أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ماهين شيخاني - صرخة من بين القمامة














المزيد.....

صرخة من بين القمامة


ماهين شيخاني
( كاتب و مهتم بالشأن السياسي )


الحوار المتمدن-العدد: 8725 - 2026 / 6 / 3 - 07:52
المحور: الادب والفن
    


خرج أبو خالد مع أول خيط من ضوء الصباح. كانت المدينة تستيقظ ببطء، كعجوزٍ أنهكته الحروب. المحال ما تزال مغلقة، والشوارع نصف فارغة، والريح تدحرج أكياس النايلون بين الأرصفة المهملة.
كان في طريقه إلى عمله قرب سوق الهال، حيث تتكدس الشاحنات والخضار والوجوه المتعبة. وقبل أن يصل بقليل، مرّ بجانب المكب العشوائي الممتد على أطراف المدينة؛ جبل صغير من القمامة يزداد ارتفاعاً كل يوم، كأنه شاهدٌ على خرابٍ لا ينتهي.
في البداية ظن أن الصوت الذي سمعه مواء قطٍ جائع.
توقف.
أصغى.
عاد الصوت مرة أخرى.
أنينٌ ضعيف... متقطع... يشبه محاولة الحياة الأخيرة للتشبث بنفسها.
اقترب بحذر.
خطا بين أكياس النفايات وبقايا الكرتون والزجاج المكسور.
ثم تجمد في مكانه.
هناك...
بين أكوام القمامة، كان طفل حديث الولادة ملقى على قطعة قماشٍ ملوثة بالدم. كان جسده الصغير يرتجف من البرد، ووجهه شاحباً كأن الليل ما زال عالقاً عليه.
وحول القماط كانت جرذان المكب الكبيرة تتحرك مذعورة بعد أن أفزعها اقترابه.
صرخ أبو خالد بأعلى صوته:
— يا ناس!... تعالوا بسرعة!
وخلال دقائق تجمّع المارة وأصحاب المحال القريبة.
حدّق الجميع في المشهد بصمتٍ ثقيل.
امرأة وضعت يدها على فمها وبكت.
رجل عجوز تمتم:
— يا ساتر يا رب...
وشابٌ غاضب صاح:
— أي أم هذه التي ترمي طفلها بين القمامة؟!
لكن أحداً لم يجبه.
كان الطفل ما يزال حياً.
يبكي بصوتٍ واهن، كأن الهواء نفسه أثقل من أن يدخل رئتيه الصغيرتين.
حمله أبو خالد بين ذراعيه.
شعر بحرارته الخافتة.
بنبضه الصغير.
وبرائحة الدم والحليب المختلطة برائحة النفايات.
في تلك اللحظة، لم يستطع أن يمنع نفسه من التفكير:
من هي أمه؟
هل كانت فتاة خائفة من فضيحة لا ترحم؟
أم امرأة جائعة لم تعد تملك رغيفاً إضافياً لطفل جديد؟
أم ضحية حربٍ سحقت البشر حتى صاروا يتخلّصون من أحلامهم كما يتخلصون من القمامة؟
لم يعرف.
ولم يعرف أحد.
وصلت سيارة الإسعاف بعد قليل.
أخذ المسعفون الطفل بسرعة، وانطلقت السيارة وصفارتها تمزق سكون الصباح.
وبقي الناس واقفين يحدقون في المكان الذي وُجد فيه.
بعد أيام، تناقلت المدينة الخبر.
الطفل نجا.
وأصبح حديث الناس جميعاً.
بعضهم لعن الأم.
وبعضهم بكى عليها.
وبعضهم اكتفى بالصمت.
لكن الحقيقة ظهرت بعد أسابيع.
حين عثرت الشرطة على امرأة شابة في أحد الأحياء الفقيرة.
كانت مريضة، هزيلة، تعيش وحدها في غرفة شبه مهدمة.
اعترفت بأنها أم الطفل.
وحين سألوها لماذا فعلت ذلك، انهارت باكية وقالت:
— لم أرمِه ليموت...
نظر المحقق إليها باستغراب.
فأكملت وهي تنتحب:
— رميته هناك... لأنني كنت أعرف أن الناس يمرون من ذلك الطريق كل صباح.
سكتت لحظة.
ثم قالت:
— كنت أبحث له عن فرصة حياة... أكثر مما كنت أملكها أنا.
في تلك اللحظة، لم يعرف أحد في الغرفة من الذي كان يحتاج إلى الرحمة أكثر...
الطفل الذي وُجد بين القمامة...
أم الأم التي أوصلته إليها بيديها.
@الجميع



#ماهين_شيخاني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العينان اللتان بقيتا في الأب
- الفرات… حين ضاق النهر بأوجاع البشر
- العلاقات الكوردية – العربية: تاريخ أصيل لا يحتاج إلى -مُحسّن ...
- الإعلام والقضية الكوردية: حين يصبح السلاح بلا رامٍ
- بين الواقعية والتنازل: إلى أين تمضي السياسة الكوردية في سوري ...
- لافتات الحسكة: حين تصبح اللغة ساحة حرب
- اليوم التالي لإيران: هل يملك الكورد رؤية النجاة وسط انهيار ا ...
- من أنقرة إلى طهران عبر بغداد: كيف تتوحّد القوى الإقليمية كلم ...
- غرب كوردستان: أرض مسروقة بخطوط الاستعمار
- حين تختطف الأحزاب كوردستان: من يملك الانتماء؟
- عندما يفشل الحب في بيوت الأدباء: من كافكا إلى كردستان
- في الحافلة وقصص أخرى
- كوردستان ليست بحاجة إلى أوصياء: صعود -تجار التحذير- في زمن ا ...
- دروس سوريا… ومأزق الخوف في إيران
- سوريا وميزوبوتاميا: اسم ينتمي إلى جغرافية حضارية واحدة
- -زعيم الكونفدرالية المنزلية-
- الثالوث المؤثر في المشهد الكوردي في سوريا.. قراءة تحليلية في ...
- -القيادة التي تخاف من النقد.. تدفن نفسها في مقبرة الصمت-
- بارون في الكامب
- - رحيل يوجع الذاكرة - قصة قصيرة


المزيد.....




- ترمب يتقمص شخصية العميل 007: رسائل سياسية بصبغة سينمائية تثي ...
- ربيع للقلب المنهك.. حين يلون الأرجوان إسطنبول
- النقابات الفنية في مصر ترد على أزمة فيلم -برشامة- برفض -التك ...
- من القاعدة إلى داعش.. قصة الجذور الفكرية المثيرة للجدل
- الكويت تخفض التمثيل الدبلوماسي الإيراني وتطلب مغادرة دبلوماس ...
- مئوية إدريس الشرايبي.. سيرة روائي شرح أعطاب الاستعمار بالفرن ...
- الشاعر السيريالى عبدالرؤوف بطيخ ضيفا على نادى أدب دمنهور برئ ...
- منشأة -الكهف- العملاقة للفنان الفرنسي جي آر في باريس تبدو مت ...
- بعد فوزها بجائزة دولية.. وجدان أبو شمالة: كتابي دعوة أخلاقية ...
- مدعومة من ترامب.. فنانون ينسحبون من حفلات بمناسبة الذكرى الـ ...


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - ماهين شيخاني - صرخة من بين القمامة