبة الابن الصغير، أسورة فتيات أول هدية لابنتي من السوق، إضمامة صور، قلبت الصفحات ، صورتي في حضن الأب وأخرى فوق الكتف، صورة فوق الحمار، أطارد الدجاجات، العب مع الكلب، احس بدوار خفيف تأوهت وأرسلت تنهيدات. كل ما املك مبلغ صغير جمعته بالتقتير، في الصباح ركبت الدراجة الهوائية، الطقطقات ترتفع، موسيقى أصبحت مألوفة، يرتج المقود، الحفر والنتوءات تملا الطريق ،بعت الهاتف النقال وعشرات الدجاجات، السوق يعج بالحركة، أصوات الباعة، وثغاء الأغنام، رائحة الغبار والتبن، وقفت طويلا أمام الأكباش، الأثمان مشتعلة، لأول مرة اعرف معنى ( الشناقة)، هذه الكائنات الزئبقية تلهب الأسعار ،عدت إلى المنزل خالي اليدين، إلا من طمأنينة كانت تملأ صدري كضوء قنديل صغير في ليل طويل. جلست قرب النافذة ،الريح الخفيفة تتلهى بالسنابل، المعدة الخاوية تصدر أنينا خافتا، لم اقل إنني جائع، ولم اخبر أحدا بما فعلت في السوق. لم اكن حزينا ولا فرحا، فكرت بصوت مسموع (السعادة ليست في كثرة ما نملك… بل في خفة ما نحمل داخل قلوبنا)، اعرف أن الكلمات والحكم بدون معنى وأنني ارتب الأبناء على المفاجآت غير السارة، الريح تمر على السنابل كأنها يد أم تمسح رأس طفل نائم، جالس فوق كرسي خشبي ادخن السجائر الشقراء أتأمل الغروب، الشمس وهي تغرق ببطء خلف التلال، حديث الخروف يربكني وأسئلة الأولاد تضايقني ، تحولت إلى أستاذ اشرح قيمة القناعة والصبر واستحضر حكايات ومواقف عن هروب خروف من حظيرة احدهم، وجار آخر وجد خروفا نافقا، لكن هذه المراوغات لا تجدي نفعا .
-يا بني هناك أناس يملكون الأضحية ولا يملكون الرحمة وبإذن الله سنشتري كبشا.
في زقاق ضيق من أزقة الحي القديم، حيث تتشابك البيوت و تفوح رائحة التوابل الممزوجة بعبق التاريخ، دكاكين تعرض أنواع التمور ، مكسرات ، معجنات ، حلويات، ضغطت على الدواسات، الطقطقات ترتفع، امني النفس بدراجة هوائية جديدة، وعدني مهاجر بالديار الأوربية لكنه اخلف الوعد، لم احقد علي لكل إنسان ظروفه الخاصة، سمعت صوتا يناديني، الحاج الخازوق الحاج الخازوق ، رغم أن اللقب يبدو غريبا أو قاسيا في البداية، إلا أنه في حقيقته يحمل دلالة ، أعجبني حين سمعت شرحا مفصلا، انه يحيل على رجل وتد، صامد ، في وجه عواصف الحياة ، لا ينكسر، لقب أطلقه علي الكاتب المشاكس تندرا بصلابتي.
- كيف الحال الحاج الخازوق - الحمد لله - اشتريت خروف العيد...؟ - اين الثمن...؟
اقترب من الخمسينات من عمري، وجهي يحكي قصصا من الصبر والكفاح ، السند الوحيد لأسرة مكونة من خمسة أفراد ، الزوجة الصابرة التي تدير البيت بأقل القليل وتصنع من البساطة دفئا، الابن والابنة قوتي في الكفاح والصبر، فتاة في العقد الأول ونصف العقد وصبي في العقد الأول، يدرسان وعينهما على غد أفضل يرفعان عن كاهل أبيهما( الحاج الخازوق) التعب وغدر الزمان، الأم العجوز بركة البيت التي لا تكف عن الدعاء لي في كل صباح ومساء. لا املك وظيفة ثابتة، ولا راتبا انتظره نهاية كل شهر، في الصباح الباكر انطلق من البيت الصغير المسور بالأشجار في دوار القرية في اتجاه المدينة، طريقا استعملته آلاف المرات، احفظ المنعرجات و المطبات، اشتغلت في الخمارات وفي الضيعات، وجهي ماركة مسجلة في مخافر الأمن، أدمنت العراكات الدامية، حين تزوجت وازدان الفراش بالابنة لم اعد شخصا منحرفا يخيف الناس، يهدد ويتوعد، يعيش في زوايا المدينة المعتمة، حيث الليالي لا تنام، والضمائر تباع في حانات الوهم، لم اكن مجرد عابر سبيل في طريق الغواية، بل كنت قائدا في أوركسترا الانحراف، تشربت الروح بالقسوة والشر، واعتادت عيناي رؤية العالم من خلال زجاجة داكنة من الطيش والأنانية ، ظننت أن الحرية انعتاق من كل فضيلة، حتى تآكلت الروح وأصبحت جسدا بلا قنديل ، وفي ليلة خريفية باردة، هطل المطر بغزارة ، السماء تغسل خطايا الأرض. لجأت إلى شرفة مسجد عتيق لاحتمي من المطر، ليس رغبة في العبادة وممارسة الطقوس الدينية، بل هربا من بلل يفسد الهندام. انفض الماء عن المعطف، انساب من نافذة المسجد صوت دافئ ورخيم، الإمام يتلو آيات لم تطرق مسامعي منذ طفولتي البعيدة لأني كنت تائها أصم اتبع هوائي، (قل يا عبادِي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله…) سقطت الكلمات المقدسة على القلب كشرارة نار في حقل قش جاف، شعرت أن الآية كتبت لأمثالي من المنحرفين ومحترفي الشر ، فكرت لو كنت مخمورا لما انتبهت لقيمة الآية ولا تمعنت في معناها الدقيق، النداء يلتف حول العنق ليعيدني برفق إلى جادة الصواب. تذكرت فجأة وجه الأب الراحل، سماع تلاوة القران تذكرني دائما بالموتى، تذكرت النقاء الذي كان يملأ عينيه الصغيرتين قبل أن يلوثهما غبار المدينة، نظرت بتمعن إلى يدي المشققة، فرأيتهما ملطختين بآثار الخيبات والذنوب والمعاصي والكبائر، لأول مرة منذ سنوات لمحت عيناي بريقا غريبا، دمعة دافئة شقت طريقها على الوجه القاسي، لتغسل ناصية الكبرياء، لم اعرف أهي دمعة الإحساس بالضعف ام بحثا عن الراحة الداخلية المفقودة مند سنوات.
لم ادخل المسجد ولا مرة في حياتي، عدت إلى البيت سيرا تحت زخات المطر ، اجر الدراجة الهوائية، ومع خيوط الفجر الأولى التي بددت عتمة الليل، تذكرت الجرو الصغير الذي نبح قرب الباب وأدخلته بعد تردد كبير ولففته في كيس القمح، وقربته إلى الموقد، حين شعر بالدفئ، اقترب وبدا في لعق يدي، وضعت أمامه خبزا مغمسا بالمرق، أراقبه يبتلع الوجبة، حين امتلأت المعدة نام في الكيس ، إشارات تأتي من السماء أن ما بداخلي من حب وإنسانية لم يمت ، قررت القيام برحلة تطهيرية حقيقية، فالطريق الصعب لم يحملني إلى روابي الهدوء والسكينة، علي تجربة سلك الطريق الآخر ، تخلصت من كل ما يربطني بالماضي المظلم، وقطعت حبال العلاقات الزائفة التي كانت تشدني إلى القاع، حملت البنت في يدي وشكرت الله، فتحت نوافذ البيت لتدخل الشمس لأول مرة منذ أعوام، كأني اطرد أشباح الماضي، خرجت إلى الطبيعة وفي يدي البراءة، مشيت بين الحقول والخطى الثابتة احس براحة داخلية، الطمأنينة تعيد تعريفي كإنسان جديد.
لم تعد السعادة عندي في صخب الحانات وليالي العربدة والمجون، بل في سكون الفجر ومرافقة أبنائي إلى المدرسة وانتظارهم أمام الأبواب الحديدية، وفي لقمة عيش ابتغيها بالحلال، وفي نظرة رضا أجدها في مرايا الروح المصقولة بالتوبة ، أدركت أن العودة إلى الطريق السوي ليست ضعفا، إنها شجاعة الغريق الذي قرر أخيرا أن يتنفس بعد غطسة طويلة في النهر. احمل خضارا لتاجر في السوق في الظهيرة، أساعد في نقل أثاث أو إصلاح جدار ،في المساء أبيع بعض الفواكه الموسمية على عربة خشبية صغيرة. أتحرك في الحياة بمبدأ الحركة بركة، والرزق الحلال يحب الخفية، ورغم قسوة المتطلبات، من مصاريف الدراسة، علاج الأم، وتأمين لقمة العيش، إلا أني لا امد اليد لأحد، أواجه الحياة بابتسامة رضا لا تفارق شفتي. قال عنه صديقه المقرب أمين بائع الأواني الخزفية ( الطواجني) في جلسة انس، الغريب في قصة الحاج الخازوق رغم فقره المدقع، اصبح وجها مألوفا وشخصية لا غنى عنها وسط الساكنة ، إذا غاب الحاج الخازوق يوما عن المقاهي، شعر الجميع بأن شيئا أساسيا ينقص الجلسات، يتدخل لفض النزاعات البسيطة بين الزبناء والنادل بكلمة طيبة ومزحة ذكية تذيب الخلافات، تجده أول الحاضرين في مسامع العزاء ليساعد في التنظيم، وأول المهنئين في الأفراح حاملا معه بهجته ، يثق فيه الصغير والكبير، ويستشيره شبان الدوار والمدينة في أمورهم لرجاحة عقله وتجربته.
تستمر حكاية الحاج الخازوق كل يوم تأتي بالجديد، وتتمدد الحكايات و القفاشات، لقب مستفز ويحيل على آلة تعذيب بدائية، لكنه تحول إلى رمز للكفاح والتسامح، نعم أصبحت رمزا للتسامح وقوة الصبر والتحمل، الجلسات لا تستقيم إلا بحضوري، اروي قصصا عن المغامرات وغزوات الأيام الخوالي ، حكيت لهم عن ليلة سكر طافح حين افترقنا احد الندماء دخل حظيرة للبهائم ونام فيها، حين استفاق لطمته رائحة الروث وهرول مسرعا المفاجأة أن الدوار كله علم بالأمر، واغرب القصص أن ثمة سكير لعبت به الخمرة أراد أن يفرغ مثانته ومن شدة السكر الطافح تخيل نفسه نزع السروال، حين عاد إلى الجلسة هرب الجميع، رائحة الغائط تضرب منه بقوة . البحث عن الرزق الحلال يدفعني للطواف على الشوارع والأزقة، اخرج مع الفجر والتوكل يملأ قلبي، أعود في المساء بما قسم الله ، محفوفا بدعوات والدتي، واحترام جيراني إلا بعضهم الذين حفروا خندقا وسط المسرب الطرقي وسقطت فيه ونقلت إلى المستشفى، في سيارة الإسعاف حاولت استعادة السقوط في المخيلة فهمت أن ثمة أشرار يحاولون جري إلى الماضي القريب، لكنني لن اسقط في الفخ، أصبحت شخصا آخر ودفنت في أقبية ودهاليز الجسد الشرير الذي كنته، اثبت للجميع أن الغنى ليس في رصيد البنك، انه في رصيد الكرامة، ومحبة الناس، والرضا بما قسم الله . يتساءلون كيف يبتسم رجل لا يملك إلا القليل وأجيب بكل ثقة في النفس.
-القناعة ليست أن تملك القليل… بل أن يهدأ قلبك فلا يطلب ما في أيدي الناس. جملة انثرها كتحية على السامعين تمر على البعض كنسمة عابرة، وعلى آخرين كحكمة لا يفهمونها إلا بعد تعب العمر. فالقناعة عندي لم تكن صبرا على الحرمان وضيق ذات اليد، إنما يقينا بأن الخير لا يضيع، حتى وإن اختفى عن عيون الناس، صديقي أمين الطواجني حمل بالسيارة إلى ضيعات فلاحية بحثا عن خروف في المتناول لكن بدون فائدة، الأسعار ملتهبة و الشناقة الكبار تحكموا في السوق ،ضرب كفا بكف وأسلمت أمري لله. فرت أن ليلة العيد سأحمل أولادي إلى أصهاري، الفكرة تغلغلت في الدماغ، زوجتيي لم تمانع، في منتصف الليل رن الهاتف اكثر من مرة، دوار حوار مقتضب مع شخص مجهول، طرح علي عشرات الأسئلة، أجبت دون تفكير ولا تردد أنني لا املك لا ثمن خروف ولا نعجة، سمعت عبر الأثير ضحكة مجلجلة، انفرجت الأسارير، فكرت أن بعض أعمال الخير تشبه المطر لا يصدر صوتا حين يسقط لكنه يحيي الأرض كلها، أحسست براحة داخلية وثقل ينزاح عن الظهر ، صمت عميق، جميل، يشبه القناعة حين تسكن القلب و فعل الخير يتحول إلى حياة. اعمل كادحا لأضمن قوت يومي، الظروف هذا العام أصعب من المعتاد، ومع اقتراب عيد الأضحى المبارك، وجدت نفست عاجزا عن شراء كبش العيد.
البنت و الولد يراقبان أطفال الجيران ، يلعبان حول الأضاحي، ويستمعان إلى ثغاء الخراف في الدوار بفرحة عارمة. كل مساء،أرى في عيون الأبناء بريق أمل ينطفئ ببطء، وحزنا صامتا يحاولان إخفاءه مراعاة لقلبي. جلس الصغير رياض في حضني وقال ببراءة.
-يا أبي، هل سيأتي كبش العيد إلى بيتنا هذا العام...؟ اشتقت لكي أطعمه بيدي.
ابتلعت غصة في الحلق، وربث على رأس ولده قائلا: (إن الله كريم يا بني، والخير بيد الله دائما) نام الأطفال تلك الليلة وقلوبهما معلقة بأمل ضعيف، بينما قضيت ليلتي رافعا يديي بالدعاء إلى السماء أن لا تكسر فرحة أبنائي. قبل يوم واحد من العيد، سمعت طرقات بباب البيت، طرقات خفيفة متتالية، فتحت الباب بهدوء ولفحت وجهي نسمات الهواء البارد، وجدت أمامي رجلا شابا في مقتبل العمر يرتدي ثيابا بيضاء وطربوش احمر ونعلا اصفر، بجانبه كبش أقرن، سمين، وأبيض كالثلج، غير بعيد سيارة بيكوب رابضة على مقربة من المسرب الطرقي .
- أشارك معكم هدية العيد...ادفع المبلغ الذي بحوزتك والباقي على دفعات. لقد زرت الضيعة يوم امس لم اكن موجودا ...؟ بالمناسبة المتصل بالهاتف والدي الذي يعرفك حق المعرفة سبق أن وضعت له إشهارا للمزرعة في شبكات التواصل الرقمي. - آه تذكرت الحاج العايدي -تماما - شكرا وبلغ له سلامي
وقفت مذهولا،مشدوها، الكلمات تعثرت في اللسان ، دموع الامتنان تترقرق في عيني، تذكرت هاتف ليلة امس، الأمر لم يكن مزحة، لم أجد كلمات تسعفني لشكر الرجل الغريب، سلمني حبل الكبش، لكنني رفضته، وظهرت علامات التعجب على المحيا، افضل أن أبقى بدون عيد على أن أبقى مدينا لاحد، تعجب الشاب من الموقف، تراجع خطوتين إلى الوراء سحب الهاتف النقال واتصل، ظل يتكلم بدون توقف، حين عاد طلب مني التحدث ، أخدت منه الهاتف بعد تردد، عائلتي الصغيرة تراقب المشهد في العيون توسلات قوية ، الحاج العايدي يقسم بأغلظ الإيمان أن الابن لن يعود إلى الدار، قبلت على مضض، دفعت له مبلغا صغيرا وهو كل مدخراتي، ودعا لي الابن بالبركة ثم انصرف بسرعة كما جاء. لم يكد الكبش يدخل فناء البيت الصغير حتى تعالت صيحات الفرح. رياض الصغير يقفز فوق الأرض حافيا صرخا: (جاء الكبش! جاء الكبش) ركضت البنت مسرعة لتحضر بعض الحشائش والماء لتروي الهدية المباركة وتصفق بيديها والدموع في عينيها، رأت الابتسامة التي غابت طويلا تعود لوجه أبيها ، تحول البيت البسيط في لحظات إلى مهرجان من الضحك والبهجة. لم يكن الكبش مجرد أضحية، بل كان رمزا لجبر الخواطر، ورسالة من السماء بأن الفقير ليس منسيا. يوم العيد ارتدى الأطفال ملابسهما النظيفة، والفرحة تملأ قلوبهما قبل وجوههما، شارك الأبناء أباهم وأمهم في تقديم الأضحية، وكان درس التكافل والتراحم قد حفر في عقول الصغار إلى الأبد، اللحم ينشوي فوق المجمر، الدخان يصعد إلى المساء، الكلاب تلعب بذيولها تنتظر قطعة لحم، القطة البيضاء المرقطة بالأسود لا تكف عن المواء، تذوقوا من الأسياخ طعم اللحم الشهي، لكن الطعم الأجمل الذي تذوقوه في ذلك اليوم كان طعم الفرحة والأمل، وعلموا أن في الدنيا قلوبا رحيمة تصنع من العطاء عافية وسرورا في قلوب الآخرين.
#الحسان_عشاق (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
غيبوبة الكلمات والدم
-
الحاج الخازوق رجل من كوكب اخر
-
رواية : هكذا لوى مؤخرته راقص الاعراس (1)
-
المرتشي والرقم الاخضر
-
رواية( زقوم كرة القدم )
-
زرقاء اليمامة سجينة الفضاء الازرق
-
الحداد والاحمق والصورة
-
الفقيه والطاهية والجارة
-
ظهور السيدة قطام وروتيني اليومي( الحلقة3)
-
الافعى ذات السبعة رؤوس
-
ظهور السيدة قطام وطلاق الأخت ( الحلقة2)
-
البداية : ظهور السيدة قطام
-
احاور جنازتي من فوق المحمل
-
محاكمة الصحافة وتقزيم حرية التعبير في المغرب
-
خوكم بوحمارة واغتصاب متزوجة
-
خوكم بوحمارة وفتاة السرطان
-
خوكم بوحمارة
-
زقوم كرة القدم الحلقة ( 10)
-
زقوم كرة القدم الحلقة (9)
-
زقوم كرة القدم الحلقة ( 8)
المزيد.....
-
مغامرات، رعب وعودة أيقونات الطفولة.. أفلام ضخمة تُشعل شباك ا
...
-
رواية التخشبوش للكاتبة د. نعيمة عبد الجواد
-
أخبار الفنون البصرية حول العالم: يونيو 2026 السينما والتقني
...
-
رحيل مارجان ساترابي الفنانة التي كسرت الصور النمطية عن إيران
...
-
لماذا ندفع المال لنشعر بالفزع؟.. خريطة لأبرز أنواع الرعب في
...
-
فيلم -برشامة- يفتح سجالاً محتدماً في مصر بين حرية الفن والثو
...
-
المثقف العربي في مواجهة -الترند-: هل فقدت النخبة سلطة التأثي
...
-
وفاة الفنانة الفرنسية الإيرانية مرجان ساترابي عن عمر ناهز 56
...
-
وفاة الفنانة الفرنسية الإيرانية مارجان ساترابي مؤلفة رواية -
...
-
لم يتمكن من السفر فابتكر عوالم مدهشة.. هذا ما فعله فنان تايو
...
المزيد.....
-
نافذة ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال
/ كمال التاغوتي
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث
...
/ السيد حافظ
-
سِنّمار
/ كمال التاغوتي
-
مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد
...
/ عيسى بن ريمة
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
-
طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة
/ احمد صالح سلوم
-
حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي
/ نايف سلوم
-
احلام الفراشة مجموعة قصصية
/ أمين أحمد ثابت
المزيد.....
|